منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

غلاء الأضاحي يربك المغاربة رغم تحسن الموسم الزراعي بعد سنوات الجفاف

23 مايو 2026
امرأة تتسوق في سوق الماشية، قبيل عيد الأضحى في مدينة وجدة المغربية
امرأة تتسوق في سوق الماشية، قبيل عيد الأضحى في مدينة وجدة المغربية

يشهد المغرب هذا العام موسما فلاحيا وصفه كثير من المزارعين بالمبشر، بعد تساقطات مطرية غزيرة أنهت نسبيا سنوات طويلة من الجفاف أثرت بشكل قاسٍ على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، غير أن التحسن المناخي الذي أعاد الأمل للفلاحين ومربي الماشية لم ينعكس بشكل مباشر على أسعار الأضاحي، إذ لا تزال الأسواق تعيش على وقع ارتفاع الأسعار وتنامي شكاوى المواطنين من المضاربة والاحتكار مع اقتراب عيد الأضحى.

وذكرت وكالة رويترز أن المغرب يسجل هذا العام انتعاشة زراعية ملحوظة بفضل الأمطار التي شهدتها البلاد بين شهري نوفمبر وفبراير، بعد نحو سبع سنوات متتالية من الجفاف أثرت بشكل كبير على أعداد الماشية وتكاليف الإنتاج الزراعي، وكانت السلطات المغربية قد اتخذت العام الماضي إجراءات استثنائية عقب دعوة العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى عدم ذبح أضحية العيد، بهدف حماية القطيع الوطني من التراجع الحاد وإتاحة الفرصة لتعافيه بعد سنوات من الأزمة المناخية.

دعم حكومي لإنقاذ القطيع

وفي إطار مواجهة تداعيات الجفاف، أطلقت الحكومة المغربية برنامجا لدعم مربي الماشية بلغت قيمته نحو 11 مليار درهم، أي ما يقارب 1.2 مليار دولار، وشمل إعانات مباشرة لتخفيف تكاليف الأعلاف، إضافة إلى إجراءات تنظيمية تهدف إلى حماية الثروة الحيوانية، من بينها تقييد ذبح إناث الأغنام للحفاظ على قدرتها على التكاثر.

وتشير بيانات رسمية إلى أن أعداد رؤوس الماشية والأغنام في المغرب تراجعت بنسبة 38 بالمئة خلال عام 2025 مقارنة بآخر إحصاء أجري قبل تسع سنوات، نتيجة توالي موجات الجفاف وارتفاع تكاليف التربية والعلف، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الأضاحي في الأسواق.

ورغم تحسن الظروف المناخية هذا العام، يؤكد مربو الأغنام أن آثار الأمطار لا تظهر بشكل فوري على القطاع، لأن إعادة تكوين القطيع تحتاج إلى سنواتٍ من الاستقرار المناخي وتراجع تكاليف الإنتاج.

دعوات للمقاطعة

ومع اقتراب عيد الأضحى، انقسم المغاربة بين من استبشر بعودة شعيرة الذبح هذا العام، وبين من اعتبر الأسعار الحالية فوق القدرة الشرائية لغالبية الأسر، خاصة مع استمرار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

وأطلق نشطاء مغاربة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة شراء الأضاحي تحت وسم “خليه يبعبع”، احتجاجا على ما وصفوه بالمضاربة وارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه.

وقالت ربة المنزل أمينة الزركي، في تصريح نقلته وكالة رويترز، إن أسعار الأضاحي أصبحت خارج متناول كثير من الأسر المغربية، موضحة أن سعر الخروف المناسب لعائلة كبيرة يتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف درهم، وهو مبلغ يفوق قدرتها المالية.

وأضافت أن المضاربين، الذين يطلق عليهم المغاربة اسم الشناقة، تسببوا في إفساد فرحة العيد من خلال رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، رغم تحسن الموسم الفلاحي وتوفر الأضاحي هذا العام.

إجراءات حكومية ضد المضاربة

وأمام تصاعد الغضب الشعبي، أعلنت رئاسة الحكومة المغربية عن مجموعة من التدابير التنظيمية والاحترازية لضبط أسواق الأضاحي والحد من الاحتكار والمضاربة.

وشملت الإجراءات حصر بيع الأضاحي داخل الأسواق المخصصة أو الضيعات الفلاحية المختصة، مع إلزام البائعين بالتصريح المسبق بهوياتهم وعدد الأضاحي المعروضة ومصدرها قبل دخول الأسواق.

كما منعت السلطات شراء الأضاحي داخل الأسواق بهدف إعادة بيعها، واعتبرت هذه الممارسات إخلالا بقواعد المنافسة السليمة، إلى جانب حظر المزايدات المفتعلة وتخزين الأضاحي بهدف خلق الندرة ورفع الأسعار.

وأكدت الحكومة أن المخالفين سيواجهون عقوبات تشمل الغرامات المالية والحبس، في محاولة لاحتواء حالة الغضب الشعبي وضبط الأسواق قبل العيد.

توتر داخل الأسواق الشعبية

وفي الأسواق الشعبية، لا تزال أجواء التوتر تسيطر على العلاقة بين الباعة والزبائن، وسط تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية ارتفاع الأسعار.

وفي سوق مدينة تيفلت شرقي الرباط، قال بائع يدعى أحمد إن ارتفاع الأسعار لا يعود إلى التجار وحدهم، بل إلى ارتفاع تكاليف التربية والعلف خلال سنوات الجفاف.

وأوضح أن الحزمة الواحدة من العلف تصل إلى 35 درهما، بينما يستهلك الخروف الواحد ما يقارب 150 درهما شهريا من الأعلاف، أي نحو 1800 درهم سنويا، مؤكدا أن الدعم الحكومي الذي حصل عليه المربّون لم يتجاوز 400 درهم للرأس الواحد، وهو مبلغ يعتبره غير كافٍ لتغطية تكاليف التربية.

وأضاف أن الخروف الذي يعرضه للبيع بسعر 4500 درهم يعد سعرا منطقيا مقارنة بالتكاليف التي تكبدها، مشيرا إلى أنه يفضل إعادة الأغنام إلى ضيعته على بيعها بخسارة.

وفي الجهة المقابلة من السوق، تصاعدت مشادات بين عدد من الباعة وشخص اتهموه بالمضاربة بعد شرائه خروفا من أحد المربين وإعادة عرضه للبيع بسعر أعلى بفارق كبير.

وقال البائع مصطفى الماحي إن بعض المضاربين يساهمون في تشويه سمعة الأسواق التقليدية ورفع الأسعار بشكل يضر بالمستهلكين والبائعين الحقيقيين على حد سواء.

الضيعات الفلاحية بديل أكثر أمانا

وفي المقابل، تشهد الضيعات الفلاحية المتخصصة إقبالا متزايدا من الأسر المغربية التي تبحث عن أسعار أكثر استقرارا وضمانات صحية أفضل للأضاحي.

وفي ضيعة تقع قرب منطقة السهول بضواحي الرباط، قال صاحب الضيعة الحسين بن مولود إن الإقبال هذا العام أفضل مقارنة بعام 2024، مؤكدا أن تحسن الموسم الفلاحي والأمطار الأخيرة ساهما في تخفيف جزء من الضغوط على المربين.

وأوضح أن الخراف التي يبيعها تتراوح أسعارها حول أربعة آلاف درهم، بينما يعاد بيعها في الأسواق الشعبية بأسعار قد تصل إلى خمسة آلاف وخمسمئة درهم بسبب المضاربين.

وأضاف أن البيع المباشر داخل الضيعات يمنح الزبائن ثقة أكبر في جودة الأضاحي ومصدرها، خاصة بعد انتشار حالات غش في بعض الأسواق، من بينها استخدام مواد غير صالحة لتسمين الأغنام ورفع أوزانها بشكل مصطنع.

وأكد أحد الزبائن ويدعى محمد أنه بات يفضل شراء الأضاحي من الضيعات بعد تجربة سابقة خسر خلالها خروفا اشتراه من السوق الشعبي ونفق بعد نقله إلى المنزل، دون أن يتمكن من العثور على البائع لاحقا.

مخاوف مستمرة رغم تحسن الأمطار

ورغم التفاؤل النسبي الذي أحدثته التساقطات المطرية هذا العام، يؤكد خبراء القطاع الفلاحي أن أزمة الثروة الحيوانية في المغرب لا تزال تحتاج إلى وقت طويل للتعافي الكامل، خاصة بعد سنوات متتالية من الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة.

كما يخشى كثير من المغاربة أن تستمر المضاربة في التحكم بأسعار الأضاحي، بما يجعل عيد الأضحى عبئا ماليا متزايدا على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط اقتصادية وارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة.

يذكر أن المغرب تعرض خلال السنوات الأخيرة لموجات جفاف حادة تعد من الأسوأ منذ عقود، ما تسبب في تراجع الموارد المائية وانخفاض إنتاج الحبوب وتقلص أعداد الماشية بشكل ملحوظ، وأثرت الأزمة المناخية بشكل مباشر على قطاع تربية الأغنام والأبقار، نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف وتراجع المراعي الطبيعية، وهو ما دفع السلطات المغربية إلى إطلاق برامج دعم واسعة لمربي الماشية والفلاحين، كما اكتسبت أسعار الأضاحي حساسية اجتماعية كبيرة في المغرب نظرا للارتباط الديني والثقافي بعيد الأضحى، حيث تحرص غالبية الأسر المغربية على شراء الأضاحي رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ما يجعل أي ارتفاع كبير في الأسعار قضية رأي عام تتصدر النقاشات السياسية والاجتماعية كل عام.