تعيش مدينة ملبورن الأسترالية منذ أسابيع على وقع سلسلة متصاعدة من الحرائق المتعمدة والهجمات العنيفة التي استهدفت حانات ومطاعم ونوادٍ ليلية ومستودعات مرتبطة بقطاع الضيافة، في مشهد أعاد فتح النقاش حول استغلال المراهقين داخل شبكات الجريمة المنظمة، وتحول القاصرين إلى أدوات لتنفيذ أعمال عنف مقابل مبالغ مالية زهيدة.
وكشفت تقارير إعلامية اتساع دائرة الهجمات التي شهدتها ولاية فيكتوريا منذ أبريل الماضي، وسط عجز الشرطة حتى الآن عن تحديد الدافع النهائي وراء ما بات يعرف إعلامياً بـ”حروب الضيافة”.
وبحسب ما أوردته صحيفة “الغارديان”، ألقت الشرطة القبض على أكثر من 50 شخصاً للاشتباه في تورطهم في نحو 40 حادثة شملت حرائق متعمدة، وإطلاق نار، وخطفاً، استهدفت أماكن مختلفة مرتبطة بقطاع الضيافة في ملبورن.
وتشير التحقيقات إلى أن عدداً كبيراً من المتهمين مراهقون، بعضهم لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر، في حين تؤكد الشرطة أن الجريمة المنظمة باتت تعتمد بصورة متزايدة على القاصرين لتنفيذ “الأعمال القذرة”، مستفيدة من الأحكام الأخف التي يواجهها الأحداث مقارنة بالبالغين.
وروت “الغارديان” تفاصيل إحدى الوقائع التي بدأت بسيارة مرسيدس بيضاء مسروقة تحمل لوحات مزورة، كان بداخلها ثلاثة مراهقين من ضواحي غرب ملبورن وعبوة وقود، حيث تزعم الشرطة أن مجهولاً جندهم لإشعال حرائق في منشآت الضيافة.
وخلال أقل من 24 ساعة، يشتبه في أن شابين يبلغان من العمر 18 عاماً ومراهقاً يبلغ 17 عاماً نفذوا أو حاولوا تنفيذ هجمات استهدفت حانة في ساوث يارا، ونادياً ليلياً في ملبورن، ومستودعاً لتخزين المشروبات الكحولية في شمال المدينة، متسببين بأضرار قدرت بأكثر من 1.1 مليون دولار.
ورغم أن الشرطة أعلنت توقيف مشتبه بهم في معظم الحوادث، ومنها جميع وقائع الحريق المتعمد في وسط المدينة، فإن دوافع هذه الموجة العنيفة لا تزال غامضة.
وتحدثت الشرطة عن خمسة سيناريوهات محتملة وراء الهجمات تشمل الابتزاز، وتجارة الخمور المهربة، والاتجار بالمخدرات، والصراع على عقود الحماية والترويج، إضافة إلى دوافع أيديولوجية أو دينية مرتبطة ببعض الأماكن المستهدفة.
كما يحقق المحققون في احتمال ارتباط بعض الهجمات بعصابة مقرها العراق يعتقد أنها مرتبطة بزعيم الجريمة المزعوم كاظم حمد، مع تأكيد أن فرضيات أخرى لا تزال مطروحة.
قاصرون في الواجهة
وصف المفتش جيسون كيلي، وفق ما أوردته “الغارديان”، استخدام الأطفال والمراهقين في هذه العمليات بأنه “اتجاه مشين”، مشيراً إلى أن العصابات المنظمة تعتمد على تطبيقات مشفرة لتجنيد صغار السن ودفعهم لتنفيذ الهجمات.
وقال كيلي إن “الجريمة المنظمة تجند الأطفال”، مضيفاً أن هذه الظاهرة أصبحت “مشكلة عالمية” تتطلب تعاوناً واسعاً بين أجهزة إنفاذ القانون والجهات الحكومية.
وتقول الشرطة إن بعض المراهقين عرضت عليهم مبالغ تقل عن ألف دولار مقابل تنفيذ عمليات الحرق، في مؤشر على هشاشة أوضاع هؤلاء القاصرين وسهولة استغلالهم من قبل الشبكات الإجرامية.
وتحول هؤلاء المراهقون، بحسب رواية الشرطة، إلى “أدوات قابلة للتضحية”، إذ يمكن استبدالهم بسهولة، في حين يواجهون في الوقت نفسه عقوبات أخف بسبب أعمارهم.
واتهم مراهقان يبلغان 15 و16 عاماً بالمشاركة في تفجير مقر شركة المشروبات الكحولية “80 Proof” وإشعال حريق في حانة “بار بامبي”، أفرج عنهما لاحقاً بعد صدور أوامر إشراف على الأحداث، رغم اعترافهما بالمشاركة في الهجمات.
وأثار القرار القضائي غضب أصحاب الشركة المتضررة الذين أكدوا أن الحريق دمر مبنى تتجاوز قيمته 3 ملايين دولار، إضافة إلى بضائع تقدر بمليون دولار.
وقال المالكان، في بيان لهما، إن ثمانية أشخاص فقدوا وظائفهم بسبب الحريق، في حين تضررت سبل عيش 15 آخرين بصورة مباشرة.
وأضافا أن الأذى الذي خلفته الهجمات لم يكن مادياً فقط، بل طال الجوانب النفسية والمهنية والعاطفية للعاملين وأصحاب المنشآت.
سلسلة عنف متصاعدة
من جانبها، كشفت هيئة الإذاعة الأسترالية “ABC” عن جانب آخر من الأزمة، بعدما أعلنت الشرطة توجيه اتهامات إلى ثلاثة مراهقين يبلغون 17 عاماً بارتكاب سلسلة من الجرائم العنيفة، شملت محاولة خطف، وسط تحقيقات بشأن صلتهم بهجمات الضيافة.
وبحسب “ABC”، استهدف المراهقون منظمي فعالية أسبوعية تقام في أحد الأماكن المرخصة بجنوب ملبورن، ضمن سلسلة هجمات امتدت لستة أيام.
وتضمنت الوقائع، وفقاً للتحقيقات، محاولة خطف في منطقة تمبلستو، وعمليات سطو مسلح على منازل، ومحاولات سرقة سيارات تحت تهديد السلاح، قبل اتهامهم لاحقاً بتنفيذ عملية سطو وخطف في منطقة مالفرن.
وتعتقد الشرطة أن إحدى العمليات استهدفت عنواناً خاطئاً.
وأوضحت “ABC” أن المحققين يعملون بالتنسيق مع فرقة “عملية إكليبس” لمعرفة ما إذا كانت هذه الجرائم مرتبطة مباشرة بموجة الهجمات التي تستهدف قطاع الضيافة.
ومنذ 14 أبريل، حددت شرطة فيكتوريا 15 حادثة حريق متعمد أو محاولة حريق يعتقد أنها مترابطة، استهدفت أماكن سهر ومطاعم ومستودعات في مناطق متعددة من ملبورن، بينها ساوث بانك وساوث يارا وبراهان وكيزبورو.
وفي السياق نفسه، أفاد موقع “نيوز.كوم.أو” الأسترالي بأن الشرطة ألقت القبض على مراهق يشتبه في حمله ساطوراً، خلال التحقيق في سلسلة الحرائق التي استهدفت النوادي الليلية.
وذكر الموقع أن المراهق البالغ من العمر 17 عاماً أوقف مع شابين آخرين يبلغان 18 عاماً، بعد اتهامهم بإشعال حرائق في ثلاثة نوادٍ ليلية خلال يومي 4 و5 مايو.
وأضاف أن الشرطة وجهت إليهم تهماً متعددة، منها الحرق العمد، والسطو المشدد، والإتلاف الجنائي، وحيازة ممتلكات مسروقة، وارتكاب جرائم أثناء الإفراج بكفالة.
ونقلت “نيوز.كوم.أو” عن شرطة فيكتوريا قولها إن فرق مكافحة العصابات والحرق العمد والمتفجرات كثفت انتشارها العلني والسري في المناطق الترفيهية، مع زيادة الدوريات الأمنية وزيارات المنشآت المرخصة.
كما أوردت صحيفة “ذي أستراليان” تفاصيل مماثلة بشأن توقيف المراهق المشتبه بحمله ساطوراً، مشيرة إلى استمرار التحقيقات حول تورط عصابات الجريمة المنظمة والخطيرة في الهجمات.
خوف يتجاوز الحرائق
كشف أحد أصحاب النوادي الليلية، في تصريحات لصحيفة “الغارديان” شريطة عدم الكشف عن هويته، أن قطاع الضيافة يعيش حالة خوف متصاعدة منذ بدء الهجمات، مؤكداً أن كثيراً من أصحاب الأعمال باتوا يخشون الإقامة في منازلهم أو الاستمرار في تشغيل مشاريعهم.
وأوضح أن غالبية المنشآت المستهدفة مملوكة لعائلات صغيرة بنت أعمالها “من الصفر”، وليست جزءاً من شركات ضيافة كبرى.
وأضاف أن القطاع كان يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية متراكمة منذ جائحة كوفيد-19، قبل أن تأتي موجة الحرائق الحالية لتدفع كثيرين إلى التساؤل عن جدوى الاستمرار.
وأشار إلى أن بعض أصحاب المنشآت تلقوا رسائل عبر تطبيق “واتساب” بعد الهجمات، تتضمن مطالب مالية وتهديدات بمزيد من الأضرار، في حين وصفت الشرطة تلك الرسائل بأنها “غامضة وربما انتهازية”.
وفي مواجهة الأزمة، أعلنت حكومة ولاية فيكتوريا تخصيص صندوق أمني بقيمة 10 ملايين دولار لدعم قطاع الضيافة، كما شجعت أصحاب المنشآت على مشاركة البث الحي لكاميرات المراقبة مع الشرطة.
لكن، رغم الاعتقالات والتحقيقات المستمرة، لا تزال الأسئلة الأساسية قائمة: من يقف وراء “حروب الضيافة”؟ وكيف تحول المراهقون إلى وقود لصراع تتشابك فيه الجريمة المنظمة والعنف والابتزاز والخوف؟
