منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

طفولة تحت خيام النزوح.. حين يصبح العمل شرطاً للبقاء

23 مايو 2026
تكشف عمالة الأطفال داخل المخيمات حجم التداخل بين الأزمات الإنسانية والحقوقية
تكشف عمالة الأطفال داخل المخيمات حجم التداخل بين الأزمات الإنسانية والحقوقية

في المخيمات ومناطق النزوح، لا تُختصر أزمة الأطفال في فقدان البيت أو المدرسة فقط، بل تمتد إلى فقدان الطفولة نفسها، فحين تتراجع المساعدات، وتغيب فرص العمل عن الكبار، وتصبح الأسر عاجزة عن تأمين الغذاء والدواء والإيجار، يُدفع الأطفال إلى سوق العمل مبكراً، لا بوصفه خياراً، بل وسيلة قاسية للبقاء.

بين الخيام والطرقات الترابية والأسواق العشوائية وأطراف المدن القريبة من المخيمات، يعمل أطفال لساعات طويلة في الزراعة والورش وجمع النفايات والبيع المتجول، في محاولة لمساندة أسر فقدت مصادر دخلها تحت وطأة الحرب أو اللجوء أو النزوح.

وهكذا، تتحول الخيمة التي يفترض أن تكون مساحة مؤقتة للحماية الإنسانية إلى نقطة بداية لدائرة طويلة من الفقر والتسرب المدرسي والاستغلال.

وتكشف عمالة الأطفال داخل المخيمات حجم التداخل بين الأزمات الإنسانية والحقوقية؛ فالطفل الذي يُجبر على العمل لا يفقد وقته فقط، بل يُحرم من التعليم والحماية والنمو الآمن، ويصبح أكثر عرضة للعنف والاستغلال والإصابات والعمل الخطر.

وبحسب تقرير مشترك صادر عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، بلغ عدد الأطفال العاملين حول العالم نحو 138 مليون طفل خلال عام 2024، بينهم 54 مليون طفل يعملون في ظروف خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.

وأكدت المنظمتان أن النزاعات المسلحة والنزوح الجماعي والفقر من أبرز العوامل التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل المبكر.

المخيمات.. بيئة هشّة للاستغلال

تواجه العائلات داخل المخيمات أوضاعاً اقتصادية شديدة القسوة، خصوصاً مع تراجع التمويل الإنساني وارتفاع معدلات البطالة بين البالغين، وفي كثير من الحالات، يصبح عمل الأطفال مصدر دخل أساسياً للأسرة، سواء في الزراعة، أو الورش، أو البيع المتجول، أو جمع النفايات، أو الأعمال اليومية غير المنتظمة.

وتحذر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن الأطفال اللاجئين والنازحين أكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي مقارنة بالأطفال المستقرين، بسبب غياب الوثائق القانونية، وصعوبة الوصول إلى التعليم، وضعف خدمات الحماية الاجتماعية، وارتباط كثير من الأسر باقتصاد غير رسمي لا يخضع لرقابة كافية.

كما تؤكد منظمة العمل الدولية أن العمل غير المنظم يضاعف مخاطر الاستغلال، لأن الأطفال يعملون غالباً خارج أي حماية قانونية أو صحية، ودون عقود أو ضمانات أو رقابة على ساعات العمل وطبيعة المهام التي يؤدونها.

وفي بيئات النزوح، تصبح المخاطر أكثر تعقيداً؛ فهشاشة الوضع القانوني للأسر، وضعف الرقابة الرسمية، والاعتماد على أعمال يومية مؤقتة، كلها عوامل تجعل رصد الانتهاكات أو محاسبة المستغلين أمراً بالغ الصعوبة.

انتهاك حقوق الطفل

تُعد عمالة الأطفال انتهاكاً واضحاً لحقوق أساسية نصت عليها اتفاقية حقوق الطفل، وفي مقدمتها حق الطفل في التعليم، والراحة، والنمو، والحماية من الاستغلال الاقتصادي والأعمال التي تضر بصحته أو تعوق نموه الجسدي والنفسي.

كما تحظر اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام تشغيل الأطفال في أعمال لا تتناسب مع أعمارهم، في حين تشدد اتفاقية حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال على ضرورة حماية الأطفال من الأعمال الخطرة والاستغلال والاتجار والعنف.

وفي المخيمات، لا يواجه الأطفال انتهاكًا واحدًا فقط، بل سلسلة متداخلة من الانتهاكات؛ فهم يعيشون أصلاً آثار النزوح أو اللجوء، ثم يُدفعون إلى العمل بسبب الفقر، ثم يفقدون حقهم في التعليم والحماية، ما يجعلهم عالقين في دائرة طويلة من الهشاشة.

أرقام تكشف عمق الأزمة

أظهر تقرير عام 2024 الصادر عن منظمة العمل الدولية واليونيسف أن نحو 7.8% من أطفال العالم بين سن الخامسة والسابعة عشرة منخرطون في سوق العمل، رغم تسجيل انخفاض عالمي مقارنة بعام 2020.

لكن التقرير حذر في الوقت نفسه من أن العالم فشل في تحقيق هدف القضاء على عمالة الأطفال بحلول عام 2025، خصوصاً في المناطق المتأثرة بالنزاعات والفقر والنزوح.

وتوضح منظمة العمل الدولية ويونيسف أن الأطفال في مناطق النزاعات ومخيمات النزوح أكثر عرضة للأعمال الخطرة، ومنها حمل الأوزان الثقيلة، والعمل لساعات طويلة، والتعرض للعنف، والاستغلال الجنسي، والاتجار بالبشر، والحرمان من التعليم والخدمات الأساسية.

التعليم.. أول الضحايا

تؤكد يونيسف أن عمالة الأطفال ترتبط بشكل مباشر بالتسرب المدرسي، إذ يضطر كثير من الأطفال إلى ترك التعليم لمساعدة أسرهم في تأمين الاحتياجات اليومية.

وفي المخيمات تتفاقم هذه المشكلة بسبب نقص المدارس، وبُعد المرافق التعليمية، وضعف جودة التعليم، وارتفاع تكاليف النقل والقرطاسية والاحتياجات الأساسية.

وحين يغادر الطفل المدرسة إلى سوق العمل، لا يخسر عاماً دراسياً فقط، بل قد يخسر مستقبله كاملاً. فالأطفال الذين ينقطعون عن التعليم يصبحون أكثر عرضة للبقاء في أعمال منخفضة الأجر، وأكثر هشاشة أمام الاستغلال والعنف والفقر المتوارث.

وترى منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن إبقاء الأطفال داخل المدارس يمثل أحد أهم أدوات الحماية، ليس فقط لأنه يمنحهم حقهم في التعلم، بل لأنه يقلل من مخاطر تشغيلهم واستغلالهم، ويمنحهم فرصة للخروج من دائرة الفقر.

الفقر وتراجع الدعم

لا يمكن فصل عمالة الأطفال في المخيمات عن تراجع التمويل الإنساني. فكلما انخفضت المساعدات الغذائية والنقدية، اضطرت الأسر إلى البحث عن بدائل قاسية، وفي مقدمتها تشغيل الأطفال.

وتحذر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسف من أن تخفيض برامج الدعم يترك الأسر النازحة واللاجئة أمام خيارات محدودة، خصوصاً عندما لا يستطيع البالغون الوصول إلى سوق العمل القانوني، أو عندما تكون فرص العمل المتاحة موسمية وغير مستقرة.

وفي هذه الظروف يتحول الطفل من متلقٍ للحماية إلى عامل صغير يحمل عبئاً أكبر من عمره، في حين يفترض أن تكون الأولوية لضمان تعليمه وصحته وسلامته.

حماية الأطفال

مكافحة عمالة الأطفال داخل المخيمات لا يمكن أن تتحقق عبر منع الأطفال من العمل فقط، بل عبر معالجة الأسباب التي دفعتهم إليه.

ويشمل ذلك دعم الأسر مالياً، وتوفير فرص عمل آمنة للبالغين، وتوسيع برامج التعليم داخل المخيمات، وتعزيز الرقابة على أماكن العمل غير الرسمية، وتوفير آليات للإبلاغ والحماية.

كما يتطلب الأمر تعاوناً واضحاً بين الحكومات، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، لضمان أن تكون المخيمات مساحة حماية لا بيئة تدفع الأطفال إلى العمل والاستغلال.

التعليم.. أول الضحايا

ترى منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن استمرار الأطفال خارج المدارس يزيد احتمالات دخولهم في دوائر الفقر والعنف مستقبلاً، ويهدد جيلاً كاملاً بفقدان فرص التنمية والاستقرار.

ويقول الإعلامي الفلسطيني نبيه كحيل إن الضغوط الاقتصادية داخل المخيمات، إلى جانب التدهور المستمر في الأوضاع المعيشية، تدفع بعض العائلات إلى تفضيل العمل على التعليم، خصوصاً مع تراجع الخدمات وارتفاع نسب الفقر، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للتسرب الدراسي والانخراط المبكر في سوق العمل.

ويضيف كحيل، في حديثه لـ”صفر”، أن الأطفال في المخيمات الفلسطينية يعيشون ظروفاً إنسانية قاسية نتيجة استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع المعيشية، حيث تحولت حياة كثير منهم إلى معاناة يومية تفتقر لأبسط مقومات الطفولة الآمنة.

ويرى أن الاكتظاظ داخل المخيمات، والخوف المستمر من التصعيد، ونقص الخدمات الأساسية، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في شعور الأطفال بالأمان والاستقرار النفسي، وتترك آثاراً طويلة الأمد في نموهم وحياتهم الاجتماعية.

الانتهاكات وهشاشة اللجوء

من جانبه، يقول أحمد المهزا الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان إن عمالة الأطفال داخل المخيمات لا يمكن النظر إليها باعتبارها ظاهرة اقتصادية فقط، بل بوصفها انتهاكاً مركباً لحقوق الطفل الأساسية التي كفلتها الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل.

ويقول المهزا، في حديثه لـ”صفر”، إن الطفل داخل المخيم يواجه أصلاً ظروف نزوح أو لجوء قاسية، وعندما يُدفع إلى سوق العمل نتيجة الفقر أو غياب الحماية، فإنه يُحرم من حقه في التعليم والأمان والنمو السليم.

ويؤكد أن الخطورة الحقوقية تكمن في أن الطفل داخل المخيم يكون أكثر هشاشة من غيره، ما يجعله عرضة للاستغلال والعنف، إضافة إلى الآثار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد، معتبراً أن استمرار عمالة الأطفال في هذه البيئات يمثل إخفاقاً في توفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية والحقوقية الواجبة.

الصحة والغذاء.. حقوق مهددة

ويشير كحيل إلى أن الأطفال داخل المخيمات الفلسطينية يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، في ظل الضغط الكبير على المراكز الطبية ونقص الأدوية والمستلزمات العلاجية، ما ينعكس بشكل مباشر على صحة الأطفال، خاصة المرضى منهم أو من يعانون من سوء التغذية والأمراض المزمنة.

ويلفت إلى أن الحق في المياه النظيفة والغذاء الكافي بات من أبرز التحديات التي تواجه الأطفال داخل المخيمات، في ظل نقص المياه الصالحة للشرب وضعف الخدمات الأساسية، مؤكداً أن غياب الأمن الغذائي يفاقم معاناة الأطفال ويهدد نموهم الجسدي والنفسي، في وقت يفترض فيه أن تكون هذه الحقوق مضمونة حتى في ظروف النزوح والطوارئ الإنسانية.

ويشدد المهزا على أن مسؤولية مواجهة عمالة الأطفال في المخيمات لا تقع على عاتق الأسر وحدها، بل تمتد إلى الحكومات والمنظمات الدولية والجهات الإنسانية المشرفة على إدارة المخيمات، لأن القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض التزاماً واضحاً بحماية الأطفال من الاستغلال حتى في حالات النزاع أو اللجوء والطوارئ الإنسانية.

ويضيف أن غياب آليات الحماية الفعالة أو ضعف الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية يسهم بشكل مباشر في تفاقم الظاهرة، ما يستوجب تبني سياسات أكثر شمولاً تركز على الدعم الاقتصادي للأسر، وضمان التعليم، وتفعيل الرقابة القانونية داخل المخيمات.

ويرى أن المعالجة الحقيقية يجب ألا تقتصر على التدخل الإغاثي المؤقت، بل تتطلب مقاربة حقوقية مستدامة تضع الطفل في مركز الحماية باعتباره صاحب حق، لا مجرد متلقٍ للمساعدة الإنسانية.