منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ما بعد الاتصال بالإنترنت.. العراق يكشف الوجه الآخر للفجوة الرقمية

20 أغسطس 2026
حق الوصول إلى الإنترنت يثير الجدل في العراق
حق الوصول إلى الإنترنت يثير الجدل في العراق

أصبح السؤال عن الفجوة الرقمية أكثر تعقيدا من إحصاء من يستخدمون الإنترنت ومن بقوا خارجه، فالاتصال الذي كان يمثل قبل سنوات المؤشر الأوضح على الاندماج الرقمي لم يعد كافيا لقياسه، بعدما أصبحت جودة الشبكة وكلفتها ونوع الجهاز والمهارات التي يمتلكها المستخدم عوامل تحدد ما إذا كان يستطيع تحويل وجوده على الإنترنت إلى تعليم أو وظيفة أو خدمة حكومية أو فرصة اقتصادية.

وفي هذه المسافة بين الاتصال والاستفادة تظهر طبقة جديدة من عدم المساواة قد تشمل أشخاصا تصنفهم الإحصاءات ضمن مستخدمي الإنترنت.

2.2 مليار شخص خارج الشبكة

تظهر بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2025 أن نحو 6 مليارات شخص، أي قرابة ثلاثة أرباع سكان العالم، يستخدمون الإنترنت، بينما لا يزال 2.2 مليار شخص خارجه، يعيش 96% منهم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

ولا تتوقف الفجوات عند الدخل، فالاتحاد يقدر استخدام الإنترنت عالميا بنحو 77% بين الرجال مقابل 71% بين النساء، فيما تصل النسبة إلى 85% في المناطق الحضرية مقابل 58% في المناطق الريفية.

وتبقى الكلفة جزءا من المشكلة، إذ يشير الاتحاد إلى استمرار تفاوت القدرة على تحمل أسعار خدمات الاتصال بين الدول وداخل الدولة الواحدة، خصوصا بالنسبة إلى الشرائح الأقل دخلا.

العراق.. الفجوة تغير شكلها

يقدم العراق مثالا على التحول في طبيعة الفجوة الرقمية، فبحسب بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، بلغت نسبة استخدام الإنترنت في البلاد 81.5% في 2024، وهي نسبة تجعل النظر إلى عدد المتصلين وحده غير كافٍ لتحديد حجم الإدماج الرقمي، والمشكلة تمتد إلى ما يستطيع المستخدم فعله بعد الاتصال.

وكانت بيانات نشرتها اليونيسف قد أظهرت أن 59.2% من الشباب العراقي بين 15 و24 عاما يفتقرون إلى المهارات الرقمية اللازمة لأداء أنشطة أساسية مرتبطة بالحاسوب، بما يؤثر في فرص التعليم والتوظيف والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

وتكتسب هذه الفجوة أهمية أكبر مع توسع استخدام الأنظمة الرقمية في المؤسسات العامة، ففي قطاع التعليم مثلا، وصل تطبيق نظام إدارة المعلومات التربوية بحلول ديسمبر 2025 إلى 16,675 مدرسة في مختلف أنحاء العراق، فيما تلقى أكثر من 14 ألف معلم وموظف مدرسي تدريبا على استخدامه.

رقم يخفي أكثر من فجوة

لا يعني تصنيف شخص باعتباره «مستخدم إنترنت» أنه يمتلك فرصا رقمية مماثلة لمستخدم آخر، فقد يدخل أحدهما إلى الشبكة عبر هاتف محدود الإمكانات وباقة بيانات لا يستطيع استخدامها باستمرار، بينما يمتلك الآخر حاسوبا واتصالا ثابتا ومهارات تمكنه من الدراسة والعمل وإنجاز معاملاته.

ولهذا يتجه مفهوم الاتصال الرقمي الفعال إلى النظر في عناصر تتجاوز مجرد وجود الشبكة، تشمل جودة الاتصال والقدرة على تحمل كلفته وامتلاك الأجهزة والمهارات والأمان الرقمي.

ويفسر ذلك كيف يمكن لبلد أن يحقق نسبة مرتفعة نسبيا في استخدام الإنترنت، بينما تبقى داخله فئات أقل قدرة على الاستفادة من الخدمات والفرص التي انتقلت إلى المجال الرقمي.

التكنولوجيا تعيد توزيع الفرص

ترى الخبيرة الاجتماعية والأكاديمية الدكتورة إيمان الشمايلة أن التفاوت في الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية أصبح أحد أشكال عدم المساواة في العصر الحديث، إذ تحول الاتصال إلى وسيلة مهمة للوصول إلى التعليم والعمل والمعلومات والخدمات.

وتوضح الشمايلة في حديثها لـ”صفر”، أن ضعف الوصول الرقمي يحد من فرص التعليم الإلكتروني والحصول على الوظائف والتدريب والعمل عن بعد، كما قد يعوق الوصول إلى الخدمات الحكومية والصحية الإلكتروني.

وأشارت إلى أن التأثير يصبح أكثر وضوحا بين سكان المدن والمناطق الريفية وبين ذوي الدخول المرتفعة والمنخفضة، بما قد يوسع فجوة الفرص ويزيد من التهميش والإقصاء الاجتماعي.

هل الإنترنت حق بحد ذاته؟

لا يعامل القانون الدولي الوصول إلى الإنترنت باعتباره حقا مستقلا مطلقا بالطريقة نفسها التي ينص بها على حقوق مثل التعليم والصحة، لكن أهميته الحقوقية تتزايد بقدر اعتماد ممارسة هذه الحقوق على الوسائل الرقمية.

ويرى القانوني اللبناني محمد صبلوح، أن عدم المساواة في الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية يصبح قضية حقوقية عندما يؤدي إلى حرمان أفراد من التعليم والعمل والمعلومات والخدمات العامة.

ويضيف صبلوح، في حديثه لـ”صفر”، أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند توفير البنية التحتية، بل تشمل تعزيز المساواة في الوصول وتوفير بدائل للخدمات الإلكترونية لمن لا يستطيعون استخدامها، إلى جانب حماية الخصوصية والبيانات الشخصية.

وتكتسب البدائل غير الرقمية أهمية خاصة عندما تصبح خدمة حكومية أو تعليمية متاحة إلكترونيا بصورة أساسية، لأن رقمنة الخدمة لا ينبغي أن تجعل القدرة التقنية شرطا جديدا للحصول عليها.

فجوة لا تظهر في عدد المستخدمين

قد يصل العراق يوماً إلى نسبة تقترب من الاتصال الشامل، وقد ينخفض عدد غير المتصلين عالميا عاما بعد آخر، لكن ذلك لن يعني بالضرورة انتهاء الفجوة الرقمية، وصحيح أن الأرقام تستطيع إحصاء من دخل إلى الشبكة، لكنها لا تخبرنا دائما بمن يستطيع استخدامها لتغيير فرصه في التعليم والعمل والوصول إلى الخدمات.

وهنا ينتقل معيار العدالة الرقمية من سؤال «كم شخصا اتصل بالإنترنت؟» إلى سؤال أكثر دقة: ماذا أصبح قادرا على فعله بعد الاتصال؟

وبين السؤالين تقع الفجوة التي ينبغي للسياسات العامة أن تراها، لأن المستقبل الرقمي لن يكون أكثر مساواة بمجرد إدخال الجميع إلى الشبكة، بل عندما لا يحدد الدخل أو المكان أو الجهاز أو المهارة مقدار ما يستطيع كل فرد الحصول عليه من الحقوق والفرص التي أصبحت موجودة خلف الشاشة.