منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تمويل يتراجع واحتياجات تتفاقم.. حق الغذاء تحت التهديد في غزة

31 أكتوبر 2026
أعلن برنامج الأغذية العالمي عن تخفيضات بمساعداته الغذائية في غزة بسبب نقص التمويل، حيث لا يزال 67% من السكان يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي.
أعلن برنامج الأغذية العالمي عن تخفيضات بمساعداته الغذائية في غزة بسبب نقص التمويل، حيث لا يزال 67% من السكان يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي.

*نور العاصي

خفض برنامج الأغذية العالمي المساعدات الغذائية التي يوزعها في قطاع غزة بنحو الثلث، وفقد نصف مليون شخص، أي ما يقرب من ربع سكان القطاع، مساعداتهم الشهرية ببيان واحد.

تسألني أمي عما يمكن أن تقوله لأحفادها إذا عادوا إلى الجوع مرة أخرى، وأنت، أيها القارئ العزيز، مدين لها بإجابة.

كانت أمي أول من أخبرني بالتخفيضات التي أُعلن عنها في 19 أكتوبر، قبل أن يصل إلى هاتفي هنا في باريس أي بيان من إحدى وكالات الإغاثة. قبل ذلك بأيام، وتحديداً في 14 أكتوبر، أغلقت إسرائيل المعابر أمام دخول السلع التجارية إلى غزة، ولم يستمر الإغلاق سوى عدة أيام، لكنه كان تذكيراً بأن إسرائيل تستطيع تجويع غزة متى شاءت.

يعرف سكان غزة جيداً معنى الجوع. قالت لي أمي إنه خلال ساعات قليلة، بدأت جميع السلع الطازجة تختفي من الأسواق؛ اللحوم، والخضراوات، والفاكهة، كل شيء، في حين ارتفعت أسعار ما تبقى في البسطات بحلول المساء.

وبعد خمسة أيام، وفي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه إسرائيل استئناف السماح بدخول السلع التجارية، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن نقص التمويل يجبره على تقليص مساعداته، وحتى الذين احتفظوا بأماكنهم على قوائم التوزيع التابعة للبرنامج سيحصلون على كميات أقل.

ستشهد نحو 75 ألف أسرة تتلقى مساعدات نقدية خفض قيمة المساعدة من 1250 شيكلاً، أي نحو 413 دولاراً شهرياً، إلى 750 شيكلاً، أي نحو 248 دولاراً، أما في المناطق الأصعب وصولاً، بالقرب مما يُعرف بالخط الأصفر الذي يقسم غزة إلى مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية وأخرى خاضعة للسيطرة الفلسطينية، فستحصل الأسر على وجبة ساخنة يوماً بعد يوم بدلاً من الحصول عليها يومياً.

وعلى الرغم من استئناف دخول الشحنات التجارية، تخبرني عائلتي أن كميات قليلة جداً من الغذاء تصل إلى القطاع، وأن أسعارها مرتفعة للغاية.

وفي الأسبوع نفسه الذي أُعلن فيه عن تقليص الحصص الغذائية، نشرت الأمم المتحدة قصة عن شباب في مختلف أنحاء غزة، مثل أحمد العمري، يملؤون أكياساً كانت تُستخدم من قبل لحفظ دقيق برنامج الأغذية العالمي بالرمال، ويرصونها حول خيامهم، على أمل منع مياه الأمطار من إغراقها خلال الشتاء.

لا تصمد الخيمة في غزة لأكثر من ستة أشهر تقريباً، وهذا هو الشتاء الرابع للحرب، وتقيّد إسرائيل دخول الخيام الجديدة؛ لأن الخيام والأغطية البلاستيكية والأعمدة تُصنف باعتبارها مواد مزدوجة الاستخدام، يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.

وهكذا يُترك الناس دون مأوى ملائم، وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل شن الهجمات، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1550 شخصاً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار العام الماضي.

هكذا يبدو الشتاء المقبل في غزة: لا وقف حقيقي لإطلاق النار، ولا مأوى ملائم، ولا ما يكفي من الغذاء.

من إغلاق المعابر إلى إغلاق الميزانيات

اتصلت بخالتي أم أدهم في دير البلح، حيث نزحت عائلتي من منازلنا في شرق مدينة غزة التي أصبحت الآن في الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من الخط الفاصل، في حين تواصل إسرائيل محو منازلنا حتى وأنا أكتب هذه الكلمات، أخبرتني أن العائلة تخشى عودة المجاعة، وأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون، وأنهم غير مستعدين لخوض هذه التجربة مرة ثانية.

فهمت تماماً ما تقصده، فقد أُجليت من غزة في يوليو 2025، في خضم المجاعة، وبعد شهر، أعلن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو الجهة العالمية المعنية برصد الجوع، وقوع مجاعة في مدينة غزة، وحذر من امتدادها إلى دير البلح وخان يونس بحلول نهاية سبتمبر، وكان الناس يموتون بالفعل جوعاً عندما غادرت.

وبعد ما يزيد قليلاً على عام، يُطلب من عائلتي الاستعداد لمواجهة المجاعة مرة أخرى، لكن ما يهددهم هذه المرة ليس مجرد معبر مغلق، بل قرار يتعلق بالميزانية.

كان أكثر ما لفت انتباهي في بيان برنامج الأغذية العالمي هو صراحة تفسيره، فقد قال القائم بأعمال رئيس البرنامج، كارل سكاو، إن التخفيضات لا تحدث بسبب تراجع الاحتياجات، ولا بسبب تعذر إدخال الغذاء، وإنما لأن التمويل المتاح للبرنامج أصبح أقل.

ما علّمتني إياه أبحاثي هو أن أرى ليس ما تقوله هذه الجمل، بل ما تتعمد إغفاله، ففي هذه الجمل، يموت المدنيون جوعاً، لكن لا أحد يجوعهم، وتصبح المجاعة خطراً يلوح في الأفق، لكن لا أحد يتسبب فيها، تبدو الصياغة حذرة وإنسانية، لكنها لا تسمي أبداً الطرف الذي يقوم بالفعل.

على مدى عامين، وصل الجوع إلى غزة عبر بوابات مغلقة، في حين كانت الحكومات تهز رؤوسها أمام باب تقول إنها لا تستطيع فتحه.. أما الآن، فقد فُتح الباب جزئياً وأصبح الغذاء قادراً على الدخول، لكن الذي أُغلق بدلاً من ذلك هو باب التمويل.

قضيت هذا العام في قراءة كل ما قاله إيمانويل ماكرون عن غزة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، سطراً سطراً، وذلك في إطار رسالة الماجستير الخاصة بي، وأصبحت أحفظ عن ظهر قلب مفردات التعبير عن القلق.

ففي رام الله، في أكتوبر 2023، قال: “حياة الفلسطيني تساوي حياة الفرنسي التي تساوي حياة الإسرائيلي”، وفي فبراير 2024، قال: “المدنيون في غزة يموتون جوعاً ومرضاً”، وفي مارس 2024، وصف خطر المجاعة الوشيك في غزة بأنه “أمر لا يمكن تبريره”.

اقرؤوا مرة أخرى الجملة الواردة في إعلان الأمم المتحدة بشأن تخفيضات برنامج الأغذية العالمي، مع وضع ذلك في الاعتبار: “أجبر نقص التمويل برنامج الأغذية العالمي على تقليص المساعدات الغذائية”، فالطرف الذي قام بالفعل وأدى إلى نقص التمويل لم يُذكر في الجملة.

الحقيقة بسيطة: في مكان ما داخل وزارة، أو عدة وزارات، قرر شخص ما عدم الدفع، وصيغت الجملة بطريقة لا تضطر أحداً إلى الإفصاح عن هويته.

لعبة المانحين المزدوجة

كتب عالم الاجتماع كريغ كالهون أن العالم يتصور حالة الطوارئ باعتبارها “حدثاً مفاجئاً لا يمكن التنبؤ به، يظهر على خلفية من الأوضاع الطبيعية الظاهرية”، فالمعاناة التي تستمر ببطء تكف عن الظهور باعتبارها حالة طوارئ، وتتحول إلى أمر معتاد.

لاحظ كالهون حدوث ذلك مع الفلسطينيين قبل أكثر من 15 عاماً، عندما أشار إلى أن نزوحهم ظل يوصف بأنه “حالة طوارئ” حتى بعد مرور 60 عاماً. وحتى الآن، لا يزال الموقع الإلكتروني لبرنامج الأغذية العالمي يصنف غزة ضمن “حالة الطوارئ في فلسطين”. لقد تجاوز هذا التصنيف حدود الإحساس بالإلحاح، لم تتوقف غزة عن المعاناة، لكنها لم تعد جديدة على العالم.

يلعب الذين يخفضون التمويل المخصص لبرنامج الأغذية العالمي وغيره من منظمات الإغاثة لعبة مزدوجة، ففي هذا الشهر أبلغت الحكومة الألمانية البرلمان بأن الوضع الإنساني في غزة لا يزال “كارثياً”، وفي الرد نفسه، قالت ألمانيا إنها قدمت ما يصل إلى 420 مليون يورو مساعدات إنسانية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 7 أكتوبر 2023.

وفي الوقت ذاته، وافقت ألمانيا خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي وحدها على تراخيص لتصدير أسلحة إلى إسرائيل بقيمة تقارب 800 مليون يورو، وهو مبلغ يفوق ما وافقت عليه خلال الأشهر العشرين السابقة مجتمعة.

وفي فبراير، وعد دونالد ترامب بتقديم 10 مليارات دولار إلى “مجلس السلام” الذي يترأسه، ومن بين أهدافه إعادة إعمار غزة، في حين لا يتجاوز إجمالي المبلغ الذي طلبه برنامج الأغذية العالمي لمواصلة إطعام السكان في غزة والضفة الغربية حتى مارس 450 مليون دولار، أي ما يعادل 4.5% من ذلك التعهد.

الأموال موجودة، لكنها خُصصت لتراخيص تصدير الأسلحة، ولمستقبل لغزة مرسوم على الورق، في حين تُترك غزة اليوم التي تعيش فيها أمي وأحفادها، لتواجه تقليص حصصها الغذائية.

إن ما يطلبه سكان غزة هذا الشتاء هو القمح وزيت الطهي والغاز، حتى لا تضطر الأسر إلى حرق البلاستيك تحت أواني الطهي، والخيام التي ستظل قائمة بعد العاصفة الأولى. إنهم لا يطلبون استعادة الحياة التي كانوا يعيشونها، فقد أجبرتهم السنوات الثلاث الماضية على تقليص طموحاتهم، إنهم يطلبون ببساطة أن يتمكنوا من الوصول إلى الربيع.

سألتني أمي عما ينبغي أن تقوله لأحفادها إذا عادوا إلى الجوع مرة أخرى، وأنا أنقل سؤالها إليكم، إلى الوزراء الذين كتبوا كلمة “كارثي” ثم وقّعوا ميزانيات تقليص المساعدات وزيادة مبيعات الأسلحة، وإلى الرؤساء الذين قالوا إن حياة الفلسطيني تساوي حياة أي إنسان آخر، وإلى كل من شعر بالارتياح عند سماع كلمة “وقف إطلاق النار” ثم توقف عن المتابعة.

أمي تنتظر إجابة، وكذلك الأطفال.

 

*نقلاً عن ذا نيو هيومانيترين

*ترجمة: زينب مكي