منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سوريا.. قيود القبول الجامعي تضع حق النساء في التعليم والوظيفة العامة أمام اختبار المساواة

31 أكتوبر 2026
سوريا.. قيود القبول الجامعي تضع حق النساء في التعليم والوظيفة العامة أمام اختبار المساواة (1)
سوريا.. قيود القبول الجامعي تضع حق النساء في التعليم والوظيفة العامة أمام اختبار المساواة (1)

حين راجعت الطالبة السورية سارة خوري شروط المفاضلة الجامعية للعام الدراسي 2026–2027، اصطدمت بعبارة «ذكور فقط» أمام بعض البرامج الدراسية.

لم يكن السؤال بالنسبة إليها مقتصراً على اختيار التخصص الذي يناسب معدلها وطموحها، بل امتد إلى حق الطالبات في المنافسة على الفرص التعليمية متى استوفين شروطها. ونقلت صحيفة «عنب بلدي» تساؤلات خوري بشأن حرمان النساء من دراسة تخصصات يرغبن فيها بسبب جنسهن.

أعادت المفاضلة الجامعية في سوريا فتح ملف المساواة في التعليم والعمل، بعدما تضمنت قيوداً على قبول النساء في برامج عسكرية وأمنية، وأثارت جدلاً بشأن امتداد بعضها إلى مجالات أكاديمية ذات طبيعة مدنية، بينها القانون والإدارة والاقتصاد.

وتتجاوز القضية مقاعد الدراسة؛ إذ ترتبط بعض هذه البرامج بمسارات تأهيل تنتهي بالخدمة في مؤسسات الدولة. وهنا يبرز السؤال الحقوقي: أين تنتهي المتطلبات المهنية المشروعة، وأين يبدأ الاستبعاد الجماعي للنساء؟

1- ذكور فقط .. حين تحدد شروط القبول الفرص

قيود قديمة ومؤسسات جديدة

أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مفاضلة القبول الجامعي في 30 سبتمبر/أيلول 2026، وشملت الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية والجامعة السورية للعلوم الأمنية اللتين أُدرجتا ضمن مفاضلة العام الدراسي الحالي.

ووفق شروط القبول التي تناولتها منصة «من يحكم سوريا» وتقارير صحفية، قُصر الالتحاق بعدد من البرامج العسكرية والأمنية على الذكور، وأثير الجدل بصورة خاصة حول برامج ذات محتوى مدني داخل المؤسسات الجديدة، بينها العلوم القانونية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية.

لكن القيود على قبول النساء في بعض المعاهد ليست جميعها مستحدثة. فقد أشار تقرير لوكالة فرانس برس، نشرته «يورونيوز» في 8 أكتوبر/تشرين الأول، إلى أن بعض المؤسسات، ومنها معهد النفط والغاز في دير الزور، كانت مخصصة للذكور منذ عهد النظام السابق، وأن معاهد قطاعية تضع شروط مفاضلتها وفق الجهات التي تتبعها.

هذا التفريق ضروري لتحديد المسؤولية بدقة. فالمرحلة الانتقالية ورثت بعض القيود، لكنها مسؤولة أيضاً عن مراجعتها، وعن المعايير التي تعتمدها في المؤسسات المستحدثة. وتكتسب المسألة أهمية كبرى عندما يتعلق الأمر ببرامج تُنشأ الآن، وتحدد منذ بدايتها من يملك فرصة الالتحاق بها.

وفي المقابل، توجد برامج مخصصة للنساء، من بينها رياض الأطفال والقبالة وبعض مسارات التمريض، في حين تتيح المؤسسات الأمنية مسارات أخرى للنساء، منها الشرطة النسائية. غير أن وجود فرص منفصلة لا يحسم مسألة تكافؤ الوصول إلى جميع المسارات المهنية.

 

الدراسة بوابة إلى الوظيفة العامة

تكتسب شروط القبول في الجامعة السورية للعلوم الأمنية أثراً يتجاوز التعليم؛ إذ يرتبط تخرج طلابها بالتزام بالخدمة في قوى الأمن الداخلي أو جهة مختصة، يصل إلى 20 عاماً لخريجي الكلية و10 أعوام لخريجي المعهد التقاني.

وبذلك، لا يعني استبعاد امرأة من برنامج مرتبط بمؤسسة أمنية حرمانها من مقعد دراسي فحسب، بل قد يحجب عنها مساراً محدداً للتأهيل والتوظيف والترقي داخل تلك المؤسسة.

وتستطيع النساء دراسة القانون والإدارة والهندسة وغيرها في جامعات أخرى، لكن إتاحة التخصص خارج المؤسسة المعنية لا تعني بالضرورة تكافؤ فرص الوصول إلى الوظائف التي يؤهل لها برنامجها.

التوضيح الحكومي وحدود الاستثناء

في توضيح نُسب إلى وزارة التعليم العالي بتاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول، أكدت الوزارة أن الاختصاصات الجامعية متاحة للذكور والإناث دون تمييز، باستثناء برامج محددة في المؤسسات الدفاعية والأمنية تراعي طبيعة العمل ومتطلبات الجهات المعنية.

وأوضحت مديرة شؤون الطلاب في الوزارة، نور حبوب، أن مفاضلة 2026–2027 تضم نحو ألف اختصاص، وأن القبول يستند أساساً إلى معدل الشهادة الثانوية. وربطت تخصيص بعض البرامج للذكور بإعداد الضباط وضباط الصف، مشيرة إلى إمكان دراسة تخصصات هندسية وتقنية في جامعات أخرى.

ويعرض هذا التوضيح مبرر الاستثناء من وجهة نظر الوزارة، لكنه يترك سؤالاً أساسياً دون تفصيل: ما المتطلبات المهنية التي تستوجب قصر برنامج أكاديمي بعينه على الرجال، وهل يمكن تقييم استيفائها بصورة فردية بدلاً من استبعاد النساء مسبقاً؟

ولا تفترض المساواة تطابق شروط جميع الوظائف العسكرية والأمنية، لكنها تقتضي أن تكون أي قيود مرتبطة بطبيعة المهمة الفعلية، ومعلنة وقابلة للمراجعة.

ضمانات قانونية أمام اختبار التطبيق

ينص الإعلان الدستوري السوري الصادر في مارس/آذار 2025، في مادته العاشرة، على المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الجنس. كما تتناول المادة الحادية والعشرون حقوق المرأة، ومنها التعليم والعمل وحماية حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وتوفر اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» التي انضمت إليها سوريا عام 2003، إطاراً إضافياً للمساواة في التعليم والتدريب والعمل، ومنها حرية اختيار المهنة.

وتكتسب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة أهمية خاصة في هذا النقاش؛ إذ تميز بين التمييز المحظور والمتطلبات الأصيلة لوظيفة محددة. ومن ثم، فإن تقييم مشروعية أي استثناء يستدعي تحديد ضرورته وصلته بطبيعة العمل، لا الاكتفاء بوصف المؤسسة بأنها عسكرية أو أمنية.

2-المرأة السورية وسوق العمل.. فجوة كبيرة

فجوة اقتصادية تزيد أثر القيود

تأتي هذه القضية في حين تواجه النساء السوريات صعوبات واسعة في الوصول إلى سوق العمل. ووفق بيانات البنك الدولي المستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2025، بلغت مشاركة النساء في القوى العاملة نحو 12.7%، مقابل 61.4% للرجال.

ولا تعني هذه الأرقام أن المفاضلة الجديدة تسببت في الفجوة القائمة، لكنها تكشف أهمية ألا تتحول فرص التأهيل الجديدة إلى عائق إضافي أمام المشاركة الاقتصادية للنساء.

وفي سياق أوسع، أثار تعميم صادر عن محافظ اللاذقية في يناير/كانون الثاني 2026، يقضي بمنع استخدام مستحضرات التجميل خلال الدوام الرسمي، جدلاً بشأن حدود سلطة الإدارة في تنظيم مظهر الموظفات. ولا يثبت هذا القرار، بمفرده، وجود سياسة موحدة تجاه النساء، لكنه يبرز أهمية إخضاع التعليمات الإدارية لمعايير الوضوح والتناسب وعدم التمييز.

مشاركة النساء في بناء الدولة

ترى الناشطة المدنية والحقوقية السورية تيماء عيسى، في حديثها لـ«صفر»، أن القضية تتجاوز شروط القبول الجامعي إلى موقع النساء والشباب في إدارة المرحلة الانتقالية وصنع القرار.

وتشدد على ضرورة توسيع فرص النساء في التعليم والتوظيف والرقابة على أداء المؤسسات، وتوفير بيئة آمنة تحميهن من العنف والإقصاء. وترى أن بناء دولة تعددية يستلزم قوانين عادلة وسياسات تتيح للمواطنين والمواطنات المشاركة في صياغة القرارات العامة.

من جانبها، تقول الصحفية والكاتبة الكردية زينه عبدي لـ«صفر» إن أثر شروط القبول في الجامعتين الدفاعية والأمنية لا يتوقف عند التعليم، بل يمتد إلى فرص التأهيل والوصول إلى الوظائف ومواقع المسؤولية.

وتحذر عبدي من أن إقصاء النساء في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية والعدالة يتناقض مع الحديث عن إصلاح المؤسسات، ويهدد مشاركة النساء المستقبلية في صنع القرار، ويعيد إنتاج الصور النمطية التي تحد من أدوارهن.

وتدعو عبدي إلى مراجعة سياسات القبول والتوظيف والترقي المهني، ووضع معايير موضوعية معلنة، وإلزام الجهات المعنية بتقديم مبررات قابلة للتحقق لأي تمييز بين المتقدمين. وترى أن استبعاد النساء يحرم المؤسسات نفسها من كفاءات تحتاج إليها البلاد في مرحلة إعادة البناء.

3-المساواة ليست مجرد نص قانوني

المساواة تبدأ من شروط القبول

ما تزال هناك حاجة إلى بيانات رسمية تفصيلية تحدد البرامج المقيدة بحسب الجنس، وأعداد المتقدمات المستوفيات لشروط القبول، والمعايير المهنية التي استندت إليها الاستثناءات. كما أن نشر هذه المعلومات وإتاحة مراجعة القرارات يمثلان خطوة أساسية لتحويل ضمانات المساواة إلى إجراءات قابلة للقياس والمساءلة.

بالعودة إلى سارة خوري وطالبات أخريات، لا تختصر عبارة «ذكور فقط» خلافاً حول مفاضلة جامعية، بل تفتح سؤالاً عن المساحة التي ستمنحها المؤسسات السورية الجديدة للنساء في المستقبل، فالاختبار الحقيقي لا يقتصر على مراجعة القيود التي ورثتها المرحلة الانتقالية، وإنما يشمل ما إذا كانت المؤسسات التي تُبنى اليوم ستتيح للنساء المنافسة وفق الكفاءة، أم ستنقل إلى المستقبل أبواباً ظلت مغلقة في الماضي.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية