منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ليبيا.. إعدامات لا تحتمل الخطأ ومحاكمات تثير الشكوك

29 أكتوبر 2026
ليبيا.. إعدامات لا تحتمل الخطأ ومحاكمات تثير الشكوك
ليبيا.. إعدامات لا تحتمل الخطأ ومحاكمات تثير الشكوك

وصلت عائلات ليبية إلى مركز بنغازي الطبي في أغسطس/آب 2026 لتتعرف على جثامين أبنائها، بعدما تلقت اتصالات تطلب منها الحضور، ولم تكن تعرف موعد إعدامهم، ولم تتح لها أيضا فرصة الوداع، وبعد أن تأكدت من هوياتهم وجدت نفسها أمام فقدان لا يمكن تداركه، وأسئلة لم تحصل على إجابات عنها بشأن المحاكمات التي انتهت بإزهاق أرواحهم.

وبحسب منظمة رصد الجرائم في ليبيا، حُرمت بعض الأسر من شهادات الوفاة والتقارير الطبية الشرعية والوثائق التي توضح ظروف التنفيذ، كما مُنعت من إقامة مجالس عزاء، وسط مراقبة أمنية قرب منازل بعض المحكوم عليهم.

وراء هذه الجثامين قضية تتجاوز العقوبة إلى الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة، فقد استأنفت سلطات في شرق ليبيا تنفيذ أحكام الإعدام بعد سنوات من التوقف، بينما حذرت منظمات حقوقية من انتهاكات محتملة شابت إجراءات التقاضي، بينها الحرمان من الدفاع وادعاءات التعذيب، وفي سجن قرنادة العسكري، يواجه عشرات المحكوم عليهم خطر المصير نفسه.

إعدامات تعيد المخاوف إلى الواجهة

في 23 أغسطس/آب، أعلن مكتب المدعي العسكري العام التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية تنفيذ أحكام بالإعدام رميا بالرصاص بحق عشرة أشخاص، قال إنهم أُدينوا بجرائم قتل وجرائم مرتبطة بالإرهاب.

ووفق منظمة رصد الجرائم في ليبيا، سبقت الإعلان عمليات إعدام طالت 17 شخصا على الأقل يومي 20 و21 أغسطس/آب، بعد تأييد أحكامهم أمام المحكمة العسكرية العليا.

وأفادت تقارير حقوقية في أكتوبر/تشرين الأول بتنفيذ ما لا يقل عن 30 حكما، فيما كانت منظمة رصد الجرائم قد وثقت 31 حالة على الأقل حتى 10 سبتمبر/أيلول. وتختلف الحصيلتان المعلنتان، ما يستدعي التحقق من نطاق كل منهما قبل اعتماد رقم إجمالي نهائي.

وتصف منظمات حقوقية هذه العمليات بأنها أول إعدامات معروفة تنفذها السلطات الليبية منذ عام 2010.

وتعود ملفات عدد من المحكوم عليهم إلى النزاع المسلح في درنة وبنغازي بين عامي 2014 و2018، حين اعتُقل أشخاص بتهم الانتماء إلى تنظيمات محظورة أو المشاركة في جرائم قتل واغتيال.

غير أن خطورة الاتهامات لا تلغي ضمانات الدفاع. فقد تحدثت منظمة العفو الدولية عن محاكمات عسكرية سرية، وحرمان متهمين من الاستعانة بمحامين يختارونهم، إلى جانب ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي.

وتستدعي هذه المزاعم تحقيقا مستقلا، خصوصا عندما تكون العقوبة نهائية ولا يمكن تصحيح آثارها بعد التنفيذ.

قرنادة.. عشرات الأرواح في انتظار الحسم

في سجن قرنادة العسكري، يواجه ما لا يقل عن 50 رجلا خطر الإعدام الوشيك، وفق منظمة العفو الدولية. وفي رسالة مشتركة نشرت في 13 أكتوبر/تشرين الأول، قالت منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للحقوقيين ومنظمة رصد الجرائم في ليبيا والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب إن معلوماتها تشير إلى صدور أحكام بالإعدام بحق 90 شخصا على الأقل أمام محاكم عسكرية في شرق ليبيا، بينهم المحكوم عليهم المحتجزون في قرنادة.

ولا تزال معلومات أساسية غير متاحة بصورة كاملة، منها أماكن احتجاز بعض المحكوم عليهم، والتهم المنسوبة إليهم، وحالة الطعون، وما إذا كانوا مدنيين أم عسكريين؛ وهو ما يثير مخاوف بشأن إمكان تنفيذ أحكام قبل استكمال مراجعة مستقلة لسلامة إجراءات المحاكمة والأدلة التي استندت إليها.

بين تنفيذ الأحكام ومتطلبات المصالحة

يدعو الدكتور عبدالمنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام مؤقتا في ظل الانقسامات السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد.

ويقول لـ«صفر» إن الإسراع في تنفيذ العقوبة قد يعرقل المصالحة الوطنية، وإن الأحكام المتعلقة بالقصاص والجرائم الكبرى ينبغي النظر إليها في سياق العدالة الانتقالية وترسيخ السلم الاجتماعي، مشددا على أهمية مراجعة منظومة التقاضي الجنائي، وضمان شفافية الإجراءات واستيفاء معايير المحاكمة العادلة.

في المقابل، يرى أحمد حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أن إنفاذ الأحكام القضائية الباتة والنهائية يمثل ركيزة لمنع الفوضى والإفلات من العقاب، بشرط استيفاء ضمانات المحاكمة العادلة والشفافة وفقا للقانون الوطني والمعايير الدولية.

ويؤكد حمزة لـ«صفر» رفضه عمليات التصفية الجسدية والإعدامات خارج إطار القضاء، مشددا على ضرورة الموازنة بين حماية الحق في الحياة وتحقيق العدالة لضحايا الجرائم.

ويعكس الموقفان اختلافا في التعامل مع تنفيذ الأحكام خلال المرحلة الراهنة، مع التأكيد على أهمية سلامة الإجراءات القضائية.

المحاكم العسكرية والحق في قاض مستقل

تزداد الإشكالية تعقيدا عندما تصدر أحكام الإعدام عن محاكم عسكرية تنظر قضايا مدنيين.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا الليبية بعدم دستورية القانون رقم 4 لسنة 2017، في ما يتعلق بمنح القضاء العسكري اختصاص محاكمة المدنيين في جرائم الإرهاب والجرائم المرتكبة ضد شخصية الدولة.

ويثير هذا الحكم تساؤلات حول الأساس القانوني لبعض المحاكمات ومدى تأثير القرار الدستوري في الأحكام الصادرة، خصوصا أن تحديد أثره يتطلب الاطلاع على ملفات القضايا وصفة المحكوم عليهم ومراحل الطعن.

وتحمي المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة، وتحظر الحرمان التعسفي منها. وفي الدول التي لم تلغِ عقوبة الإعدام، تقيد فرضها بأشد الجرائم خطورة وبحكم نهائي صادر عن محكمة مختصة.

كما تضمن المادة الرابعة عشرة الحق في محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل ومحايد، والاستعانة بمحام، ومراجعة الإدانة والعقوبة أمام جهة قضائية أعلى، وتكتسب هذه الضمانات أهمية حاسمة عندما تتعلق الأحكام بعقوبة لا تسمح بإصلاح الخطأ بعد تنفيذها.

مطالب بوقف الإعدامات ومراجعة الملفات

في 16 سبتمبر/أيلول، دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى تعليق عمليات الإعدام وإخضاع القضايا لمراجعة موثوقة تتفق مع الالتزامات الوطنية والدولية، معربة عن أسفها لاستمرار التنفيذ رغم اتصالاتها بالسلطات المعنية.

وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت، في 11 سبتمبر/أيلول، من الخطر الذي يواجه المحكوم عليهم في قرنادة، وطالبت بوقف تنفيذ الأحكام.

ودعت منظمة «محامون من أجل العدالة في ليبيا» إلى تحقيق مستقل وشفاف في ظروف الإعدامات، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات وضمان إنصاف الأسر. وحذرت مديرتها التنفيذية إلهام سعودي من مخاطر عسكرة المؤسسات والإفلات من العقاب.

وتتحمل الجهات المسؤولة عن إصدار الأحكام وتنفيذها في شرق ليبيا، بما فيها القيادة العامة والسلطات القضائية العسكرية التابعة لها، مسؤولية إتاحة ملفات المحكوم عليهم للمراجعة المستقلة، والتحقيق في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري والحرمان من الدفاع، والكشف عن مصير المحتجزين وظروف تنفيذ الأحكام.

أما أسر الذين أُعدموا، فلا تزال بحاجة إلى الوثائق والمعلومات التي تتيح لها معرفة ما حدث، وإلى سبل إنصاف فعالة إذا ثبت وقوع انتهاكات.

حق لا يحتمل الخطأ

في بنغازي، انتهى انتظار عائلات عند جثامين أبنائها، لكن انتظار الحقيقة لم ينته. فغياب الوثائق والمعلومات لا يحرم الأسر من معرفة ظروف الموت وحدها، بل يتركها عاجزة عن التحقق من أن الإجراءات التي سبقت الإعدام استوفت ضمانات العدالة.

وفي قرنادة، ما زالت هناك فرصة مختلفة أمام عشرات المحكوم عليهم، بأن تبدأ مراجعة ملفاتهم قبل أن يصبح تنفيذ الأحكام واقعا لا رجعة فيه، وتضع هذه الفرصة السلطات الليبية أمام مسؤولية تتجاوز الإعلان عن أحكام نهائية، إلى إثبات سلامة الطريق الذي قاد إليها، فحماية الحق في الحياة لا تبدأ عندما يُثار الشك في حكم الإعدام، بل من اللحظة التي يُقبض فيها على المتهم، ويصبح مصيره في عهدة القانون.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية