منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الصومال.. 875 ألف شخص مهددون بالنزوح وفجوة التمويل تعرقل الحماية من الفيضانات

29 أكتوبر 2026
الصومال.. 875 ألف شخص مهددون بالنزوح وفجوة التمويل تعرقل الحماية من الفيضانات
الصومال.. 875 ألف شخص مهددون بالنزوح وفجوة التمويل تعرقل الحماية من الفيضانات

“إذا انهمر المطر فانسوا من يعيشون في مخيمات النزوح”، بهذه الكلمات تختصر كاميلو موسى -البالغة 59 عاماً- مخاوفها من موسم الأمطار في مخيم «عينو نصري» بمدينة جوهر الصومالية؛ فبعد سنوات من الجفاف الذي دفع الأسر إلى النزوح، باتت الأمطار نفسها تهدد ما تبقى لها من مأوى واستقرار.

وثّقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر شهادتها في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بينما يستعد الصومال لفيضانات محتملة مرتبطة بظاهرة «النينيو». وتقدر المنظمة الدولية للهجرة احتمال نزوح 874,319 شخصا بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، 92% منهم بسبب الفيضانات.

وتكشف الأزمة مفارقة حقوقية؛ فالجهات المختصة تعرف المناطق المهددة وتملك إنذارات مبكرة، لكن نقص التمويل يضع قدرة المؤسسات على حماية السكان أمام اختبار حاسم، في بلد يُتوقع أن يعاني فيه 5.4 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي خلال الفترة نفسها.

1-الصومال.. مئات الآلاف مهددون بالنزوح

خطر معروف قبل وقوعه

تقدر الوكالة الصومالية لإدارة الكوارث تعرض ما بين 2.5 و3.5 مليون شخص للفيضانات، مع احتمال اضطرار نحو مليون إلى النزوح.

وحذّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من اشتداد ظاهرة «النينيو»، فيما أظهرت بيانات وحدة إدارة المعلومات المائية والأراضي «سواليم» التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة تجاوز منسوب نهر شبيلي في جوهر مستوى الخطر خلال أكتوبر/تشرين الأول.

كما اقترب نهر جوبا من مستوى الفيضان في دولو، وتسببت أمطار غزيرة في أضرار بمنازل في بيدوا. وتشير التقديرات إلى تعرض نحو 229 ألف شخص لخطر النزوح في بلدوين و82 ألفا في جالكعيو، فيما يواجه 595 مصدرا للمياه مخاطر مرتفعة من الفيضانات، بما يهدد سلامة مياه الشرب.

ويحذّر مانويل ماركيز بيريرا، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في الصومال، من أن كثيراً من الأسر المهددة سبق أن نزحت وفقدت مقومات الصمود، مؤكدا أن فرصة الحد من الخسائر لا تزال قائمة، لكنها تضيق.

2-الاستعداد للفيضانات.. تمويل لا يغطي ربع الاحتياجات

الحكومة: استعدادات مبكرة وتحركات لحشد الدعم

أقرّت الحكومة الفيدرالية الصومالية خطة وطنية للاستعداد لظاهرة «النينيو» خلال 2026–2027، وحددت بالتعاون مع الجهات المختصة 29 مديرية في 14 إقليما ضمن أولويات الاستجابة، مع تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وخطط الإخلاء.

وفي تصريحات خاصة لـ«صِفر»، يقول محمود معلم عبد الله، مفوض الوكالة الصومالية لإدارة الكوارث، إن البلاد تواجه مخاطر إنسانية متزايدة بعد نحو خمس سنوات من الجفاف الشديد الذي أنهك الثروة الحيوانية وقوض مصادر رزق السكان.

ويوضح أن التقديرات تشير إلى احتمال تأثر نحو 30 مديرية بالفيضانات، بينها مناطق في العاصمة مقديشو، ما دفع الوكالة إلى رفع مستوى الجاهزية والتنسيق مع المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية.

ويؤكد عبد الله أن الوكالة وجهت إشعارات رسمية إلى المنظمات الإنسانية لتخزين المواد الغذائية والإغاثية والطبية في مواقع قريبة من المناطق الأكثر عرضة للخطر، بهدف إيصال المساعدات «قبل أن تضطر الأسر إلى مغادرة منازلها أو تفقد مواشيها».

ويشير إلى أن الحكومة تواصلت مع دول شريكة، بينها الصين ومصر وأوكرانيا وبريطانيا والدنمارك، لحشد الدعم للاستجابة المحتملة. وكانت بريطانيا قد أعلنت تعهدا بخمسة ملايين جنيه إسترليني، أي نحو 6.6 مليون دولار، لدعم استعدادات الصومال للفيضانات.

ويشدد المفوض على أن تطوير أنظمة الإنذار المبكر والتخطيط المشترك بين الحكومة والمنظمات الإنسانية يمثلان أساس الحد من الخسائر، داعياً رجال الأعمال وعلماء الدين والمغتربين إلى المشاركة في جهود الاستجابة، والقوى السياسية، في الحكومة والمعارضة، إلى إبعاد العمل الإغاثي عن التجاذبات.

لكن حجم الاستعدادات يصطدم بنقص الموارد؛ إذ لم تحصل المنظمة الدولية للهجرة سوى على 14.4% من أصل 16.62 مليون دولار تحتاج إليها للاستعداد للفيضانات ومساعدة أكثر من 517 ألف شخص معرضين للخطر.

ويقر أنطوان غران، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بتحسن الاستعداد والبيانات مقارنة بفيضانات 2023، لكنه يحذر من تراجع التمويل والقدرات الإنسانية.

3-الفيضانات والجوع.. أزمة تضاعف المخاطر على الأطفال

النزوح المتكرر يهدد مصادر العيش

نزح أكثر من 700 ألف شخص داخل الصومال خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بينهم أكثر من 500 ألف بسبب الجفاف، وفق المجلس النرويجي للاجئين.

وفي مايو/أيار، شردت أمطار غزيرة أكثر من 2,400 شخص في جوهر.

وفي قرية باياهاو، يروي المزارع والقيادي المجتمعي نوح آدم، في شهادة للصليب الأحمر، كيف أتلفت فيضانات سابقة محصول الذرة قبل حصاده بأيام قليلة.

ويواجه المزارعون خيارين قاسيين: زراعة أراضيهم والمخاطرة بخسارة المحاصيل، أو تركها دون زراعة ومواجهة الجوع لاحقاً.

وتتزامن هذه المخاطر مع توقع ارتفاع عدد من يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي إلى 5.4 مليون شخص بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، بينهم 1.5 مليون في مرحلة الطوارئ أو أسوأ، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

ويواجه نحو 26 ألف نازح في بيدوا خطر الوصول إلى مرحلة «الكارثة»، بينما حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من احتمال حدوث مجاعة في جنوب البلاد حتى يناير/كانون الثاني 2027.

كما تشير التقديرات إلى احتياج 1.92 مليون طفل دون الخامسة إلى علاج من سوء التغذية الحاد بين يوليو/تموز 2026 ويونيو/حزيران 2027، بينهم 433 ألفاً يعانون أشد أشكاله.

الحماية حق يتجاوز الإجلاء

تضع الفيضانات الحق في الحياة والسكن الآمن والغذاء والمياه والصحة أمام تهديد مباشر. وبموجب اتفاقية كمبالا التي صادق عليها الصومال عام 2019، تشمل التزامات حماية النازحين داخلياً الأشخاص الذين شردتهم الكوارث الطبيعية.

وتقول المحامية والناشطة الحقوقية إقبال أحمد علي، في تصريح خاص لـ«صِفر»، إن تتابع الجفاف والفيضانات يحرم المجتمعات فرصة التعافي، ويحمل النساء والفتيات أعباء إضافية تتعلق بالحصول على المياه والخدمات، ويزيد مخاطر العنف والاستغلال.

وتحذّر من انتشار الأمراض في مواقع النزوح، خصوصاً مع نقص المياه والصرف الصحي. وبحسب وحدة تحليل الأمن الغذائي والتغذية، ارتفعت حالات الحصبة من نحو 2,300 إلى 5,900 حالة خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتؤكد علي أن الإجلاء لا يكفي دون حماية سبل العيش ومعالجة أسباب الهشاشة، محذرة من أن التنافس على المياه والمراعي قد يزيد التوترات المحلية.

ويرى الدكتور وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، في تصريح خاص لـ«صِفر»، أن الكوارث المناخية تهدد حقوق السكان وتمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي، بما فيه أمن مصر.

وأضاف أن النزوح، رغم ما يتيحه من حماية مؤقتة للسكان من أخطار الفيضانات، لا يمثل حلًا مستدامًا ما لم تُعالج الأسباب التي تدفعهم إلى مغادرة منازلهم بصورة متكررة، في ظل غياب ضمانات كافية للحماية القانونية والإنسانية.

ودعا الدكتور نصير المجتمع الدولي والدول الصناعية إلى تحمل مسؤولياتها في مواجهة تداعيات التغير المناخي، والعمل على توجيه التمويل المناخي نحو مشروعات استباقية للحد من مخاطر الكوارث، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، وحماية أرواح السكان وسبل عيشهم، بما يسهم في الحد من النزوح المتكرر وصون الاستقرار الإقليمي.

الإنذار المبكر لا يكفي وحده

تملك السلطات الصومالية وشركاؤها الدوليون تقديرات للمناطق المهددة وأعداد السكان المعرضين للنزوح، لكن تحويل هذه المعرفة إلى حماية يتطلب تمويلاً عاجلاً وملاجئ آمنة ومياهاً صالحة للشرب وخطط إخلاء تصل إلى المجتمعات الأكثر هشاشة.

ولا تنتهي مسؤولية الحماية بإنقاذ الأسر عند ارتفاع المياه؛ إذ تشمل ضمان عودتها الآمنة واستعادة مصادر دخلها، حتى لا يتحول النزوح المؤقت إلى إقامة طويلة في مخيمات تفتقر إلى الخدمات.

وبالنسبة إلى كاميلو موسى، لا تكمن قيمة التحذيرات في دقتها وحدها، بل في وصول الحماية قبل الفيضان، وهنا تبدأ مساءلة الحكومة والشركاء الدوليين حول جدوى معرفة الكارثة مسبقاً إذا بقي السكان المهددون عاجزين عن تجنبها.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية