تكشف تقارير حقوقية حديثة عن تصاعد الضغوط القضائية والأمنية في إيران ضد مواطنين بهائيين ومعتقلين على خلفية الاحتجاجات، وسط مخاوف من اتساع نطاق استخدام المحاكمات والعقوبات الاقتصادية والاجتماعية كأدوات لتقييد الحريات الدينية والمدنية.
وتشهد إيران موجة جديدة من الأحكام القضائية والتضييقات الأمنية التي تستهدف مواطنين بهائيين ومعتقلين على خلفية الاحتجاجات، في سياق يثير مخاوف حقوقية متزايدة بشأن احترام الحق في الحرية الدينية، وضمانات المحاكمة العادلة، وحماية المواطنين من العقوبات ذات الطابع الجماعي أو التمييزي.
وتشير تقارير حقوقية حديثة إلى أن هذه الإجراءات لا تقتصر على إصدار أحكام بالسجن، بل تمتد إلى مداهمة المنازل وأماكن العمل، ومصادرة الممتلكات الشخصية، وفقدان مصادر الدخل، بما يضاعف الأثر الإنساني والاجتماعي على المستهدفين وأسرهم.
استهداف البهائيين
أصدرت محكمة الثورة في مشهد حكما بالسجن لمدة 22 شهرا بحق المواطنة البهائية غزالة رعيت، في قضية ما يزال الحكم الصادر فيها قابلا للاستئناف.
وكانت غزالة رعيت قد اعتقلت في 15 يناير 2026، بعد مداهمة مكان عملها من قبل عناصر أمنية، وبالتزامن مع الاعتقال، تعرض منزلها لتفتيش دقيق، صودرت خلاله ممتلكات شخصية تعود لها.
وبعد نحو شهر من الاحتجاز المؤقت، أفرج عنها من سجن وكيل آباد في مشهد بكفالة مالية، قبل أن يصدر الحكم القضائي بحقها لاحقا.
وتثير هذه الواقعة أسئلة حقوقية بشأن الأساس القانوني للملاحقة، ومدى توافر ضمانات الدفاع، وحق المتهمة في محاكمة عادلة وعلنية ومستقلة، خاصة في القضايا المرتبطة بالانتماء الديني أو النشاط المجتمعي السلمي.
حملة أوسع
في بيان صدر في 22 مايو 2025، أعلنت الجامعة البهائية العالمية عن تزايد الانتهاكات بحق المواطنين البهائيين منذ اندلاع الأحداث الأمنية في أواخر فبراير 2025.
ووثق البيان أكثر من 400 حالة انتهاك، شملت الاعتقالات، ومداهمة المنازل، ومصادرة الممتلكات، وفرض قيود واسعة على بهائيين في مناطق مختلفة من البلاد.
واعتبرت الجامعة البهائية العالمية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار حملة ممنهجة تستهدف الأقلية البهائية، وتحد من قدرتها على ممارسة حياتها الدينية والاجتماعية والاقتصادية بصورة طبيعية.
ويعد الحق في حرية الدين أو المعتقد من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل حق الأفراد والجماعات في ممارسة معتقداتهم دون تمييز أو إكراه أو خوف من العقاب.
الاحتجاجات والسجون في إيران
في سياق متصل، نشرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا”، تقريرا حول صدور حكم بالسجن لمدة عامين بحق زهرا شهيدي، إحدى المعتقلات على خلفية الاحتجاجات، والموجودة في سجن إيفين.
وأشار تقرير “هرانا” إلى أن الحكم الصادر أدى إلى فقدان زهرا شهيدي لعملها، رغم أنها المعيلة الوحيدة لأسرتها، ما يضاعف الآثار الاقتصادية والاجتماعية للعقوبة، ولا يحصر أثرها داخل حدود السجن فقط.
وكانت زهرا شهيدي قد نُقلت في 30 ديسمبر 2025 إلى عنبر النساء في سجن إيفين، بعد اعتقالها في الأيام الأولى للاحتجاجات إثر توقيفها في الشارع من قبل القوات الأمنية.
وبحسب التقرير، قضت شهيدي عدة أيام في أحد مراكز الاحتجاز قبل نقلها إلى السجن، في مسار يسلط الضوء على أوضاع المحتجزين المرتبطين بالاحتجاجات، ومدى تمتعهم بحقوقهم في الاتصال بالمحامين والأسر والطعن في قانونية احتجازهم.
آثار تتجاوز الحكم
لا تقتصر تبعات هذه الأحكام على الحرمان من الحرية، بل تمتد إلى محيط اجتماعي واقتصادي أوسع.. ففقدان العمل، وغياب المعيل، وتكاليف المتابعة القانونية، والوصم الاجتماعي، كلها عوامل تجعل العقوبة أكثر اتساعا من منطوق الحكم القضائي نفسه.
وفي حالة زهرا شهيدي، يبرز فقدان العمل كأحد الأوجه الأقل ظهورا للعقوبة، لكنه من أكثرها تأثيرا على الأسرة، خصوصا عندما تكون المحكومة هي المصدر الأساسي للدخل.
أما في قضايا المواطنين البهائيين، فإن مصادرة الممتلكات ومداهمة المنازل وأماكن العمل تضيف بعدا اقتصاديا واجتماعيا إلى الملاحقات القضائية، وتخلق بيئة ضغط مستمرة تتجاوز الشخص المستهدف إلى أسرته ومجتمعه الديني.
ضمانات غائبة
تؤكد المعايير الدولية أن أي تقييد للحرية يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن يخضع لرقابة قضائية مستقلة، وأن يتمتع المتهم بحقه في الدفاع والاطلاع على الأدلة والطعن في الحكم أمام جهة أعلى.
وتحظر المعايير الحقوقية التمييز على أساس الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي أو المشاركة السلمية في الاحتجاجات، وتؤكد أن استخدام القضاء لمعاقبة الانتماء الديني أو التعبير السلمي أو الاحتجاج يهدد جوهر سيادة القانون.
وتثير الحالات الواردة في التقارير الحقوقية مخاوف من استخدام أدوات قضائية وأمنية لتقييد المجال المدني والديني، خصوصا عندما تترافق الأحكام مع الاعتقال التعسفي، أو المداهمات، أو مصادرة الممتلكات، أو فقدان مصادر الرزق.
بنية قمعية في إيران
تقول منظمات حقوقية إن هذه الوقائع لا يمكن النظر إليها كحالات فردية منفصلة، بل ضمن بنية أوسع من التضييق تشمل الاعتقالات، والمحاكمات السريعة، ومصادرة الممتلكات، وفرض قيود اجتماعية واقتصادية على المستهدفين.
وتتضاعف خطورة هذه البنية عندما تطول أقليات دينية أو مشاركين في احتجاجات، لأن أثرها لا يتوقف عند معاقبة أفراد بعينهم، بل يبعث برسالة ردع أوسع إلى المجتمع.
وفي هذا السياق، تصبح حماية الحق في المحاكمة العادلة والحرية الدينية والتعبير السلمي اختبارا حقيقيا لالتزام السلطات الإيرانية بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
خلاصة حقوقية
تكشف قضيتا غزالة رعيت وزهرا شهيدي عن جانب من المشهد الحقوقي المعقد في إيران، حيث تتداخل الإجراءات القضائية مع القيود الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ففي حالة المواطنين البهائيين في إيران، يبرز الخطر في استهداف الانتماء الديني وممارسة الحياة المجتمعية، وفي حالة المعتقلين على خلفية الاحتجاجات، يظهر الخطر في تحويل المشاركة أو الارتباط بالحراك العام إلى سبب لعقوبات طويلة الأثر.
وتؤكد هذه الوقائع الحاجة إلى مراجعة مستقلة وشفافة للأحكام والإجراءات المرتبطة بهذه القضايا، وضمان حق المتهمين في الدفاع والطعن، ووقف أي ممارسات تمييزية أو انتقامية تستهدف الأفراد بسبب معتقدهم أو آرائهم أو مشاركتهم السلمية في المجال العام.
