منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الجزائر أمام غضب نسوي متصاعد.. العنف الرقمي يدفع النساء خارج المجال العام

22 أغسطس 2026
ضحية للتنمر الإلكتروني- توضيحية
ضحية للتنمر الإلكتروني- توضيحية

تواجه ناشطات وحقوقيات وصحفيات في الجزائر موجة من العنف الرقمي اتخذت أشكالاً متعددة، من التشهير والسب والإهانة إلى التهديد والتحريض والابتزاز وانتهاك الخصوصية، في قضية أثارت تضامناً واسعاً مع نساء مرتبطات بالجريدة النسوية الجزائرية، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر يتعلق بقدرة النساء على ممارسة حقهن في التعبير والمشاركة في المجال العام من دون أن يتحول حضورهن الرقمي إلى مصدر دائم للخوف والملاحقة.

وقالت ناشطات جزائريات في بيان وقّعته نساء وحقوقيات إن المستهدفات تعرضن لـ”التشهير والسب والإهانة والتهديد والترهيب”، معتبرات أن مستوى التحريض تجاوز الخلاف في الرؤى إلى تهديد السلامة الشخصية.

غضب يتجاوز الناشطات

أوضحت الجريدة النسوية الجزائرية المعنية بحقوق المرأة أن الجدل لا يتعلق فقط بخلاف حول مواقف نسوية أو اجتماعية، وإنما يتصل بحدود الحق في الظهور والتعبير والمشاركة في النقاش العام.

 وأكدت ناشطات وحقوقيات وصحفيات أن احترام الدين والمعتقد لا يتعارض مع احترام حقوق النساء والحريات الأساسية، وأن الدفاع عن حقوق المرأة لا يعني معاداة الدين، في مواجهة ما وصفنه بمحاولات استخدام خطاب الإقصاء والكراهية لإسكات الأصوات النسوية.

وأظهرت دراسات جزائرية حديثة أن هذه القضية لا تنحصر في الحملة الحالية؛ فقد خلصت دراسة ميدانية نشرتها مجلة الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية عام 2024، وشملت 100 امرأة جزائرية، إلى أن التنمر الإلكتروني يؤثر سلباً في صورة المرأة ومكانتها الاجتماعية، وأن من أبرز دوافعه عوامل نفسية واجتماعية مرتبطة بالتنشئة والسلوك الاجتماعي.

أرقام تكشف اتساع الظاهرة

كشفت مؤسسة سيك ديف (SecDev) وشبكة “سلام@” للسلامة الرقمية في بحث حول العنف الرقمي ضد النساء في الجزائر أن العنف الذي يقع عبر التكنولوجيا يترك آثاراً نفسية واجتماعية وجسدية حقيقية، وأن أنماط الهيمنة والتمييز الموجودة في الواقع تمتد إلى الفضاء الرقمي وقد تتفاقم داخله.

وأظهرت سيك ديف (SecDev) في دليل جزائري صدر عام 2024 واستند إلى دراسة شملت 112 امرأة، أن 83% من المشاركات تعرضن للتحرش والابتزاز الجنسي عبر الإنترنت، فيما واجهت 60% منهن السب والقذف، وتعرضت 54% للترهيب، وقالت 42% إنهن تعرضن للتهديد بنشر صور حميمة والاتصال بعائلاتهن.

 وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة بين اتساع استخدام التكنولوجيا وبين قدرة الضحايا على الوصول إلى الحماية والمساندة والعدالة.

إنترنت واسع ومساحة خوف

أظهرت منصة داتا ريبورتال (DataReportal) أن الجزائر دخلت عام 2026 مع نحو 37.8 مليون مستخدم للإنترنت، بما يعادل 79.5% من السكان، بينما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 25.6 مليوناً في بداية 2025، وكانت النساء يمثلن 42% من هويات مستخدمي شبكات التواصل آنذاك.

وتوضح هذه الأرقام أن الفضاء الرقمي لم يعد هامشياً في الحياة الجزائرية، بل أصبح جزءاً أساسياً من العمل والتعليم والتواصل والتعبير والمشاركة العامة.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للمرأة إن العنف الرقمي ضد النساء يشمل التحرش والملاحقة الإلكترونية وكشف البيانات الشخصية والتشهير وخطاب الكراهية ونشر الصور الحميمة دون موافقة والتزييف العميق والمعلومات المضللة، وإن النساء العاملات في الصحافة والسياسة والقيادة العامة من أكثر الفئات استهدافاً.

وأشارت المنظمة إلى أن واحدة من كل أربع صحفيات تبلغ عن تهديدات إلكترونية بالضرر الجسدي، وأن هذه الاعتداءات قد تدفع النساء إلى تقليل ظهورهن أو الانسحاب من الحياة العامة.

العنف لا يبقى خلف الشاشة

أوضحت منظمة الأمم المتحدة للمرأة أن وصف هذه الاعتداءات بأنها “افتراضية” يقلل من آثارها الحقيقية، لأن العنف الذي يبدأ برسالة أو تعليق أو صورة قد يتحول إلى تهديد مباشر للسلامة النفسية والجسدية والاجتماعية.

 وتشمل النتائج المحتملة فقدان الشعور بالأمان، وتراجع المشاركة العامة، والإضرار بالسمعة والعمل والعلاقات الأسرية، وصولاً في بعض الحالات إلى انتقال الاعتداء من الإنترنت إلى الحياة اليومية.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للمرأة في استراتيجيتها العالمية لمواجهة العنف الميسّر بالتكنولوجيا أن الاعتداءات الرقمية أصبحت جزءاً من سلسلة العنف ضد النساء والفتيات، وأن الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق وخطابات الكراهية توفر أدوات جديدة لتوسيع نطاق الاعتداء وتسريع انتشاره.

 ودعت المنظمة إلى تطوير القوانين، وتحسين جمع البيانات، وتعزيز آليات العدالة، وتوفير خدمات تتمحور حول الناجيات، وحماية مشاركة النساء ووكالتهن في الفضاء الرقمي.

 إقصاء رقمي من المجال العام

أظهرت دراسة أكاديمية جزائرية حول العنف الرقمي ضد الشخصيات العامة على تيك توك أن النساء يتعرضن لأنماط شديدة الخصوصية من العنف، تشمل الإهانة والسخرية والإقصاء الاجتماعي والمراقبة الأخلاقية واللوم الديني والتحرش الجنسي، بينما يأخذ استهداف الرجال أنماطاً مختلفة.

وخلصت الدراسة إلى أن العنف الرقمي ضد النساء لا يرتبط فقط بسلوك أفراد منفردين، بل يتداخل مع ديناميات اجتماعية وثقافية تحدد مساحة الظهور النسائي والقوة الرمزية في الفضاء الإلكتروني.

وقالت دراسة أكاديمية جزائرية أخرى تناولت التحرش الإلكتروني عبر فيسبوك إن العنف الرقمي يمثل امتداداً للتحرش الموجود في الحياة اليومية، وإن آثاره يمكن أن تنعكس على المكانة الاجتماعية والاقتصادية للنساء وعلى علاقاتهن الاجتماعية.

كما أظهرت دراسة أقدم شملت 87 مستخدمة لفيسبوك أن الممارسات شملت الملاحقة والتدخل في المعلومات الشخصية والخداع والسب والشتم.

القانون الجزائري.. أدوات للمواجهة

أقر المشرّع الجزائري منذ عام 2009 قانوناً خاصاً بالوقاية من الجرائم المرتبطة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، وهو القانون رقم 09-04 المؤرخ في 5 أغسطس 2009، الذي وضع قواعد خاصة لمواجهة الجرائم التي ترتكب باستخدام أنظمة المعلومات والاتصالات أو تسهّل هذه الأنظمة ارتكابها.

ونص قانون العقوبات الجزائري على عقوبات للتهديد، إذ تقرر المادة 285 الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة عندما لا يصاحب التهديد أمر أو شرط، بينما تتضمن مواد أخرى عقوبات أشد عندما يرتبط التهديد بشروط أو مطالب.

كما تجرّم المادة 303 مكرر المساس بحرمة الحياة الخاصة من خلال التقاط أو تسجيل أو نقل محادثات أو صور في مكان خاص من دون موافقة صاحبها، بعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات حبساً وغرامة تصل إلى 300 ألف دينار وفق النصوص ذات الصلة.

وأكد وزير العدل الجزائري في رد برلماني عام 2025 أن تسجيل أو نشر محتوى يمس الحياة الخاصة يخضع لضوابط قانونية، وأن المادة 303 مكرر توفر حماية جنائية للخصوصية وتعاقب على التقاط أو تسجيل أو نقل الصور أو المحادثات الخاصة دون رضا أصحابها.

ويعني ذلك أن الإطار القانوني الجزائري يوفر أدوات لمعالجة بعض صور الاعتداء الرقمي، وإن كانت طبيعة الاعتداءات الرقمية الجديدة تفرض تحديات تتعلق بسرعة انتشار المحتوى وتعدد المنصات وصعوبة تحديد الفاعلين.

 فجوة بين النص والتطبيق

رصدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة في وثائقها المتعلقة بالجزائر استمرار الحاجة إلى تحسين منظومة مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك تطوير جمع البيانات حول الحالات والتحقيقات والملاحقات والعقوبات.

كما أظهرت قاعدة بيانات الأمم المتحدة للمرأة أن الجزائر لا تملك، وفق البيانات المتاحة، قانوناً مستقلاً شاملاً لمناهضة العنف ضد النساء، وأن آخر استراتيجية وطنية منشورة لمكافحة العنف ضد المرأة تعود إلى عام 2007، مع عدم وجود معلومات عامة كافية عن تحديثها لاحقاً.

وأظهرت منظمة العفو الدولية في تقريرها عن الجزائر لعام 2025 استمرار القيود على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وتحدثت عن توقيف ومحاكمة نشطاء وصحفيين ومستخدمين لوسائل التواصل بسبب التعبير السلمي.

وسجلت المنظمة أنه بعد إطلاق حركة “مانيش راضي” الإلكترونية في ديسمبر 2024، أوقفت السلطات وأدانت ما لا يقل عن 23 ناشطاً وصحفياً بحلول أبريل 2025 على خلفية منشوراتهم ومشاركتهم في الحركة.

وقالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن السلطات الجزائرية واصلت التضييق على الأصوات الناقدة واستخدام قوانين جنائية ضد التعبير الرقمي، مشيرة إلى توقيف عشرات الأشخاص على خلفية منشوراتهم ومشاركاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

ولا يثبت ذلك بحد ذاته ارتباطاً مباشراً بحملة العنف ضد الناشطات محل القضية، لكنه يضع الأزمة ضمن بيئة أوسع تتعلق بحرية التعبير والمساحة المتاحة للمشاركة المدنية عبر الإنترنت.

حقوق النساء في القانون الدولي

أكدت الأمم المتحدة أن الجزائر صادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1989، كما صادقت في العام نفسه على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بينما تمثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الإطار الدولي الأساسي لحماية النساء من التمييز والعنف.

وأوضحت لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة في توصيتها العامة رقم 35 أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يشمل الأفعال التي تقع في البيئات التي تستخدم التكنولوجيا، وأن التزامات الدول لا تقتصر على منع العنف المباشر، بل تشمل بذل العناية الواجبة لمنع الاعتداءات والتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها وتوفير سبل الانتصاف للضحايا.

كما أكدت اللجنة أن العنف ضد النساء يمكن أن يحدث في المجالين العام والخاص، وأن التهديدات والإكراه والأذى النفسي تدخل ضمن مفهوم العنف.

معركة على حق الظهور

أصبح الجدل الجزائري حول الناشطات جزءاً من قضية أوسع تتجاوز حدود المنشورات والتعليقات، لأن استهداف النساء بسبب آرائهن أو نشاطهن العام يمكن أن يحول التكنولوجيا من أداة للمشاركة إلى وسيلة للردع.

وتظهر التجارب والدراسات أن التشهير والتهديد والابتزاز لا تستهدف السمعة فقط، وإنما قد تدفع المرأة إلى تقليص ظهورها، وإعادة التفكير في مشاركتها، وتجنب الحديث في قضايا عامة خشية انتقال الهجوم إلى أسرتها أو عملها أو حياتها الخاصة.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن حماية النساء من العنف الرقمي أصبحت شرطاً من شروط المساواة والمشاركة العامة في العصر الرقمي، بينما تؤكد المؤسسات الحقوقية والأكاديمية الجزائرية أن نقص التوثيق والاستجابة المتخصصة يظل من أبرز التحديات.

وبينما توفر القوانين الجزائرية عقوبات لبعض أشكال التهديد وانتهاك الخصوصية والتشهير، تكشف المعطيات المتاحة أن اتساع استخدام الإنترنت يحتاج إلى استجابة أكثر تخصصاً تضمن التوثيق السريع، والتحقيق الفعال، وحماية الضحايا، ومواجهة خطاب الكراهية، حتى لا يتحول الفضاء الرقمي إلى بوابة جديدة لإبعاد النساء عن المجال العام.