حذّر الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي من اتساع نطاق استخدام الحرمان من الحرية كأداة للقمع، مؤكدًا أن الظاهرة لم تعد تقتصر على الاعتقال داخل حدود الدولة، وإنما باتت تمتد إلى الخارج عبر الاختطاف، وطلبات التسليم، وإشعارات الإنتربول، والمحاكمات الغيابية، والمضايقات التي تستعين بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لاستهداف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وأفراد أسرهم.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي مع الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، الذي عرض تقريره بشأن أنشطته خلال عام 2025، إلى جانب تقريره الموضوعي حول العلاقة بين الاحتجاز التعسفي وما وصفه بالقمع العابر للحدود الوطنية. وأكد الفريق أن التطورات الجديدة تفرض ضرورة تجاوز المفهوم التقليدي للاحتجاز، والنظر إلى الوسائل التي تستخدمها بعض الدول لملاحقة الأشخاص حتى بعد مغادرتهم أراضيها.
ووصف الفريق العامل الاحتجاز بأنه من أكثر الانتهاكات صمتًا، إذ لا يحتاج إلى مشهد صاخب أو مواجهة علنية؛ يكفي أن يُغلق باب، ليختفي شخص من عمله وأسرته وحياته العامة. وفي المقابل، سجل عام 2025 تطورًا لافتًا في نتائج عمل الفريق، بعدما أُطلق سراح 115 شخصًا عقب تدخلاته ومتابعته، وهو أعلى رقم يسجل خلال فترة إبلاغ واحدة، بزيادة تقارب 156% مقارنة بعام 2024 بعدما ارتفع عدد حالات الإفراج تدريجيًا من 16 حالة في 2021، إلى 23 في 2022، ثم 38 في 2023، و45 في 2024.
وخلال العام نفسه، اعتمد الفريق العامل 78 رأيًا بشأن 210 أفراد، بينهم 28 امرأة وأربعة أطفال، في ثماني دول، كما أصدر 23 نداءً عاجلًا وأرسل 148 رسالة ادعاء في الحالات التي لم يكن فيها الوقت يسمح باتباع الإجراء الكامل. وأكد الفريق أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، وإنما أشخاصًا حقيقيين ارتبطت حريتهم وأسرهم وحياتهم بهذه الإجراءات.
القمع يعبر الحدود
وتركز الجزء الموضوعي من التقرير على ما اعتبره الفريق العامل تحولًا متزايدًا في أنماط القمع، إذ أصبح المنفى في بعض الحالات مجرد تغيير في العنوان، بعدما تمكنت السلطات من ملاحقة الأشخاص خارج أراضيها بوسائل متعددة.
وحدد الفريق ثلاث صور رئيسية للقمع العابر للحدود؛ أولها الاختطاف المادي للمدنيين، وثانيها عمليات الإعادة القسرية التي قد تتم دون مراجعة قضائية حقيقية، وثالثها القمع عبر الوسائل القانونية، من خلال المحاكمات الغيابية وطلبات التسليم وإشعارات الإنتربول الحمراء، بما قد يحول آليات التعاون الجنائي الدولي من أدوات للعدالة إلى وسائل للملاحقة السياسية.
وحذّر الفريق كذلك من تنامي المضايقات المنسقة التي تضخمها التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي، ومن استخدام أفراد الأسرة للضغط على المنتقدين الموجودين في الخارج. وأكد أن اعتقال أقارب شخص بسبب ما قاله أو فعله في دولة أخرى يتعارض مع مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية.
وشدد الفريق في هذا السياق على أن التعاون الدولي في المسائل الجنائية يظل ضروريًا لسيادة القانون، لكن يجب ألا يتحول إلى أداة للقمع. وطالب برقابة قضائية حقيقية على طلبات التسليم، وجلسات علنية، وضمانات إجرائية كاملة، وسبل انتصاف فعالة تتيح للشخص الطعن في الطلب قبل تنفيذه، إلى جانب الاحترام الكامل لمبدأ عدم الإعادة القسرية والتعامل الجاد مع إشعارات الإنتربول.
أستراليا تحت المجهر
وفي عرضه لنتائج زيارة أستراليا التي أجراها في ديسمبر 2025، أشار الفريق إلى وجود عدد من نقاط القوة، بينها ضمانات في مجال الشرطة، ورقابة على تمديد الاحتجاز، وإمكانية الوصول إلى المشورة القانونية، ومبادرات للعدالة المجتمعية ومحاكم متخصصة للسكان الأصليين.
في المقابل، أثار الفريق مخاوف بشأن غياب قانون اتحادي لحقوق الإنسان أو إطار وطني متماسك في هذا المجال، وارتفاع الاحتجاز السابق للمحاكمة، إلى جانب استخدام تدابير تقييدية في عدد كبير من الحالات.
وأشار كذلك إلى احتجاز أشخاص لأسباب مرتبطة بالفقر أو التشرد أو المرض، معتبرًا أن ذلك يثير مخاوف بشأن تآكل قرينة البراءة. كما أعرب عن قلقه بشأن احتجاز الأطفال في نظام عدالة الأحداث، داعيًا إلى رفع الحد الأدنى لسن المسؤولية الجنائية إلى 14 عامًا على الأقل، وجعل احتجاز الأطفال إجراءً أخيرًا بالفعل، ومنع احتجازهم في منشآت للبالغين أو في الحبس الانفرادي.
كما تناول الفريق الاحتجاز الإلزامي والمطول للمهاجرين، بمن فيهم الأطفال، في مراكز الاحتجاز داخل أستراليا والمنشآت الخارجية، معتبرًا أن هذه الأنظمة لا تفي بصورة كافية بمتطلبات التقييم الفردي والضرورة والتناسب واعتبار الاحتجاز إجراءً أخيرًا.
وأقرت أستراليا في ردها بوجود مخاوف تتعلق بفرط تمثيل السكان الأصليين في أماكن الاحتجاز وعدالة الأحداث والاحتجاز لأغراض الهجرة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرة إلى عوامل تاريخية ومنهجية تتصل بالاستعمار والعنصرية والتهميش الاجتماعي والاقتصادي والصدمات المتوارثة بين الأجيال. كما عرضت مجموعة من الإجراءات والإصلاحات التي قالت إنها تستهدف تعزيز البدائل المجتمعية للاحتجاز وإعادة التأهيل والدعم الأسري والعلاجي والرقابة المستقلة.
أوروبا: التعاون القضائي لا يجب أن يتحول إلى قمع
وحظي التقرير بدعم واسع من دول أوروبية، إذ أكد الاتحاد الأوروبي أن إطلاق سراح 115 شخصًا خلال 2025 يعكس أهمية عمل الفريق وفاعليته، لكنه أعرب في الوقت نفسه عن القلق من استمرار الاحتجاز التعسفي ومن انخفاض معدل استجابة الدول للبلاغات وطلبات المعلومات.
ودعا الاتحاد الأوروبي الدول إلى التعاون بصورة وثيقة وصادقة مع الفريق، ولا سيما في إجراءات المتابعة، كما دعم تركيزه على العلاقة بين الاحتجاز التعسفي والقمع العابر للحدود، بما في ذلك ضرورة توخي الحذر في التعاون الجنائي وطلبات التسليم لمنع عمليات الاختطاف.
وفي الاتجاه نفسه، حذرت دول أوروبية من استخدام الأدوات القانونية لاستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين خارج حدود بلدانهم. وأكدت ألمانيا إدانتها للاختطاف خارج الإقليم واستخدام طلبات التسليم لأغراض القمع، وكذلك احتجاز أفراد أسر المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين كوسيلة لإسكاتهم في الخارج.
أما المملكة المتحدة، فأشارت إلى قضية الصحفي البريطاني جيمي لاي، وقالت إنه أمضى أكثر من 2000 يوم في السجن، بعدما صدر بحقه في فبراير حكم بالسجن لمدة 20 عامًا، وجددت دعوتها إلى الإفراج عنه وعن جميع من سُجنوا بموجب قانون الأمن القومي.
فلسطين في صدارة النقاش
وحضرت قضية الاحتجاز الإسرائيلي للفلسطينيين بقوة خلال الجلسة، إذ أعربت دولة فلسطين عن استغرابها من عدم تلقي إسرائيل، خلال الفترة المشمولة بالتقرير، أي نداء عاجل أو رسالة ادعاء من الفريق العامل، رغم حجم حالات الاحتجاز التي عرضتها.
وقالت فلسطين إن أكثر من 9600 فلسطيني كانوا محتجزين، بينهم 350 طفلًا و84 امرأة، فيما كان نحو 3500 شخص محتجزين إداريًا دون توجيه اتهامات بينما يخضع نحو 1250 آخرين لما يسمى قانون المقاتلين غير الشرعيين في إسرائيل.
وأضافت أن ما لا يقل عن 104 أشخاص توفوا أثناء الاحتجاز منذ أكتوبر 2023، مشيرة إلى توثيق خبراء أمميين مزاعم بشأن التعذيب والعنف الجنسي ضد المحتجزين، وطالبت الفريق العامل بتوضيح أسباب عدم استخدام آلياته بشأن المحتجزين الفلسطينيين خلال الفترة محل التقرير.
كما أعربت جزر المالديف عن قلقها إزاء أنماط الاحتجاز التي تطال الفلسطينيين، مشيرة إلى ارتباط عدد من حالات الاحتجاز بالتعذيب والعنف الجنسي ونقص الغذاء والرعاية الطبية. وقالت إن أكثر من 9000 فلسطيني كانوا محتجزين حتى فبراير 2026، وكانت الأغلبية محتجزة إداريًا دون توجيه اتهامات أو محاكمة.
أفغانستان واليمن.. الاحتجاز في مواجهة العمل المدني والإنساني
وأثارت أفغانستان مخاوف بشأن ما وصفته باستمرار الاحتجاز التعسفي بصورة منهجية، ولا سيما ضد المنتقدين، إلى جانب استخدام التعذيب وسوء المعاملة وغياب الرقابة القضائية وسبل الانتصاف.
ووفق المداخلة المقدمة أمام المجلس، وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان، خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، ما لا يقل عن 29 حالة، إلى جانب خمس حالات تعذيب لمسؤولين سابقين وثماني عمليات قتل لمسؤولين سابقين وأفراد من أسرهم. كما أشير إلى تسجيل 389 حالة اعتقال تعسفي و65 حادثة سوء معاملة، استهدفت بصورة أساسية النساء والفتيات.
وفي اليمن، عرض الوفد اليمني قضية العاملين في المنظمات الدولية، متهمًا جماعة الحوثيين باختطاف 73 من العاملين في المنظمات الدولية منذ عام 2024، والتعرض للتعذيب المنهجي، ما أدى، بحسب البيان، إلى وفاة اثنين من العاملين في المجال الإنساني، فضلًا عن توجيه اتهامات وصفها الوفد بالملفقة بالتجسس، معتبرًا أن ذلك يمثل تجاهلًا للضمانات القضائية الأساسية واعتداءً على العمل الإنساني ووكالات الأمم المتحدة.
مواقف عربية بين التأييد والتحفظ
وشدد ممثل المجموعة العربية على أهمية التعامل مع نتائج الفريق العامل بصورة متوازنة، مع احترام سيادة الدول واستقلال القضاء، لكنه أكد في الوقت نفسه أن قضية الاحتجاز التعسفي لا يمكن فصلها عن أوضاع الفلسطينيين والاحتلال.
وطالبت المجموعة بمواصلة توثيق حالات الاحتجاز التي تطال الفلسطينيين باعتبارها نمطًا مستمرًا يستوجب المساءلة وإنصاف الضحايا.
وأكدت مصر أهمية ولاية الفريق العامل والتزامها بالتفاعل الإيجابي مع البلاغات التي تتلقاها، لكنها حذرت مما وصفته بإساءة استخدام الإجراءات الخاصة لأغراض الاستهداف السياسي، داعية الفريق إلى التحقق من البيانات والمعلومات قبل تحويلها إلى بلاغات رسمية، ومؤكدة وجود ضمانات قانونية ودستورية لمنع الاحتجاز التعسفي واستعدادها للتعاون البناء مع الفريق.
أما العراق، فأكد ضمان حق المحتجزين في معرفة أسباب احتجازهم والوصول إلى المحامين والطعن في قرارات الاحتجاز، مشيرًا إلى أن قضية روبرت بيترز، التي ينظر إليها الفريق العامل باعتبارها حالة احتجاز تعسفي، تستند من وجهة نظر بغداد إلى القانون العراقي، ودعا أصحاب الولايات إلى الاعتماد على الأدلة الموضوعية وإتاحة المجال للدول لعرض مواقفها ومعلوماتها.
بين استقلال القضاء وحماية الحقوق
وعكست مداخلات الدول انقسامًا واضحًا في طريقة قراءة عمل الفريق العامل؛ ففي حين ركزت دول أوروبية وأخرى على ضرورة حماية الأفراد من الاعتقال التعسفي والقمع العابر للحدود، شددت دول أخرى على ضرورة احترام سيادة الدول واستقلال القضاء وضرورة التحقق من المعلومات قبل إصدار الآراء.
وأكدت الهند، على سبيل المثال، أن قرارات الفريق ينبغي أن تستند إلى الأدلة والشفافية، وأن تميز بوضوح بين الوقائع التي جرى التحقق منها والادعاءات المقدمة من المصادر ومذكرات الحكومات والتقييمات القانونية، مع أخذ الإجراءات التصحيحية الوطنية في الاعتبار.
كما دعت دول عدة إلى توفير موارد كافية ومستدامة للفريق العامل حتى يتمكن من تنفيذ ولايته، وقبول زيارات البلدان وتعزيز إجراءات المتابعة.
وفي ختام النقاش، عاد الفريق العامل إلى جوهر ولايته، محذرًا من أن أنماط الاحتجاز والملاحقة تتطور بالتوازي مع تطور وسائل القمع، وأن الآليات الدولية مطالبة بالتحرك بسرعة لمواكبة هذه التحولات.
وبينما تتسع الأدوات التي يمكن أن تستخدم لملاحقة الأشخاص خارج الحدود، من طلبات التسليم والإشعارات الدولية إلى الاختطاف والمراقبة الرقمية والمضايقات التي تستعين بالذكاء الاصطناعي، أكد الفريق أن حماية الحرية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدولة.
فالاحتجاز، وفق الرسالة الأساسية التي حملها التقرير، لا يتعلق بإحصاءات وملفات فقط، وإنما بأشخاص وأسر تنتظر عودتهم وإجابات عن مصيرهم؛ وإذا كان القمع قد تجاوز الحدود، فإن حماية الحقوق، كما خلص الفريق العامل، يجب أن تتجاوزها أيضًا.
