منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الإنكارية وتحريف الذاكرة.. تحذير أممي من تقويض العدالة الانتقالية وإعادة إنتاج الانتهاكات

16 سبتمبر 2026
المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر خلال الجلسة 63 لمجلس حقوق الإنسان
المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر خلال الجلسة 63 لمجلس حقوق الإنسان

حذر المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، برنارد دوهيم، من تنامي ظاهرة إنكار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و القانون الإنساني الدولي، وما يصاحبها من تحريف للوقائع وإعادة صياغة الذاكرة التاريخية، ما يخدم مصالح سياسية أو أيديولوجية ضيقة، مؤكداً أن هذه الممارسات لا تقف عند حدود تشويه الماضي، وإنما يمكن أن تقوض جهود المساءلة والمصالحة، وتضعف المؤسسات الديمقراطية، وتزيد مخاطر تكرار الفظائع.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي مع المقرر الخاص بشأن تقريره الموضوعي حول الإنكارية والنفي والتحريفية لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في سياق العدالة الانتقالية، حيث عرض دوهيم أبرز استنتاجاته وتوصياته، في حين شاركت دول ومجموعات إقليمية ومنظمات دولية ومؤسسات حقوقية في مناقشة تداعيات الظاهرة وسبل مواجهتها، مع تركيز واسع على دور التعليم وحفظ السجلات والذاكرة، إلى جانب التحديات التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي و الذكاء الاصطناعي.

وقال دوهيم إن الأشهر الأخيرة شهدت انتشار موجة من بيانات الإنكار في مناطق مختلفة من العالم، موضحاً أن الإنكارية تستخدم بصورة متزايدة لنفي جهود العدالة الانتقالية، ونشر سرديات تؤدي إلى الانقسام، وتقويض المؤسسات الديمقراطية والفضاء المدني.

وأضاف أن هذه الظاهرة، في سياق ما وصفه بـ”الشعبوية ما بعد الحقيقة”، تسهم في إبعاد الحقيقة باعتبارها أساساً للمساءلة وصنع القرار القائم على الأدلة، لمصلحة سرديات تقوم على المشاعر والهوية والاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وشدد المقرر الخاص على ضرورة التمييز بين الإنكار وبين المراجعة المشروعة للتاريخ، موضحاً أن البحث الأكاديمي في الماضي، وإعادة فحص الأدلة أو الشهادات الجديدة، لا يمثل في حد ذاته إنكاراً، وإنما تكمن المشكلة عندما يجري التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بصورة متعمدة لتقويض حقوق الضحايا وأسرهم والمجتمع في معرفة الحقيقة، أو لاستبدال الوقائع الموثقة بسرديات تخدم مصالح محددة.

وأوضح أن الإنكارية تمس الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية التي تشمل الحقيقة والعدالة والجبر وإحياء الذكرى وضمانات عدم التكرار، مشيراً إلى أنها ليست مجرد تحريف أو إهمال للوقائع، بل قد تتحول إلى جهد نشط لاستبدال روايات الانتهاكات الماضية بأخرى جديدة، ما يهدد قدرة المجتمعات على فهم أسباب العنف ومعالجة آثاره.

وأضاف أن الإنكار غالباً ما يترافق مع إسكات أصوات المعارضة وقمع الحوار التعددي، الأمر الذي ينعكس على حق الضحايا في العدالة والجبر، ويحد من قدرة المجتمعات على مناقشة أسباب الانتهاكات والعنف، ويضعف فرص المصالحة ومنع تكرار الجرائم.

كما لفت إلى أن التطورات التكنولوجية الحديثة، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي وأنظمة الذكاء الاصطناعي، باتت توفر أدوات جديدة يمكن استخدامها لتضخيم نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة وتحقيق الربح منها.

وفي المقابل، حذر دوهيم من أن مواجهة الإنكارية ينبغي ألا تتحول إلى ذريعة لتقييد الحقوق والحريات، مؤكداً أن أي إجراءات تتخذها الدول، سواء من خلال قوانين الذاكرة أو التشريعات الأمنية، يجب أن تلتزم بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وعدم التمييز. وشدد على أن مكافحة الإنكار لا يمكن أن تبرر القمع أو الحظر غير المتناسب، وإنما تتطلب إرادة سياسية مستدامة وإشرافاً عاماً ومشاركة مجتمعية طويلة الأمد.

ودعا المقرر الخاص الدول إلى تعزيز الحق في معرفة الحقيقة، عبر توفير أكبر قدر ممكن من الشفافية والإفصاح بشأن الانتهاكات الماضية، مؤكداً أن المعلومات المتعلقة بالجرائم الدولية ينبغي ألا تخضع للسرية أو التصنيف أو القيود على الوصول إليها إلا في حالات استثنائية ومبررة ومتوافقة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

كما شدد على أن حرية التعبير والحقوق الثقافية والتعليم والوصول إلى المعرفة تمثل أدوات رئيسية في مواجهة الإنكار، داعياً الحكومات إلى الاستثمار في التعليم القائم على الأدلة والتفكير النقدي ومحو الأمية الرقمية، وتعزيز سياسات تخليد الذكرى، ما يسمح للأجيال الجديدة بالوصول إلى روايات موثوقة عن الأحداث الماضية.

وأكد ضرورة أن تشمل عمليات العدالة الانتقالية جميع أشكال الانتهاكات، ومنها العنف القائم على النوع الاجتماعي والانتهاكات التي تطول الفئات المهمشة.

ولم يقتصر النقاش على دور الدول؛ إذ خصص المقرر الخاص جانباً من توصياته لشركات التكنولوجيا، داعياً إلى مواءمة ممارساتها مع مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، واتخاذ تدابير تمنع إسهاماتها في نشر الإنكار والتضليل وخطاب الكراهية، مع تعزيز الشفافية ومراجعة نماذج الأعمال التي قد توفر حوافز لانتشار المحتوى المضلل.

وخلال الحوار، عبرت دول الشمال ودول البلطيق، في بيان ألقته إستونيا، عن القلق من الإنكار المنظم للانتهاكات الجسيمة، وتمجيد الانتهاكات الماضية والتلاعب بالذاكرة، مشيرة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تضيف أبعاداً جديدة إلى التحدي. وسألت المجموعة عن التدابير التي يمكن للدول اعتمادها للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالإفصاح عن المعلومات والحقيقة بشأن الانتهاكات الماضية.

بدوره، أكد الاتحاد الأوروبي أن تشويه الوقائع وإنكار الانتهاكات الجسيمة، خصوصاً التحريفية، يمكن أن يضعف المؤسسات الديمقراطية ويهدد ضمانات عدم التكرار. ودعا إلى الحفاظ على الذاكرة التاريخية من خلال سياسات تركز على الضحايا، ودعم المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتعزيز محو الأمية الإعلامية، مع احترام مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وعدم التمييز، متسائلاً عن السبل التي يمكن من خلالها ضمان إسهام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في حماية الحقيقة التاريخية وحقوق الضحايا.

ومن الجانب الإفريقي، شددت كينيا، نيابة عن المجموعة الإفريقية، على أن الإنكارية لا تعني فقط تحريف الماضي، وإنما قد تقوض المساءلة وثقة المؤسسات وتهمش الضحايا وتخلق ظروفاً مواتية لتجدد العنف. ودعت إلى عدالة انتقالية تركز على الضحايا وتراعي أوجه عدم المساواة التاريخية والبنيوية، مع الحفاظ على المحفوظات وتوثيق شهادات الضحايا وإشراكهم في سرديات الانتهاكات الماضية، مع ضرورة حماية حرية التعبير والفضاء المدني.

وفي السياق ذاته، أكدت جمهورية كوريا أهمية الآليات المؤسسية لإرساء الحقيقة التاريخية، مشيرة إلى عمل لجنة الحقيقة والمصالحة في البلاد ونشر نتائجها على نطاق واسع، في حين شددت المغرب على أهمية حماية الأرشيف وترقيم الوثائق وإتاحة الموارد أمام الباحثين والجمهور، إلى جانب سياسات تخليد الذاكرة والتثقيف، مستحضرة تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.

كما حضرت تجارب دول عانت من صراعات أو انتهاكات واسعة في النقاش. فقد تحدثت رواندا عن تجربتها عقب إبادة التوتسي عام 1994، مؤكدة أهمية صون الحقيقة ومواجهة أيديولوجيات الإبادة من خلال التعليم والمساءلة. واستعرضت كمبوديا دور المحاكم الاستثنائية التي أنشئت بالشراكة مع الأمم المتحدة في توثيق الوقائع وملاحقة المسؤولين عن جرائم ارتكبت خلال فترة الخمير الحمر، إلى جانب الاستثمار في التعليم وحفظ المحفوظات.

وفي أمريكا اللاتينية، تناولت بيرو أهمية حفظ الذاكرة المتعلقة بالعنف الذي شهدته البلاد بين عامي 1980 و2000، في حين عرضت باراغواي جهودها في البحث عن مصير المختفين خلال فترة الدكتاتورية وتعزيز حفظ السجلات. وأشارت البرازيل إلى إعادة تنشيط جهود البحث عن المفقودين وتحديد مواقع الجثث وتصحيح شهادات الوفاة، إلى جانب تحويل مواقع سابقة للاعتقال والتعذيب إلى مراكز للذاكرة.

وفي ملف الضحايا، أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الإنكار والتحريف قد يخفيان العنف الجنسي ويعمقان فجوات الحقيقة والمساءلة والجبر، داعية إلى ضمان أن تراعي آليات العدالة الانتقالية النوع الاجتماعي، وأن تضمن مشاركة النساء، خصوصاً النساء من الفئات المهمشة.

أما مصر، فأكدت خلال الحوار أهمية توثيق الانتهاكات لدعم جهود الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، مع مراعاة اختلاف السياقات الوطنية. وأشارت إلى الأرض الفلسطينية المحتلة باعتبارها نموذجاً لما وصفته بخطورة إنكار الانتهاكات ومحاولات طمس الحقيقة وتغيير الوقائع، متحدثة عن التشكيك في الأدلة والتقليل من جسامة الانتهاكات والترويج لروايات مضللة.

وطرحت القاهرة على المقرر الخاص سؤالاً حول كيفية التعامل مع هذه الممارسات، في ظل الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الترويج لروايات مغلوطة وصرف الانتباه عن الوقائع على الأرض.

كما تناولت مداخلات أخرى أثر الإنكار في النزاعات الجارية. فتحدثت أوكرانيا عن استخدام تشويه الوقائع، وفق روايتها، لتبرير الجرائم، في حين ركز السودان على أهمية حماية الوثائق والمؤسسات والأشخاص القادرين على توثيق الانتهاكات خلال النزاعات، مشيراً إلى استهداف مواقع تضم سجلات ووثائق متعلقة بالعدالة، وإلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي في نشر محتوى مرتبط بالانتهاكات.

وأثارت جزر مارشال جانباً آخر من القضية، حين عرضت تجربة التجارب النووية التي أجريت في أراضيها خلال الفترة بين 1946 و1958، مؤكدة أن الاعتراف بمعاناة السكان يمثل جزءاً من الوصول إلى الحقيقة والجبر. كما تناولت أيرلندا الشمالية وأيرلندا قضايا مرتبطة بإرث النزاع والانتهاكات المؤسسية، مع التركيز على حق الضحايا والناجين في الوصول إلى السجلات والمعلومات اللازمة لفهم ما حدث لعائلاتهم.

وحذر ممثلو منظمات المجتمع المدني من أن التضييق على الباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان وأسر الضحايا قد يزيد صعوبة الوصول إلى الحقيقة. ودعت منظمات حقوقية إلى حماية آليات التوثيق المستقلة، وتوفير بيئة آمنة للضحايا والناجين، وضمان الوصول إلى الأرشيف والسجلات، إلى جانب وضع برامج جبر شاملة وإحياء للذاكرة.

وفي ختام الحوار، أشار دوهيم إلى ما وصفه بالتوافق الواسع بين الوفود حول أهمية التقرير، داعياً الدول إلى تنفيذ التوصيات الواردة فيه، وتعزيز حماية الحقيقة التي توثقها الهيئات الوطنية والمحاكم والمؤسسات الدولية. كما شدد على ضرورة مكافحة خطاب الكراهية والتمييز والتحريض على العنف، وبناء نظم معلومات شفافة، وتجنب استخدام السرية أو القوانين الأمنية لمنع الوصول إلى المعلومات إلا بما يتوافق مع القانون الدولي.

وأكد المقرر الخاص أهمية التعليم الشامل وتخليد الذكرى والحوار واحترام حرية التعبير، مشيراً إلى أهمية مبادئ خطة عمل الرباط في هذا السياق، ومجدداً دعوته لشركات التكنولوجيا إلى ضمان ألا تسهم التقنيات الجديدة في تقويض الحقيقة أو زيادة الشك في الوقائع الموثقة.

وفيما يتصل بالتكنولوجيا، كشف دوهيم أن تقريره المقبل إلى الجمعية العامة في أكتوبر سيتناول بصورة خاصة التكنولوجيا الجديدة والعدالة الانتقالية، في ضوء التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والتضليل الرقمي على توثيق الانتهاكات وحفظ الذاكرة.

ويبرز الحوار أن معركة العدالة الانتقالية لا تنتهي بمجرد توثيق الانتهاكات أو إصدار الأحكام؛ إذ تمتد إلى حماية السجل التاريخي، وضمان وصول الضحايا وأسرهم إلى الحقيقة، وحفظ الأدلة، وإتاحة المعلومات للأجيال المقبلة. وبينما تتسع أدوات إنتاج ونشر المعلومات المضللة بفعل التكنولوجيا الحديثة، يطرح المقرر الخاص مقاربة تقوم على الجمع بين المساءلة والشفافية والتعليم وحماية الذاكرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير والحقوق الأساسية، باعتبار أن منع تكرار الانتهاكات يتطلب أولاً عدم السماح بطمس آثارها أو إقصاء أصوات ضحاياها من السجل العام.