منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط مطالب أممية بالتحقيق والمحاسبة.. وفيات موقوفين تفتح ملف التعذيب داخل السجون العراقية

17 مايو 2026
سجناء في أحد مراكز الاحتجاز العراقية
سجناء في أحد مراكز الاحتجاز العراقية

يعود ملف الانتهاكات داخل السجون العراقية إلى ما بعد عام 2003، حين واجهت البلاد موجة واسعة من إعادة بناء المؤسسات الأمنية والقضائية في ظل تصاعد العنف، ومع توسع ملف مكافحة الإرهاب بعد عام 2014، ازداد عدد الموقوفين بشكل كبير، ما أدى إلى ضغط إضافي على البنية التحتية للسجون.

وفي قسم مكافحة إجرام الديوانية جنوبي العراق، انتهت حياة موقوف أثناء التحقيق بعد ظهور آثار ضرب وكدمات على جسده وفق ما أعلنته السلطات المحلية، لتتحول الحادثة إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في عام 2026، وهذه الواقعة لم تكن معزولة، بل جاءت بعد أسابيع قليلة من وفاة موقوف آخر في مركز للشرطة بمدينة الفلوجة، وسط روايات عائلية تتحدث عن تعرضه للضرب أثناء فترة احتجازه، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أن هذه الحوادث تعكس نمطاً متكرراً داخل بعض مراكز التوقيف في العراق، بحسب اللجنة الأمنية في محافظة الديوانية ووزارة الداخلية العراقية.

حوادث متكررة

وبحسب ما أعلنته اللجنة الأمنية في محافظة الديوانية فإن فحص الجثة أظهر وجود آثار تعذيب أدت إلى الوفاة داخل مركز احتجاز أمني، مشيرة إلى توقيف ضباط ومنتسبين وإحالتهم إلى القضاء، وفي المقابل، لم تصدر وزارة العدل العراقية حتى عام 2026 بيانات شاملة توثق العدد الإجمالي لحالات الوفاة داخل السجون أو مراكز التوقيف، ما يعمّق الفجوة بين الإعلان الرسمي والتوثيق المستقل وفق تقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق يونامي.

وتشير بعثة يونامي في تقاريرها لعام 2025 إلى استمرار ورود ادعاءات بشأن سوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، بما في ذلك استخدام العنف أثناء التحقيق، مع تسجيل حالات وفاة وإصابات لم يُعلن عن نتائج تحقيقاتها النهائية بشكل علني في عدد من المحافظات، وهو ما تعتبره البعثة عاملاً يضعف الشفافية ويؤثر على ثقة الجمهور في منظومة العدالة العراقية.

وفق بيانات وزارة العدل العراقية يوجد 65 ألف سجين ومحتجز تقريباً داخل السجون العراقية التي يتراوح عددها بين 29 و31 سجناً ومؤسسة إصلاحية موزعة على المحافظات.

تقارير حقوقية تكشف حجم الأزمة

تكشف التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية والجهات الأممية أن أزمة السجون ومراكز التوقيف في العراق لم تعد مرتبطة فقط بحوادث فردية معزولة، بل أصبحت ملفاً حقوقياً معقداً يتداخل فيه الاكتظاظ وضعف الرقابة وادعاءات التعذيب والإهمال الصحي وغياب الشفافية في التحقيقات المتعلقة بوفاة المحتجزين، وتؤكد هذه المنظمات أن استمرار الأزمة يعكس فجوة عميقة بين النصوص القانونية العراقية وآليات التطبيق داخل عدد من أماكن الاحتجاز.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها السنوي حول العراق لعام 2025، أن السلطات العراقية لا تزال تواجه انتقادات تتعلق بظروف الاحتجاز داخل السجون ومراكز التوقيف، خاصة في ما يتعلق بالاكتظاظ وسوء المعاملة وغياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز، وأشارت المنظمة إلى استمرار ورود بلاغات عن التعذيب أثناء التحقيق في قضايا جنائية وأمنية، معتبرة أن عدم نشر نتائج التحقيقات الخاصة بحالات الوفاة داخل السجون يمثل أحد أبرز مؤشرات غياب المساءلة والشفافية.

ووثقت منظمة العفو الدولية، في تحقيق نشرته عام 2024 واستمرت تداعياته خلال 2025، تعرض محتجزين داخل مركز الجدعة شمالي العراق للتعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري بعد اعتقالهم، مشيرة إلى استخدام وسائل عنف شملت الضرب والصعق الكهربائي والإجبار على البقاء في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، وقالت المنظمة إنها وثقت حالات لرجال ونساء تعرضوا لانتهاكات أثناء الاحتجاز في إطار ما وصفته بضعف الضمانات القانونية للموقوفين، كما أكدت المنظمة في تقريرها السنوي عن العراق لعام 2025 أن قوات أمنية وجهات مسلحة لا تزال ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وسط إفلات شبه كامل من العقاب.

وتشير بيانات وزارة العدل العراقية إلى استمرار الضغوط الكبيرة على البنية التحتية للسجون، في ظل ارتفاع أعداد المحتجزين والنزلاء مقارنة بالطاقة الاستيعابية لبعض المؤسسات الإصلاحية، خاصة في سجن الرصافة المركزي وسجن الحوت في محافظة ذي قار وسجن الحلة، ورغم عدم إعلان الوزارة أرقاماً تفصيلية حديثة بشأن نسب الاكتظاظ في جميع السجون خلال 2025 و2026، إلا أن تقارير حقوقية عراقية تؤكد أن بعض مراكز الاحتجاز تعمل فوق طاقتها الفعلية، ما يؤدي إلى تراجع مستوى الخدمات الصحية والغذائية والرعاية النفسية المقدمة للنزلاء.

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في تقرير نشاطاتها بالعراق لعام 2024 والمنشور في مايو 2025، أن العراق ما يزال يواجه تحديات إنسانية مرتبطة بظروف الاحتجاز واحتياجات المحتجزين وعائلاتهم، مشيرة إلى استمرار برامجها الخاصة بزيارة أماكن الاحتجاز والحفاظ على الروابط العائلية للمحتجزين، وأعلنت اللجنة أنها أسهمت في تبادل أكثر من 10 آلاف رسالة بين المحتجزين وذويهم، في مؤشر على استمرار وجود أعداد كبيرة من المعتقلين الذين يعتمدون على هذه القنوات الإنسانية للتواصل مع عائلاتهم، كما أكدت اللجنة الدولية أن تحسين أوضاع الاحتجاز والرعاية الصحية داخل السجون لا يزال يمثل أولوية إنسانية في العراق.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الاكتظاظ داخل السجون يؤدي إلى مضاعفة المخاطر الصحية والنفسية للنزلاء، خاصة مع محدودية الخدمات الطبية ونقص الكوادر الصحية في بعض المؤسسات الإصلاحية، كما تشير المفوضية إلى أن استمرار الاحتجاز لفترات طويلة قبل المحاكمة يمثل أحد أبرز أسباب الضغط على السجون العراقية، في ظل بطء الإجراءات القضائية وتعقيد بعض الملفات الأمنية.

وفي السياق نفسه، حذّرت منظمات حقوقية عراقية، بينها المرصد العراقي لحقوق الإنسان، من ارتفاع الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز خلال عامي 2025 و2026، بما يشمل الضرب والإهانة والحرمان من الرعاية الطبية، إضافة إلى تسجيل حالات انتحار داخل بعض السجون نتيجة الضغوط النفسية وسوء الظروف المعيشية.

كما تشير بيانات حقوقية محلية إلى أن عدداً من حالات الوفاة داخل مراكز التوقيف في العراق لم تُنشر نتائج التحقيقات المتعلقة بها بصورة علنية، وهو ما تعتبره المنظمات الحقوقية عاملاً يفاقم أزمة الثقة في مؤسسات العدالة، وتؤكد منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن غياب التحقيقات المستقلة والشفافة يسمح باستمرار ثقافة الإفلات من العقاب، ويقلل من فرص محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

ويؤكد القانون الدولي، وخاصة اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها العراق، أن الدولة ملزمة بحماية جميع المحتجزين من التعذيب وسوء المعاملة، وفتح تحقيقات مستقلة وفعالة في أي ادعاءات تتعلق بالانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، مع ضمان حق الضحايا وعائلاتهم في الوصول إلى العدالة والحقيقة.

اكتظاظ وظروف احتجاز معقدة

توضح تقارير وزارة العدل العراقية أن بعض السجون الرئيسية، ومنها سجن الرصافة المركزي وسجن الحوت في ذي قار وسجن الحلة، تعمل بالقرب من طاقتها القصوى أو تتجاوزها في بعض الفترات، ما ينعكس على الخدمات الصحية والغذائية المقدمة للنزلاء، وتشير بيانات حقوقية عراقية إلى أن الاكتظاظ داخل مراكز التوقيف يؤدي إلى ارتفاع حالات الأمراض المعدية والاضطرابات النفسية داخل السجون.

وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن ظروف الاحتجاز غير الملائمة قد ترقى في بعض الحالات إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية إذا اقترنت بالإهمال الطبي أو سوء المعاملة، مشددة على أن الدولة مسؤولة قانونياً عن حماية جميع المحتجزين داخل منشآتها.

فجوة بين القانون والتطبيق

ينص الدستور العراقي في المادة التاسعة والثلاثين على حظر التعذيب بكل أشكاله وعدم الاعتداد بأي اعتراف ينتزع بالإكراه، كما يجرم قانون العقوبات العراقي استخدام العنف ضد المتهمين أثناء التحقيق، ورغم ذلك، تؤكد نقابة المحامين في العراق أن شكاوى التعذيب ما تزال تُسجل سنوياً، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الأمني.

استهداف مدني داخل منظومة احتجاز مغلقة

تشير منظمات حقوقية عراقية، من بينها المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إلى أن عدد الشكاوى المتعلقة بسوء المعاملة داخل مراكز التوقيف ارتفع خلال عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، مع تسجيل حالات وفاة وإصابات أثناء التحقيق في عدة محافظات، وتوضح المنظمة أن غياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز يمثل أحد أبرز العوامل التي تسمح باستمرار الانتهاكات.

كما تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن ضعف استقلالية التحقيقات في قضايا التعذيب يؤدي إلى ما وصفته باستمرار الإفلات من العقاب، حيث لا يتم إعلان نتائج التحقيقات أو محاسبة المسؤولين بشكل علني في معظم الحالات الموثقة.

وفيات تحت التحقيق وغياب الشفافية

تسجل منظمات حقوقية عراقية تكرار حالات الوفاة أثناء التوقيف دون إعلان نتائج نهائية للتحقيقات، ما يثير مخاوف من إعادة تصنيف أسباب الوفاة على أنها طبيعية أو صحية في بعض الحالات، وفق ما تشير إليه بيانات نقابة الأطباء العراقيين وتقارير محلية غير حكومية.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن غياب الشفافية في الإعلان عن نتائج التحقيقات المتعلقة بوفاة الموقوفين يمثل انتهاكاً لمبدأ الحق في معرفة الحقيقة، ويؤثر على ثقة المجتمع في النظام القضائي.

القانون الدولي في مواجهة الواقع

تلزم اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها العراق أجهزة الحكومة بمنع أي شكل من أشكال التعذيب، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في أي ادعاء يتعلق بسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل محتجز في معاملة إنسانية وضمانات قضائية فعالة.

وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن أي استخدام للتعذيب أو سوء المعاملة داخل مراكز التوقيف لا يمثل فقط انتهاكاً قانونياً، بل يضعف أيضاً منظومة العدالة الجنائية برمتها، لأن الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه تفقد قيمتها القانونية.

فيما توضح تقارير الأمم المتحدة إلى أن العراق حقق خطوات تشريعية مهمة في مجال حماية حقوق الإنسان، لكن التطبيق العملي لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بالاكتظاظ وضعف الرقابة واستمرار الاتهامات المتعلقة بسوء المعاملة.

وفي ظل استمرار تسجيل حالات وفاة أثناء التوقيف، وتكرار ادعاءات التعذيب، وغياب الشفافية في نتائج التحقيقات، يبقى ملف السجون العراقية واحداً من أكثر الملفات حساسية في المشهد الحقوقي، حيث تتقاطع مسؤوليات الدولة مع التزاماتها الدولية في لحظة تتزايد فيها الدعوات إلى إصلاح شامل يضمن حماية كرامة المحتجزين ويعزز الثقة في منظومة العدالة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية