منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط سياسات مشددة.. المهاجرات الإفريقيات في تونس يواجهن العنف والإقصاء

29 أبريل 2026
اللاجئات الإفريقيات يواجهن أزمات متراكبة في تونس
اللاجئات الإفريقيات يواجهن أزمات متراكبة في تونس

لم تعد قضية المهاجرات من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس مسألة عبور أو إقامة فقط، بل أصبحت في جوهرها قضية حماية وكرامة وحقوق أساسية، فهؤلاء النساء يقفن عند تقاطع هش بين العنصرية والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، وبين سياسات الهجرة المشددة وانكماش المجال الإنساني، وبين الفقر وانعدام الأمان والوصول المحدود إلى الصحة والسكن والعدالة.

وتقول منظمات أممية وحقوقية إن النساء المهاجرات واللاجئات وطالبات اللجوء في تونس يواجهن اليوم أخطارًا متراكبة تشمل العنف، والإخلاء القسري، والاحتجاز أو الطرد الجماعي، وصعوبات الرعاية الصحية، ولا سيما خلال الحمل والولادة، إلى جانب خطاب عام وسياسي يغذي الوصم ويضاعف هشاشتهن.

على المستوى العددي، تستضيف تونس حتى فبراير 2026 نحو 7,812 لاجئًا وطالب لجوء مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتقول المفوضية إن بينهم أشخاصًا ذوي احتياجات حماية حرجة، بمن فيهم ناجون من التعذيب، وناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وأطفال غير مصحوبين بذويهم.

كما توضح بيانات المفوضية أن البلاد تؤوي أشخاصًا من دول تشهد نزاعات وعنفًا واسعًا، من بينها دول إفريقية جنوب الصحراء مثل الصومال وغينيا وإريتريا ومالي والكاميرون وساحل العاج وسيراليون والسنغال ونيجيريا وغانا وإثيوبيا وبوركينا فاسو.

هذا يعني أن جزءًا مهمًا من الحضور الإفريقي في تونس ليس مجرد “هجرة غير نظامية” بالمعنى الضيق، بل يضم أيضًا أشخاصًا لهم احتياجات لجوء وحماية دولية.

انتهاكات جسيمة ومتكررة

لكن هذا الحضور القانوني أو الإنساني لا يترجم بالضرورة إلى حماية فعلية على الأرض؛ هيومن رايتس ووتش قالت في تقريرها المقدم إلى اللجنة الإفريقية في سبتمبر 2025 إن قوات الأمن التونسية ارتكبت انتهاكات جسيمة ومتكررة بحق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، شملت الطرد الجماعي، والضرب، والسلوك الخطر في البحر، والسرقة، وحرمانهم من الحماية.

واعتبرت المنظمة أن معاملة تونس للمهاجرين واللاجئين الأفارقة السود تكشف عن شرطة ذات طابع عنصري وإخفاق واضح في احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية والوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية الأساسية.

أما منظمة العفو الدولية فقالت في تقريرها السنوي عن تونس إن السلطات قامت بعمليات طرد جماعي غير قانونية لآلاف طالبي اللجوء واللاجئين والمهاجرين إلى الحدود مع الجزائر وليبيا، كما فتحت تحقيقات ضد 14 منظمة مجتمع مدني على الأقل تعمل في مجال حقوق اللاجئين والمهاجرين، ما قوّض وصول الأجانب إلى إجراءات اللجوء والخدمات الأساسية.

وتُظهر الوقائع الميدانية أن النساء يدفعن ثمنًا خاصًا لهذا المناخ، فالمفوضية السامية للاجئين تشير إلى أن من بين المسجلين في تونس ناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يعني أن هذه الفئة موجودة أصلًا بين الفئات الأكثر هشاشة داخل مجتمع اللجوء والهجرة في البلاد.

وكثير من النساء القادمات من إفريقيا جنوب الصحراء يعشن في ظروف سكن غير آمنة أو مؤقتة، ويتعرضن لمخاطر الاستغلال والابتزاز والعنف الجنسي وسوء المعاملة أثناء التنقل أو في أماكن الإقامة المؤقتة أو أثناء محاولات العبور، كما تزداد المخاطر عندما تقترن الإقامة غير النظامية بانقطاع الموارد والخوف من التوقيف أو الطرد.

صفاقس.. نقطة تجمع المهاجرين

وفي محافظة صفاقس تحديدًا، التي تحولت إلى نقطة تجمع رئيسية للمهاجرين العالقين والمتجهين نحو البحر، يبدو الوضع أكثر قسوة على النساء والأطفال.

وأزالت السلطات التونسية في 2025 مخيمات ومستوطنات مؤقتة كانت تؤوي نحو 20 ألف مهاجر، معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء، في منطقتي العامرة وجبنيانة قرب صفاقس.

وبعد تفكيك هذه المخيمات، نُقل كثيرون إلى مناطق أكثر هشاشة أو تشتتوا في الأراضي الزراعية والمناطق المفتوحة، وسط نقص شديد في الماء والرعاية الصحية والحماية.

هذا النوع من الإخلاء لا يصيب الجميع بالتساوي؛ فالنساء، خصوصًا الحوامل أو الأمهات أو من يعشن وحدهن، يصبحن أكثر عرضة لخطر العنف والتشرد وفقدان الخصوصية والرعاية الطبية.

الحق في الصحة للأطفال

ومن أكثر الجوانب إيلامًا ما يتعلق بالصحة الإنجابية والأمومة، تقرير المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب في تونس (OMCT-Tunisie)، الذي تناول الحق في الصحة للأطفال المتنقلين في تونس ونُشر أواخر 2025، نقل عن مسؤولين محليين في المستشفيات أن مستشفى صفاقس كان يشهد نحو 10 ولادات أسبوعيًا لنساء “على طريق الهجرة” بين نوفمبر 2024 وأبريل 2025.

كما أشار إلى أن منظمة إنسانية رافقت 360 امرأة في متابعة الحمل والمضاعفات خلال تلك الفترة، وأن 62.5% منهن فقط حصلن على رعاية ما قبل الولادة، بما يكشف حجم الفجوة في الوصول إلى الرعاية الأساسية.

وتناولت منظمة نواة هذه المعطيات في تقريرها عن “الأمهات الشابات على هامش المجتمع” في فبراير 2026، موضحة أن النساء المهاجرات يلدن في ظروف شديدة الهشاشة، بما يعرّضهن ويعرّض مواليدهن للمرض وسوء التغذية والمخاطر الصحية المبكرة.

وتزداد خطورة هذا الوضع لأن الحمل والولادة لا يقعان في فراغ، بل داخل بيئة طاردة وخائفة ومفتقرة إلى الحماية، فالمهاجرات القادمات من إفريقيا جنوب الصحراء في تونس غالبًا ما يواجهن مزيجًا من الوصم العنصري والهشاشة القانونية والفقر.

نواة وصفت في تقريرها لعام 2026 هذه الحالة بأنها “نظام معاملة تفاضلية”، حيث تُدفع النساء إلى أطراف المجتمع، ويواجهن صعوبات في الرعاية، وفي المأوى، وفي تأمين الغذاء والدواء، وفي تسجيل المواليد والوصول إلى الحماية الأساسية، وهذه ليست مسألة إنسانية عابرة؛ إنها تمس أيضًا حقوق الطفل والحق في الصحة والكرامة وعدم التمييز.

بلد عبور واحتجاز

ولا يمكن فهم وضع المهاجرات الإفريقيات في تونس من دون وضعه في سياق سياسات الهجرة الأوسع، فتونس صارت خلال الأعوام الأخيرة بلد عبور واحتجاز عملي معًا، خصوصًا بعد تشديد الرقابة على طريق المتوسط.

وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن تونس كانت تسعى، بالتعاون مع منظمات الهجرة الدولية، إلى تشجيع “العودة الطوعية”، في حين قالت رويترز إن البلاد أعادت في 2025 نحو 10 آلاف مهاجر غير نظامي، معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء، عبر برنامج العودة الطوعية الذي تنفذه المنظمة الدولية للهجرة، بعد أن كان العدد نحو 7,200 في 2024.

وفي المقابل، بقي آلاف المهاجرين عالقين في بلدات جنوبية وشمالية وخصوصًا قرب صفاقس، حيث يعيش كثير منهم في أوضاع مؤقتة وهشة.

وبالنسبة للنساء، فإن هذا “الاحتجاز بلا أسوار” يعني انتظارًا طويلًا في ظروف غير آمنة، مع تضاؤل فرص العمل والحماية وتزايد مخاطر الاستغلال.

استهداف المجتمع المدني

أزمة الحماية لا تنفصل عن أزمة المجتمع المدني نفسه، ففي مارس 2026، حكمت محكمة تونسية على الناشطة المعروفة سعدية مصباح، وهي من أبرز الأصوات المناهضة للعنصرية والمدافعة عن حقوق المهاجرين، بالسجن ثماني سنوات، في قضية قالت رويترز إنها تسلط الضوء على ما وصفه منتقدون بالتصعيد في استهداف المجتمع المدني والأصوات المستقلة.

كما أشارت رويترز في أكتوبر 2025 إلى أن السلطات علقت نشاط المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو من أبرز الفاعلين في توثيق أوضاع المهاجرين، بينما رأت المنظمة أن القرار يرمي إلى إسكات الأصوات المستقلة.

وعندما تُستهدف المنظمات والناشطات اللائي يقدمن الدعم القانوني والإنساني، تتقلص أكثر قدرة النساء المهاجرات على الوصول إلى المساعدة والتمثيل والدفاع.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية