تصدّر تعزيز فاعلية آليات وهيئات مجلس حقوق الإنسان، وضمان استقلاليتها ومهنيتها، وتطوير التعاون بين الدول والمنظومة الأممية، جانباً واسعاً من النقاش العام الذي شهدته أعمال المجلس، وسط تباين في مواقف الدول بشأن حدود عمل الإجراءات الخاصة، وآليات المساءلة، وطبيعة العلاقة بين الآليات الدولية والسيادة الوطنية، إلى جانب مطالب متكررة بتوفير التمويل الكافي وضمان التمثيل الجغرافي العادل وحماية المجتمع المدني والمتعاونين مع الأمم المتحدة.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، التي تُعقد في قصر الأمم خلال الفترة من 7 سبتمبر/أيلول إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وشهدت مناقشة عامة بشأن آليات وهيئات المجلس وتعزيز التعاون الدولي، بمشاركة الدول والمنظمات الإقليمية والدولية ومنظمات المجتمع المدني.
وأظهرت المداخلات أن النقاش لم يقتصر على دور الآليات في رصد أوضاع حقوق الإنسان، وإنما امتد إلى الطريقة التي ينبغي أن تعمل بها هذه الآليات، وحدود ولايات أصحاب الإجراءات الخاصة، ومدى اعتمادهم على المعلومات المقدمة من مختلف الأطراف، فضلاً عن كيفية تحقيق التوازن بين الاستقلالية من جهة، والحوار والتعاون مع الدول من جهة أخرى.
التعاون الدولي والملكية الوطنية
وأكدت إندونيسيا أهمية التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات والآليات الإقليمية، مستندة إلى تجربتها في إطار حوار حقوق الإنسان في رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان».
وشددت على أن تحقيق تقدم مستدام في مجال حقوق الإنسان يتطلب مراعاة التنوع والسياقات الوطنية والإقليمية، معتبرة أن التعاون الإقليمي يمكن أن يكمل عمل مجلس حقوق الإنسان.
وفي الاتجاه ذاته، أكدت “آسيان”، في مداخلة قدّمتها الفلبين، أن احترام سيادة الدول والقانون الدولي ينبغي أن يشكل أساساً لعمل منظومة حقوق الإنسان، مع التأكيد على مبدأ الملكية الوطنية وعدم فرض حلول من الخارج. ودعت أصحاب الولايات إلى الالتزام بنطاق ولاياتهم والتحقق من المعلومات والاعتماد على مصادر موثوقة، كما طالبت بتوفير موارد كافية من الميزانية العادية للأمم المتحدة وتعزيز التمثيل الجغرافي لمنطقة آسيان في مكتب المفوض السامي وأصحاب الولايات.
أما المجموعة العربية، التي تحدث باسمها العراق، فجددت التزامها بآليات المجلس، مؤكدة أن التعاون والحوار البناء بين الدول والآليات يجب أن يستندا إلى الاحترام المتبادل والشفافية، مع مراعاة سيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها.
وشددت المجموعة على ضرورة التزام أصحاب الولايات بالموضوعية والحياد وعدم الانتقائية، والاستناد إلى معلومات دقيقة وموثوقة، مع مراعاة السياقات التاريخية والثقافية والوطنية، ورفض جميع أشكال الترهيب أو المضايقة أو التهديد ضد أصحاب الولايات.
آليات وطنية لتنفيذ الالتزامات
وفي محور آخر، ركّزت البرتغال، بالنيابة عن مجموعة من الدول، على أهمية الآليات الوطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة باعتبارها أدوات تساعد الدول على الوفاء بالتزاماتها الحقوقية، وتعزيز التنسيق والحوار داخل المؤسسات الوطنية.
ودعت إلى إنشاء هذه الآليات أو تطوير القائم منها، والاستفادة من الأدوات الرقمية في الرصد والمتابعة، مشيرة إلى شبكة الآليات الوطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة ودورها في بناء القدرات وتبادل الممارسات الفضلى.
وقدمت أرمينيا مثالاً على هذا المسار، مشيرة إلى مشاركتها في الجولة الرابعة من الاستعراض الدوري الشامل، وإنشائها في 2024 ولاية دائمة مرتبطة بآلية وطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة، إلى جانب إطلاق منصة رقمية في ديسمبر/كانون الأول 2025 لدعم عملها.
كما أشارت المالديف إلى مشاركتها في الجولة الرابعة من الاستعراض الدوري الشامل وتفاعلها مع الهيئات التعاهدية، فضلاً عن وجود آلية وطنية للإبلاغ والمتابعة ودعوة مفتوحة لأصحاب الولايات لزيارة البلاد.
وأكدت سيراليون أن الهيئات التعاهدية والإجراءات الخاصة والاستعراض الدوري الشامل وآليات الخبراء تمثل أدوات أساسية لمساعدة الدول على تنفيذ التزاماتها، داعية إلى تعزيز الحوار وبناء القدرات وتوفير الموارد اللازمة لهذه الآليات.
استقلالية الإجراءات الخاصة تحت النقاش
احتلت منظومة الإجراءات الخاصة مساحة بارزة في المداخلات، حيث دعمت أوروغواي، بالنيابة عن مجموعة من الدول، استمرار عمل المنظومة، مشيرة إلى أهمية الزيارات القطرية والبلاغات والمشورة الفنية والتفاعل مع الدول وأصحاب المصلحة.
وفي الوقت نفسه، أعربت عن القلق إزاء ما يتعرض له أصحاب الولايات من هجمات شخصية وتهديدات وضغوط وحملات تضليل، ودعت إلى حماية استقلاليتهم وأمنهم، وتحسين كفاءة المنظومة بالتشاور مع أصحاب الولايات ولجنة التنسيق.
وجدد الاتحاد الأوروبي دعمه لمنظومة حقوق الإنسان الدولية وآليات الأمم المتحدة، مؤكداً أهمية استقلال إجراءات مجلس حقوق الإنسان وأصحاب الولايات، كما دعا الدول إلى الوفاء بالتزاماتها المالية في مواعيدها وبشكل كامل، وتوفير موارد كافية من الميزانية العادية لأجهزة حقوق الإنسان الأممية.
وأكدت أيرلندا بدورها أهمية حماية استقلالية الإجراءات الخاصة من التهديدات والتخويف والهجمات والانتقام، مشيدة بالدور الذي يؤديه أصحاب الولايات في تسليط الضوء على القضايا الحقوقية وتطوير الممارسات الفضلى ودعم الدول.
وقالت منظمة العفو الدولية إن الإجراءات الخاصة تؤدي دوراً مهماً في الوقاية من الأزمات، وإبراز أصوات الضحايا ومساعدة الدول على تنفيذ التزاماتها، محذرة من تصاعد الهجمات الشخصية وحملات التشهير والمعلومات المضللة والاتهامات غير المثبتة ضد أصحاب الولايات.
انتقادات بشأن الانتقائية والحياد
في المقابل، ركزت مجموعة من الدول على ضرورة ضمان الحياد والموضوعية وعدم الانتقائية في عمل الآليات.
وأكدت باكستان، بالنيابة عن منظمة التعاون الإسلامي، أن مصداقية آليات وهيئات المجلس ترتبط باحترام مبادئ الاستقلالية والحياد والموضوعية وعدم الانتقائية والمهنية، داعية إلى جعل الحوار البناء والتعاون مع الدول أساساً لعمل هذه الآليات.
وشددت باكستان في مداخلتها الوطنية على أن عمل المجلس ينبغي أن يستند إلى العالمية واحترام التنوع، وأن تقتصر الآليات على الالتزامات والمعايير التي حظيت بتوافق دولي، محذرة من أن طرح مفاهيم لا تحظى بهذا التوافق قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب.
وأكدت الهند بدورها أن الثقة والتعاون عنصران أساسيان لفعالية الآليات، داعية أصحاب الولايات إلى الالتزام بولاياتهم والموضوعية والحياد والاستقلالية، ومشددة على أهمية الاعتماد على معلومات موثوقة والاستماع إلى المعلومات التي تقدمها الدول.
وقالت الصين إن تعاونها مع آليات حقوق الإنسان، بما فيها الإجراءات الخاصة، يقوم على الحوار، لكنها شددت على مبادئ الحياد والموضوعية وعدم التسييس وعدم الانتقائية. وأعربت عن تحفظها على ما وصفته باستخدام بعض أصحاب الولايات لصلاحياتهم خارج نطاق ولاياتهم أو الاعتماد على معلومات غير موثقة.
كما شددت الجزائر على ضرورة احترام أصحاب الولايات لولاياتهم واستقلاليتهم، والتحقق من المعلومات وتجنب الاستنتاجات الانتقائية أو الادعاءات التي تتجاوز نطاق الولاية، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والثقافية والاجتماعية والوطنية.
وأكدت إيران أن التعاون مع الآليات ينبغي أن يستند إلى العالمية والحياد والموضوعية وعدم التمييز، مع تحفظها على الإجراءات التي تُتخذ دون موافقة الدولة المعنية، ودعوتها إلى ضمان التزام الآليات بولاياتها والعمل بشفافية.
التمويل والتمثيل الجغرافي
برز التمويل باعتباره أحد التحديات التي تواجه منظومة حقوق الإنسان. فقد أكدت المجموعة الأفريقية، في مداخلة قدمتها كينيا، أن الأزمة المالية في الأمم المتحدة تؤثر في قدرة المنظومة على تنفيذ ولاياتها، داعية إلى تعزيز التعاون القائم على الاحترام المتبادل والشفافية والحوار، مع الالتزام بمدونة السلوك ونطاق الولايات.
وأشارت ألبانيا إلى أهمية توفير تمويل مستدام ويمكن التنبؤ به لمنظومة حقوق الإنسان، بينما دعت بنغلاديش إلى تعزيز المساعدة التقنية وبناء القدرات، خصوصاً للدول النامية، إلى جانب ضمان التمثيل الجغرافي المنصف في مختلف مستويات منظومة حقوق الإنسان.
كما طرحت حركة عدم الانحياز، في مداخلة أوغندا، قضية التمثيل الجغرافي، مع الدعوة إلى تعزيز مبدأ التمثيل المنصف داخل المفوضية السامية والإجراءات الخاصة.
حماية المجتمع المدني والمتعاونين مع الأمم المتحدة
لم يقتصر النقاش على حماية أصحاب الولايات، إذ تناولت مداخلات عدة أمن المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني والمتعاونين مع الأمم المتحدة.
وحذّرت اليابان من تنامي أعمال التخويف والانتقام، بما في ذلك المراقبة والتخويف والتحرش الرقمي، مشيرة إلى أن هذه الممارسات يمكن أن تدفع منظمات المجتمع المدني والأفراد إلى الرقابة الذاتية أو إخفاء هوياتهم.
وأكدت ألبانيا أهمية حماية المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والمؤسسات الوطنية، فيما دعت سيراليون إلى تمكين الأفراد ومنظمات المجتمع المدني المتعاونين مع آليات حقوق الإنسان من القيام بعملهم بحرية وأمان.
كما شددت إريتريا على ضرورة حماية جميع المشاركين في أعمال المجلس، بمن فيهم ممثلو الدول، من التهديد والترهيب والانتقام، داعية إلى وجود آليات واضحة وشفافة للإبلاغ عن هذه الحالات ومعالجتها.
وأشارت الحركة الدولية للشباب والطلاب من أجل الأمم المتحدة إلى أن القيود المفروضة على إصدار التأشيرات يمكن أن تعرقل مشاركة المنظمات غير الحكومية في اجتماعات الأمم المتحدة، داعية إلى تسهيل وصول المنظمات ذات الصفة الاستشارية إلى مقار الأمم المتحدة.
أصوات المنظمات غير الحكومية
قدّمت المنظمات غير الحكومية خلال النقاش مجموعة واسعة من القضايا، ركز بعضها على ضرورة جعل منظومة حقوق الإنسان أكثر وصولاً إلى الفئات المتضررة.
قالت فرونت لاين إيدز المحدودة إن آليات حقوق الإنسان تكون أكثر فاعلية عندما يتمكن الأشخاص الأكثر تضرراً من الوصول إليها والمشاركة فيها، داعية إلى إشراك أصوات المجتمعات المتضررة وتعزيز سبل الإنصاف والحماية.
وتناولت منظمة معنية بالشعوب الأصلية في البرازيل قضايا حقوق الشعوب الأصلية، داعية إلى ضمان الاعتراف بحقوقها في أراضيها والحصول على موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة قبل تنفيذ مشروعات التعدين.
كما ركزت مؤسسة سامبهالي على أهمية وصول المعلومات المتعلقة بحقوق الإنسان إلى المجتمعات المحلية، ولا سيما النساء في المناطق الريفية، داعية إلى تقديم المعلومات بلغة واضحة وباللغات المحلية.
وفي مداخلة أخرى، طالبت جمعية المدافعون عن حقوق الإنسان بتعزيز تفاعل الولايات المتحدة مع آليات حقوق الإنسان، مشيرة إلى بلاغات قدمتها منظمات وأفراد إلى المقرر الخاص المعني بحقوق المهاجرين بشأن انتهاكات مزعومة.
وتناولت منظمات أخرى قضايا تتعلق بالسكان الصحراويين في مخيمات تندوف، وحقوق النساء في جامو وكشمير، وحرية المشاركة المدنية، وحق الشعوب في تقرير المصير، وأوضاع أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، والحقوق السياسية والمدنية في جيلغيت-بلتستان.
نحو منظومة أكثر تعاوناً وفاعلية
وعكست المداخلات اتساع مساحة التوافق حول أهمية استمرار منظومة حقوق الإنسان الدولية، مع اختلاف واضح بشأن أفضل السبل لتعزيز فاعليتها. ففي حين ركزت دول على استقلالية الآليات وحمايتها من الضغوط والانتقام، شددت دول أخرى على ضرورة احترام السيادة والملكية الوطنية والالتزام الصارم بالولايات ومدونة السلوك.
كما برزت الحاجة إلى معالجة التحديات المالية، وضمان التمثيل الجغرافي، وتعزيز المساعدة التقنية وبناء القدرات، إلى جانب تطوير الآليات الوطنية التي تساعد الدول على تنفيذ التزاماتها ومتابعتها.
وفي ظل استمرار الأزمات والنزاعات وتزايد الضغوط على منظومة حقوق الإنسان، أظهر النقاش العام أن مستقبل فاعلية آليات المجلس يرتبط، وفق المداخلات المقدمة، بقدرتها على الجمع بين الاستقلالية المهنية والحوار مع الدول، وبين الرصد الدولي وتعزيز القدرات الوطنية، مع توفير الموارد التي تمكنها من تنفيذ ولاياتها وحماية الأشخاص والمنظمات المتعاونين معها.
وتأتي هذه المناقشات في إطار أعمال الدورة الثالثة والستين للمجلس، التي تتضمن جلسات ومناقشات متعددة بشأن أوضاع حقوق الإنسان وآليات الحماية والرصد والتعاون الدولي في جنيف.

