لا تتوقف معاناة ملايين الفنزويليين عند حدود التضخم ونقص الخدمات الأساسية، بل تمتد إلى تهديد مباشر لحقوق أساسية، في مقدمتها الحق في الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والحماية، في وقت تحذر فيه منظمات أممية وإنسانية من أن اتساع فجوة التمويل قد يؤدي إلى تقليص مساعدات حيوية يعتمد عليها مئات الآلاف من الأشخاص الأكثر هشاشة.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 7.9 مليون شخص في فنزويلا كانوا بحاجة إلى دعم إنساني مطلع عام 2026، نتيجة استمرار الضغوط الاقتصادية وضعف الخدمات الأساسية وتراكم الاحتياجات في قطاعات الصحة والغذاء والمياه والحماية والتعليم.
وتواجه الاستجابة الإنسانية في فنزويلا تحدياً متزايداً يتمثل في نقص التمويل، ما يهدد قدرة المنظمات العاملة على الأرض على مواصلة برامجها، خصوصاً في المناطق الريفية والمجتمعات الأكثر فقراً.
ولم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية في فنزويلا لعام 2026 إلا على جزء محدود من التمويل المطلوب، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الشركاء الإنسانيين على الوصول إلى الأسر المحتاجة وتقديم الخدمات الأساسية.
ولا تعني فجوة التمويل مجرد أرقام في تقارير المانحين، بل تعني عملياً تقليص توزيع الأغذية، وخفض خدمات الرعاية الصحية، وتعليق بعض برامج الحماية، وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، وهي خدمات يعتمد عليها كثيرون للبقاء على قيد الحياة.
الأطفال والنساء في قلب الأزمة
تظل الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تضرراً من تراجع التمويل الإنساني، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم، فالأطفال يواجهون مخاطر متزايدة تتعلق بسوء التغذية، والانقطاع عن التعليم، وضعف الوصول إلى التطعيمات والرعاية الصحية والدعم النفسي.
تواجه النساء الحوامل والمرضعات تحديات كبرى للحصول على الخدمات الطبية والتغذية المناسبة، في حين يجد كبار السن وذوو الأمراض المزمنة صعوبة متزايدة في الوصول إلى الأدوية والعلاج.
وتحذر اليونيسف من أن الأزمة الاقتصادية الحادة في فنزويلا تؤثر في قدرة الأسر على توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، في حين يواجه الأطفال في المجتمعات المهمشة أشكالاً متعددة من الحرمان، تشمل سوء التغذية والأمراض التي يمكن الوقاية منها والعنف والاستغلال.
وزادت الكوارث الأخيرة من تعقيد المشهد الإنساني في فنزويلا، إذ قدّرت اليونيسف أن 1.8 مليون شخص، بينهم 680 ألف طفل، احتاجوا إلى مساعدات إنسانية عاجلة عقب الزلازل التي ضربت البلاد في 24 يونيو 2026.
وتشمل الاحتياجات العاجلة في مثل هذه الظروف الرعاية الصحية الطارئة، والمياه والصرف الصحي، والمأوى، وحماية الأطفال، والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً في المناطق التي تضررت فيها البنية التحتية أو تعرضت فيها الأسر للنزوح وفقدان مصادر الدخل.
ويخشى العاملون في المجال الإنساني من أن تؤدي الكوارث المتكررة، فوق الأزمة الاقتصادية القائمة، إلى زيادة الضغط على نظام صحي وخدمي يعاني أصلاً من نقص الموارد والإمكانات.
أزمة فنزويلا لا تقتصر على الغذاء والدواء
يرى عاملون في المجال الإنساني أن الأزمة في فنزويلا لم تعد تقتصر على نقص الغذاء أو الدواء، بل أصبحت تمس منظومة الحقوق الأساسية بشكل أوسع.
وينعكس تراجع الخدمات على الحق في الصحة، ويزيد مخاطر سوء التغذية، ويحد من فرص الأطفال في التعليم، كما يرفع من احتمالات تعرض النساء والفتيات للعنف والاستغلال، ويضع الأسر الفقيرة أمام خيارات قاسية بين الغذاء والعلاج والتعليم.
ويؤكد خبراء العمل الإنساني أن كل تراجع في التمويل يترك أثراً مباشراً في قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف الخدمات العامة وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة.
ودفع استمرار الأزمة الاقتصادية والإنسانية ملايين الفنزويليين إلى مغادرة البلاد خلال السنوات الماضية، في واحدة من كبريات أزمات النزوح في المنطقة.
وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين والمهاجرين الفنزويليين بلغ نحو 7.9 مليون شخص عالمياً، كثير منهم يحتاج إلى حماية دولية ومساعدات إنسانية.
ورغم أن الهجرة أصبحت بالنسبة لكثيرين وسيلة للبحث عن الأمان والعمل والخدمات، فإنها تفتح الباب أيضاً أمام تحديات جديدة، منها مخاطر الاتجار بالبشر والاستغلال والعمل غير اللائق وصعوبة الحصول على وضع قانوني وخدمات حماية في دول المقصد.
حماية الحقوق الأساسية
تكشف الأزمة الفنزويلية أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص التمويل وحده، بل في قدرة المجتمع الدولي على حماية الحقوق الأساسية لملايين المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية والخدمات العامة.
فالغذاء والصحة والتعليم والحماية ليست مجالات إغاثية ثانوية، بل حقوق تكفلها المواثيق الدولية، وأي تراجع في تمويلها ينعكس مباشرة على حياة الأسر وكرامة الأفراد ومستقبل الأطفال.
وفي ظل اتساع الاحتياجات وتراجع الموارد، تبدو الحاجة ملحة إلى تمويل أكثر استدامة للاستجابة الإنسانية في فنزويلا، إلى جانب تعزيز برامج الحماية، وضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر هشاشة دون تمييز، ما يحول دون تحول الأزمة الممتدة إلى انهيار أعمق في الحقوق الأساسية.
أزمة فنزويلا.. اختبار للإنسانية
في البداية، قال المدير الإقليمي بالمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، الدكتور أحمد غازي، إن اتساع فجوة التمويل المخصصة للاستجابة الإنسانية في فنزويلا يثير قلقاً بالغاً، في ظل التدهور المتواصل للأوضاع الإنسانية والاقتصادية، محذراً من أن استمرار هذا العجز ينذر بتفاقم معاناة ملايين المدنيين الذين يواجهون تحديات غير مسبوقة في الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى.
وأضاف غازي في تصريح لـ”صفر” أن ما تشهده فنزويلا لم يعد مجرد أزمة إنسانية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، مؤكداً أن الحق في الحياة باعتباره الحق الأسمى الذي تتفرع عنه جميع الحقوق، لا يجوز أن يكون ضحية لبطء الاستجابة الدولية أو لنقص التمويل الإنساني.
وشدد غازي على أن قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلى جانب مبادئ التضامن الإنساني، تفرض على المجتمع الدولي مسؤولية تعزيز التعاون وتقديم الدعم للدول التي تعجز إمكاناتها عن مواجهة الأزمات الإنسانية واسعة النطاق، ولا سيما أن المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة تؤكد ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة ومحايدة ودون تمييز، ما يضمن حماية المدنيين وصون كرامتهم.
ودعا الدكتور أحمد غازي الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية والدول المانحة إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل، وتعزيز برامج الإغاثة والتعافي في فنزويلا، ما يضمن حماية المدنيين واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
وطالب بوضع خطة دولية شاملة لدعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي في فنزويلا، مؤكداً أن إعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية: “معيار النجاح الحقيقي للإنسانية لن يكون في حجم التعهدات والبيانات الصادرة، بل في عدد الأرواح التي تم إنقاذها، وحجم المعاناة التي جرى الحد منها”.
الفئات الأكثر هشاشة في فنزويلا
من جانبه، قال رضا الدنبوقي، المحامي الحقوقي والخبير في القانون الدولي الإنساني، إن الأزمة الإنسانية التي تعيشها فنزويلا اليوم لم تعد مجرد أزمة معيشية أو اقتصادية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع الدولي على تحويل التعاطف إلى استجابة فعالة، والاستجابة إلى حماية حقيقية للمدنيين.
وأوضح الدنبوقي في حديث لـ“صفر” أن اتساع الاحتياجات الإنسانية، في مقابل محدودية التمويل المخصص لبرامج الإغاثة، يعني أن ملايين الأشخاص يواجهون خطر الحرمان من الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى، مؤكداً أن الأرقام لا تعكس مجرد نقص في الموارد، وإنما تعبر عن بشر يحتاجون إلى الحماية والعيش بكرامة، وإلى وصول آمن وسريع للمساعدات الإنسانية.
وأضاف أن خطورة الأزمة تتضاعف لأن فنزويلا تواجه منذ سنوات تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، انعكست على قدرة مؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية، إلى جانب موجات الهجرة الواسعة التي استنزفت قطاعات حيوية، بينها القطاع الصحي والخدمات الفنية والطوارئ، وهو ما أثر بصورة مباشرة في قدرة البلاد على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
وأكد أن التعامل مع الأزمة ينبغي ألا يظل محصوراً في إطار الإغاثة العاجلة، بل يجب أن يستند إلى مقاربة حقوقية تضع الإنسان في صدارة الأولويات، موضحاً أن القضية لا تتعلق فقط بإرسال المساعدات، وإنما بضمان وصولها إلى الفئات الأكثر هشاشة، ومنع أي صور للتمييز أو الفساد في توزيعها، إلى جانب وضع أسس تضمن تعافياً أكثر عدالة واستدامة.
وشدد الدنبوقي على ضرورة أن تتضمن خطط الاستجابة الإنسانية تدابير واضحة لحماية النساء والفتيات، من خلال توفير مساحات آمنة داخل مراكز الإيواء، ومرافق صحية منفصلة وآمنة، وآليات سرية لتلقي الشكاوى، وفرق متخصصة للتعامل مع حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن تقديم الرعاية للحوامل والمرضعات، وتوفير مستلزمات الكرامة والدعم النفسي.
وأشار إلى أن الحق في الحياة، وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يقتصر على الامتناع عن تعريض الأفراد للخطر، بل يشمل أيضاً اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية الأرواح، وتوفير الاحتياجات الأساسية، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي واجباً أخلاقياً وقانونياً بدعم الدول التي تعجز إمكاناتها عن مواجهة الأزمات الإنسانية واسعة النطاق.
واختتم الدنبوقي حديثه بتأكيد أن فجوة التمويل الإنساني لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة مالية فحسب، بل باعتبارها تهديداً مباشراً للحق في الحياة: “كل يوم يتأخر فيه توفير التمويل يعني أن مزيداً من الأسر بلا مأوى، وأن المرضى بلا علاج، وأن الأطفال بلا حماية، وأن النساء أكثر عرضة للعنف والاستغلال”.
صندوق للتضامن الإنساني
وأكد الباحث المتخصص في قضايا الحماية الدولية والعمل الإنساني، كمال مشرقي، أن تناول الأزمة الإنسانية في فنزويلا ينبغي ألا يقتصر على مؤشرات الاحتياج الإنساني أو حجم فجوة التمويل -رغم أهميتهما- بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمدى قدرة النظام الدولي على ترجمة مبادئ التعاون الدولي والتضامن الإنساني إلى إجراءات عملية تضمن حماية الإنسان وصون كرامته.
وأوضح مشرقي في حديث لـ“صفر” أن ما تشهده فنزويلا اليوم لا يمثل أزمة إنسانية محلية فحسب، بل يشكل اختباراً حقيقياً لالتزام المجتمع الدولي بمبدأ المسؤولية المشتركة في مواجهة الأزمات الإنسانية، لافتاً إلى أن ما يحدث اليوم في فنزويلا قد يتكرر غداً في أي منطقة من العالم، في ظل بيئة دولية تتزايد فيها الكوارث والأزمات الإنسانية وتتسارع وتيرتها.
وأشار إلى أن التعاون الدولي ينبغي أن يتجسد من خلال الاتفاقيات الدولية، وآليات العمل متعددة الأطراف، وتبادل الخبرات والمعارف والموارد، إلى جانب تعبئة التمويل اللازم للاستجابة الإنسانية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مؤكداً أن فنزويلا تحتاج اليوم إلى نموذج حقيقي للتضامن الإنساني العالمي، يقوم على الاستثمار في بناء القدرة على الصمود وتحقيق التعافي المستدام.
وأضاف مشرقي: “المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نهج الاستجابة المؤقتة إلى بناء منظومة عالمية أكثر استدامة للتضامن الإنساني، تستند إلى آليات تمويل مستقرة، وأنظمة إنذار مبكر أكثر كفاءة، واستثمارات كبرى في بناء القدرات الإنسانية، إلى جانب تطوير أطر قانونية أكثر مرونة لحماية المتضررين من الكوارث والنزوح المرتبط بالتغير المناخي، وتعزيز فرص الوصول إلى الحماية الدولية والملاذ الآمن عند الضرورة”.
وفي هذا السياق، دعا إلى دراسة إنشاء صندوق عالمي للتضامن الإنساني والحماية الدولية بوصفه آلية مبتكرة لتعزيز قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات الحالية والمستقبلية بكفاءة وعدالة واستدامة، موضحاً أن هذا الصندوق لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد أداة تمويلية، بل إطار عالمي يجسد مبدأ المسؤولية المشتركة وتقاسم الأعباء بين الدول والمؤسسات الدولية وسائر الفاعلين في المجال الإنساني.
وأضاف أن الصندوق المقترح يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في تمويل الاستجابات الإنسانية العاجلة، وتعزيز برامج الحماية الدولية، ودعم المجتمعات المستضيفة، والاستثمار في بناء القدرة على الصمود والتعافي المبكر، فضلاً عن دعم أنظمة الإنذار المبكر والوقاية من الكوارث قبل تحولها إلى أزمات إنسانية واسعة النطاق.

