كشف تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أزمة تراجع التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية تسببت خلال العام الماضي في حرمان ما لا يقل عن مليون امرأة وفتاة من خدمات دعم أساسية ومنقذة للحياة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بسبب النزاعات والكوارث والأزمات الاقتصادية التي تضرب مناطق واسعة من العالم.
وأوضح التقرير أن نقص التمويل أدى إلى تراجع قدرة المنظمات النسائية على تقديم خدمات الحماية والدعم، حيث لم تعد نحو تسع من كل عشر منظمات قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمستفيدات، وفق وكالة رويترز.
وأكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن هذا التراجع يأتي في ظل أكبر انخفاض مسجل في تمويل المساعدات الدولية خلال السنوات الأخيرة، ما يهدد برامج تستهدف النساء والفتيات الأكثر عرضة للعنف والفقر والنزوح.
استند تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى مسح شمل 855 منظمة نسائية في عدد من الدول التي تواجه أزمات إنسانية، بينها أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي، وأظهر أن نحو 120 مليون امرأة وفتاة حول العالم يحتجن حاليا إلى مساعدات وحماية إنسانية، بينما تواجه المنظمات التي تقدم هذه الخدمات صعوبات متزايدة بسبب تراجع الدعم المالي الدولي.
تراجع التمويل يهدد استمرارية الخدمات
أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن خفض ميزانيات المساعدات الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات المحلية على الوصول إلى النساء والفتيات المحتاجات، خاصة في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة أو أزمات إنسانية ممتدة.
وأشار التقرير إلى أن 40 بالمئة من المنظمات النسائية التي شملها المسح تواجه خطر الإغلاق المؤقت أو الدائم خلال العام المقبل بسبب نقص التمويل، بينما أكدت غالبية المؤسسات المشاركة أنها لم تعد قادرة على تلبية حجم الطلب الحالي على خدماتها.
وأوضحت النتائج أن 60 بالمئة من هذه المنظمات تقدم خدمات لعدد أقل من النساء والفتيات مقارنة بما كانت توفره قبل يناير 2025، رغم ارتفاع الاحتياجات المتعلقة بالحماية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية.
ضغوط على الناجيات من العنف
حذّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن تقليص التمويل يترك آثارا مباشرة على الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والنساء النازحات، والفتيات اللاتي فقدن فرص التعليم، مشيرة إلى أن بعض المنظمات النسائية تمثل الجهة الوحيدة القادرة على الوصول إلى هذه الفئات في مناطق الأزمات.
وقالت صوفيا كالتورب، مسؤولة العمل الإنساني في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إن تقليص تمويل المنظمات النسائية يعني فقدان دعم أساسي للنساء اللواتي يعتمدن على هذه الخدمات للبقاء والحصول على الحماية.
وأكد التقرير أن تراجع التمويل يأتي في وقت تشهد فيه مناطق عدة ارتفاعا في مستويات العنف الجنسي المرتبط بالصراعات، ما يزيد الحاجة إلى برامج متخصصة توفر أماكن آمنة للنساء والفتيات وخدمات متابعة حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي.
تراجع الكوادر وتقليص البرامج
أوضح تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الأزمة المالية لم تؤثر فقط على المستفيدات، بل امتدت إلى العاملين في المنظمات الإنسانية نفسها، حيث اضطرت مؤسسات عديدة إلى تقليص عدد الموظفين للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.
وأشار التقرير إلى أن 65 بالمئة من المنظمات النسائية المشاركة في المسح أفادت بأن موظفيها يواصلون العمل دون الحصول على أجور كاملة أو دون أجر بهدف استمرار تقديم الخدمات الأساسية.
كما اضطرت نصف المنظمات إلى وضع قوائم انتظار أو رفض استقبال مزيد من النساء والفتيات بسبب محدودية الموارد، في حين أكدت أكثر من ثلاثة أرباع المؤسسات أنها خفضت عدد الوظائف والكوادر العاملة لديها.
تداعيات عالمية على حقوق المرأة
أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن تراجع التمويل لا يهدد الخدمات الإنسانية فقط، بل يؤثر أيضا على الجهود الرامية إلى تعزيز مشاركة المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسين.
وأوضح التقرير أن خُمس المنظمات النسائية علقت برامج تهدف إلى دعم قيادة المرأة وتعزيز حقوقها بسبب نقص الموارد، ما يمثّل انتكاسة في جهود بناء مجتمعات أكثر عدلا واستقرارا.
وترى الهيئة أن ضعف تمويل هذه البرامج قد يؤدي إلى تفاقم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في الدول التي تعاني من الحروب أو الأزمات الممتدة، حيث تواجه النساء والفتيات مخاطر أكبر تتعلق بالعنف والاستغلال والفقر.
شهد تمويل المساعدات الإنسانية الدولية تراجعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة نتيجة ضغوط اقتصادية تواجه العديد من الدول المانحة، إضافة إلى تغير أولويات الإنفاق في بعض الحكومات.
وكانت الولايات المتحدة لعقود من أكبر المانحين للمساعدات الخارجية، إلا أن قرارات خفض التمويل خلال الإدارة الأمريكية الحالية أثرت على العديد من البرامج الإنسانية حول العالم، كما خفض مانحون دوليون آخرون ميزانياتهم نتيجة ارتفاع الإنفاق الدفاعي والتحديات الاقتصادية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن النساء والفتيات يمثلن إحدى أكثر الفئات تضررا من تراجع الدعم، لأن خدمات الحماية والرعاية الصحية والتعليم والدعم النفسي التي تقدمها المنظمات النسائية تشكل عاملا أساسيا في مواجهة آثار النزاعات والكوارث الإنسانية.
