منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أجساد على خطوط النار.. كيف تحوّل العنف الجنسي إلى سلاح حرب يهدد ملايين المدنيين؟

10 يوليو 2026
ضحايا العنف الجنسي في النزاعات
ضحايا العنف الجنسي في النزاعات

لم يعد العنف الجنسي في النزاعات المسلحة مجرد أثر جانبي للحروب، بل تحوّل إلى سلاح ممنهج يُستخدم لإرهاب المدنيين، وتهجير المجتمعات، وترسيخ السيطرة على الأرض، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وبينما تتسع رقعة الصراعات حول العالم، تدق الأمم المتحدة ناقوس الخطر بعد توثيق ارتفاع غير مسبوق في هذه الجرائم، مؤكدة أن آلاف الحالات التي أمكن التحقق منها لا تمثل سوى جزء من واقع أكثر قتامة، تحجبه الوصمة الاجتماعية، والخوف من الانتقام، وصعوبة الوصول إلى الضحايا.

وفي ظل استمرار الإفلات من العقاب وتراجع فرص العدالة، تتفاقم المأساة الإنسانية لتطول النساء والأطفال والرجال على حد سواء، في مشهد يعكس أحد أكثر أوجه الحروب المعاصرة قسوة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية المدنيين وإنفاذ قواعد القانون الدولي.

تضاعف الحالات خلال عام واحد

كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة السابع عشر بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والذي استعرضته الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع براميلا باتن أمام مجلس الأمن، عن توثيق 9788 حالة مؤكدة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات خلال عام 2025، وهو أكثر من ضعف الحالات التي وثقتها الأمم المتحدة خلال العام السابق.

وأوضحت براميلا باتن أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة، لأن غالبية الضحايا لا يبلغون عن الانتهاكات بسبب الخوف من الانتقام، والوصمة الاجتماعية، وضعف مؤسسات العدالة، وانعدام الخدمات الطبية والقانونية في مناطق النزاع.

 وأكدت الأمم المتحدة أن الأرقام الموثقة تمثل فقط الحالات التي تمكنت فرق الرصد التابعة لها من التحقق منها ميدانياً.

النساء والأطفال في دائرة الخطر

أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن النساء والفتيات ما زلن يمثلن نحو 90 في المائة من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، بينما وثق التقرير الأممي ما يقارب ثلاثة آلاف حالة ارتكبت ضد أطفال، بزيادة بلغت 37 في المائة مقارنة بالعام السابق.

كما تراوحت أعمار الضحايا بين طفل يبلغ عاماً واحداً فقط وأشخاص تجاوزت أعمارهم سبعين عاماً، في مؤشر على أن الانتهاكات تستهدف المدنيين دون تمييز.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن تعرض الأطفال للعنف الجنسي في الحروب يترك آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد تمتد لسنوات، وقد تنتقل آثارها بين الأجيال إذا غابت برامج الدعم وإعادة التأهيل.

العنف الجنسي أداة حرب

تشير الأمم المتحدة إلى أن العنف الجنسي لم يعد نتيجة جانبية للنزاعات المسلحة، وإنما أصبح تكتيكاً عسكرياً يستخدم بصورة متعمدة لتحقيق أهداف استراتيجية. ووفق مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، تشمل الانتهاكات الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، والزواج القسري، والحمل القسري، والاتجار بالبشر، والبغاء القسري، ويستخدمها أطراف النزاع لنشر الرعب داخل المجتمعات المحلية، وإجبار السكان على النزوح، ومعاقبة الخصوم، وكسر الروابط الأسرية والاجتماعية، والسيطرة على الموارد الطبيعية والمناطق الغنية بالثروات.

النزوح يضاعف المخاطر الإنسانية

أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن النساء والفتيات النازحات واللاجئات يواجهن مستويات مرتفعة للغاية من مخاطر العنف الجنسي أثناء الفرار من مناطق القتال أو داخل مخيمات النزوح، في ظل انهيار أنظمة الحماية وغياب مؤسسات إنفاذ القانون.

كما أوضحت المفوضية أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل حالة الفوضى التي تفرضها الحروب لاستدراج النساء والأطفال إلى الاستغلال الجنسي والعمل القسري، وهو ما يجعل العنف الجنسي جزءاً من أزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها عوامل النزوح والفقر وانعدام الأمن.

الرجال أيضاً بين الضحايا

ورغم أن النساء والفتيات يشكلن النسبة الأكبر من الضحايا، تؤكد الأمم المتحدة أن الرجال والفتيان يتعرضون كذلك للعنف الجنسي، خاصة أثناء الاحتجاز أو التحقيق أو في مراكز الاعتقال غير الرسمية.

وأوضح تقرير الأمين العام أن هذه الانتهاكات تستخدم كوسيلة للتعذيب والإذلال وانتزاع الاعترافات القسرية، بينما تحذر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن الوصمة الاجتماعية تدفع كثيراً من الضحايا الذكور إلى الصمت، ما يؤدي إلى نقص كبير في الإبلاغ عن هذه الجرائم.

الاقتصاد الخفي للحرب

يحذّر تقرير الأمم المتحدة من أن العنف الجنسي بات يرتبط بصورة متزايدة بالاقتصاد السياسي للنزاعات المسلحة، إذ تستخدم جماعات مسلحة هذه الجرائم للسيطرة على المجتمعات المحلية، وتأمين طرق التهريب، والاستيلاء على الموارد الطبيعية، وتمويل أنشطتها عبر الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.

كما رصد التقرير تصاعد استخدام الوسائل الرقمية في الابتزاز الجنسي، حيث تستغل بعض الجماعات المسلحة الإنترنت للحصول على عائدات مالية عبر تهديد الضحايا بنشر صور أو مقاطع مصورة، وهو تطور يعكس انتقال بعض أنماط الاستغلال إلى الفضاء الإلكتروني.

الأسلحة الصغيرة تغذي الانتهاكات

لفتت براميلا باتن أمام مجلس الأمن إلى أن الانتشار غير المشروع للأسلحة الصغيرة والخفيفة يسهم بصورة مباشرة في تصاعد العنف الجنسي، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هذه الأسلحة ارتبطت بما يتراوح بين 70 و90 في المائة من الحالات الموثقة.

ويرى خبراء الأمم المتحدة أن سهولة الحصول على السلاح في مناطق النزاع تعزز قدرة الجماعات المسلحة على فرض السيطرة بالقوة، وتزيد من مخاطر الاعتداءات ضد المدنيين، خاصة النساء والأطفال.

القانون الدولي تحت الاختبار

يرى خبراء القانون الدولي أن تصاعد جرائم العنف الجنسي في النزاعات يمثل اختباراً حقيقياً لفاعلية المنظومة القانونية الدولية، وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية تحظر بشكل واضح جميع أشكال الاغتصاب والعنف الجنسي ضد المدنيين، بينما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاغتصاب والاستعباد الجنسي والحمل القسري والزواج القسري جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية متى ارتكبت بصورة واسعة أو ممنهجة.

كما أرست قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 1325 والقرار 1820، إطاراً دولياً يربط بين حماية النساء وتحقيق الأمن والسلم الدوليين، إلا أن الأمم المتحدة تؤكد أن تنفيذ هذه الالتزامات ما زال يواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف الإرادة السياسية واستمرار النزاعات المسلحة.

الكونغو الديمقراطية.. بؤرة للعنف الجنسي

تواصل جمهورية الكونغو الديمقراطية تصدر قائمة الدول الأكثر تضرراً من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، في ظل استمرار القتال بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة شرق البلاد، ولا سيما في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو.

 وأكد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2025 أن جمهورية الكونغو الديمقراطية سجلت أكبر عدد من حالات العنف الجنسي التي تمكنت الأمم المتحدة من التحقق منها خلال العام، بينما وثّقت بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في الكونغو الديمقراطية “مونوسكو” استمرار استخدام الاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري كسلاح لإرهاب السكان وإجبارهم على النزوح، في وقت تواجه فيه المؤسسات القضائية والأمنية صعوبات كبيرة في ملاحقة الجناة.

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن استمرار النزوح الجماعي وانعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الصحية يزيد من تعرض النساء والفتيات للعنف الجنسي داخل مخيمات النزوح وخارجها، فيما أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال يمثلون نسبة متزايدة من الضحايا، الأمر الذي يضاعف المخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية ويهدد مستقبل أجيال كاملة في المناطق المتضررة.

هايتي.. الانهيار الأمني يفتح الباب أمام الانتهاكات

أصبحت هايتي خلال العامين الماضيين واحدة من أكثر بؤر القلق الدولي بسبب تصاعد العنف الجنسي بالتزامن مع الانهيار الأمني وسيطرة العصابات المسلحة على مساحات واسعة من العاصمة بورت أو برنس ومحيطها، وأوضح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن عدد الحالات الموثقة في هايتي ارتفع بصورة كبيرة، في وقت تستخدم فيه العصابات الاغتصاب الجماعي والعنف الجنسي لإخضاع المجتمعات المحلية وترهيب السكان وتعزيز السيطرة على الأحياء السكنية.

وأكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن النساء والفتيات يتعرضن بصورة خاصة لخطر الاعتداء أثناء محاولات الحصول على الغذاء أو المياه أو الرعاية الصحية، بينما وثّقت منظمة العفو الدولية وشبكة منظمات المجتمع المدني الهايتية حالات متكررة من الاغتصاب الجماعي والاختطاف والاستغلال الجنسي، مع استمرار ضعف مؤسسات العدالة وعدم قدرة أجهزة إنفاذ القانون على حماية المدنيين أو محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم.

أوكرانيا.. توثيق الانتهاكات وسط استمرار الحرب

وثّقت بعثة الأمم المتحدة المعنية بمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان حالات متعددة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع منذ اندلاع الحرب، شملت نساءً ورجالاً وأطفالاً في المناطق المتأثرة بالعمليات العسكرية ومراكز الاحتجاز.

وأكدت الأمم المتحدة أن كثيراً من الضحايا تعرضوا لانتهاكات أثناء الاحتجاز أو خلال فترات السيطرة العسكرية على بعض المناطق، في حين شددت على أن عمليات التحقق الميداني تستغرق وقتاً طويلاً بسبب استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى أماكن وقوع الانتهاكات.

وأشار تقرير الأمين العام إلى إدراج الاتحاد الروسي ضمن قائمة الأطراف التي تثير مخاوف الأمم المتحدة بشأن ارتكاب أنماط من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، موضحاً أن الإدراج يستند إلى المعلومات التي تمكنت الأمم المتحدة من التحقق منها وفق آلياتها المعتمدة، وأن القائمة تهدف إلى تعزيز الحماية والانخراط مع الأطراف المعنية، ولا تمثل إجراءً سياسياً أو حكماً قضائياً.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

حذّر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة من أن الأطفال أصبحوا أكثر الفئات تعرضاً للعنف الجنسي في مناطق النزاعات، بعدما ارتفعت الحالات الموثقة بحقهم بنسبة 37 في المائة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن آثار هذه الجرائم لا تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تمتد إلى اضطرابات نفسية مزمنة، والانقطاع عن التعليم، والتفكك الأسري، وزيادة احتمالات الاستغلال والاتجار بالبشر، وهو ما يجعل حماية الأطفال إحدى أكثر الأولويات الإنسانية إلحاحاً.

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الناجين من العنف الجنسي يحتاجون إلى خدمات صحية ونفسية عاجلة، تشمل الرعاية الطبية الطارئة، والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات الصحة الإنجابية، والعلاج من الأمراض المنقولة جنسياً، إضافة إلى الدعم القانوني الذي يمكنهم من الوصول إلى العدالة دون التعرض لمزيد من الوصم أو الانتقام.

النازحون واللاجئون.. دائرة مضاعفة من المخاطر

أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن النزوح القسري يمثل أحد أبرز العوامل التي تزيد من احتمالات التعرض للعنف الجنسي، إذ تضطر ملايين النساء والفتيات إلى قطع مسافات طويلة هرباً من القتال، غالباً دون حماية أو مرافقة آمنة، كما تواجه النازحات داخل المخيمات مخاطر متكررة أثناء جمع الحطب أو المياه أو البحث عن الغذاء، في حين تستغل شبكات الاتجار بالبشر هشاشة أوضاعهن لاستدراجهن إلى الاستغلال الجنسي والعمل القسري.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نقص التمويل الإنساني أدى في العديد من الأزمات إلى تقليص برامج حماية النساء والفتيات، وإغلاق مراكز الدعم النفسي والاجتماعي، وتراجع خدمات الرعاية الطبية، وهو ما يترك آلاف الناجيات دون علاج أو حماية أو فرص للإبلاغ عن الانتهاكات.

تحذيرات حقوقية من اتساع دائرة الإفلات من العقاب

ترى منظمة العفو الدولية أن العنف الجنسي في النزاعات ما زال يستخدم بصورة ممنهجة في عدد من بؤر الصراع حول العالم، بينما يشكل الإفلات من العقاب أحد أهم العوامل التي تسمح باستمرار هذه الجرائم، ودعت المنظمة إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة، وضمان مشاركة الناجيات في مسارات العدالة، وتوفير برامج تعويض وإعادة تأهيل طويلة الأجل.

من جهتها، أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن ضعف أنظمة العدالة الوطنية واستمرار النزاعات المسلحة يحولان دون مساءلة كثير من المسؤولين عن هذه الجرائم، داعية المجتمع الدولي إلى دعم آليات التحقيق الدولية والمحاكم الوطنية والدولية، وتعزيز حماية الشهود والضحايا، وتوسيع برامج الرعاية الصحية والنفسية والقانونية، بما يضمن عدم تحول الصمت والخوف إلى غطاء دائم لاستمرار الانتهاكات.

العدالة الدولية أمام اختبار صعب

رغم التطور الكبير الذي شهده القانون الدولي خلال العقود الماضية، لا تزال ملاحقة مرتكبي جرائم العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات تواجه تحديات معقّدة تتعلق بصعوبة جمع الأدلة، واستمرار العمليات العسكرية، وخوف الضحايا من الإدلاء بشهاداتهم، وضعف الأنظمة القضائية في الدول المتأثرة بالنزاعات.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي محظور بصورة مطلقة بموجب اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، سواء في النزاعات الدولية أو غير الدولية، كما يلتزم أطراف النزاعات بحماية المدنيين وضمان عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال الاعتداء أو الإذلال.

وتوضح المحكمة الجنائية الدولية أن نظام روما الأساسي يصنف الاغتصاب، والاستعباد الجنسي، والإكراه على البغاء، والحمل القسري، والتعقيم القسري، وأشكال العنف الجنسي الأخرى، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إذا ارتكبت بصورة واسعة النطاق أو منهجية، كما يتيح ملاحقة المسؤولين عنها، سواء كانوا منفذين مباشرين أو قادة أصدروا الأوامر أو تقاعسوا عن منع وقوعها رغم قدرتهم على ذلك.

قرارات مجلس الأمن.. إطار دولي للحماية

أرست الأمم المتحدة خلال العقدين الماضيين منظومة قانونية وسياسية متكاملة لمواجهة العنف الجنسي في النزاعات، بدأت باعتماد مجلس الأمن القرار 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن عام 2000، الذي دعا إلى إشراك النساء في جهود منع النزاعات وبناء السلام، وتعزيز حمايتهن أثناء الحروب، وتبع ذلك القرار 1820 عام 2008، الذي اعترف لأول مرة بأن العنف الجنسي يمكن أن يشكل تكتيكاً من تكتيكات الحرب وتهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين.

كما عززت قرارات مجلس الأمن اللاحقة، وفي مقدمتها القرارات 1888 و1889 و1960 و2106 و2467، آليات الرصد والتوثيق والمساءلة، وأسهمت في إنشاء ولاية الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، إلى جانب تطوير نظام إدراج أطراف النزاع المتورطة في هذه الجرائم ضمن تقارير الأمم المتحدة السنوية، بهدف الضغط عليها لتغيير سلوكها وتحسين حماية المدنيين.

قائمة مرتكبي الانتهاكات

أوضح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2025 أن ملحق التقرير تضمن 77 طرفاً يشتبه في ارتكابهم أنماطاً موثقة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، بينهم 62 جهة من غير الدول، فيما تشكل الجهات التي تكرر ارتكاب الانتهاكات بصورة مستمرة أكثر من 65 في المئة من القائمة.

كما أضيفت خلال التقرير جهات مسلحة جديدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي، إلى جانب إدراج إسرائيل والاتحاد الروسي بعد استكمال إجراءات الإخطار وجمع المعلومات وفق الآليات المعتمدة لدى الأمم المتحدة.

وأكدت الممثلة الخاصة للأمين العام، براميلا باتن، أمام مجلس الأمن أن هذه القائمة لا تستهدف التشهير أو التسييس، وإنما تعد أداة لحماية المدنيين وتشجيع الأطراف المدرجة على التعاون مع الأمم المتحدة ووضع خطط عمل تنهي الانتهاكات وتخضع مرتكبيها للمساءلة.

دعم الناجين

تشدد وكالات الأمم المتحدة على أن الاستجابة للعنف الجنسي لا تقتصر على توثيق الجرائم أو ملاحقة مرتكبيها، بل تشمل أيضاً توفير خدمات متكاملة للناجين والناجيات، وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن برامج الدعم النفسي والاجتماعي، والرعاية الصحية، والمساعدة القانونية، والتمكين الاقتصادي، تمثل عناصر أساسية لاستعادة الناجين حياتهم واندماجهم في مجتمعاتهم، بينما ترى منظمة الصحة العالمية أن توفير العلاج خلال الساعات والأيام الأولى بعد الاعتداء يعد عاملاً حاسماً في الحد من المضاعفات الصحية والجسدية والنفسية.

وفي المقابل، حذّرت الأمم المتحدة من أن نقص التمويل الإنساني خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تقليص برامج الحماية في عدد من مناطق النزاع، وهو ما انعكس سلباً على قدرة الناجيات والناجين على الوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق النائية أو الخارجة عن سيطرة الحكومات.

إنهاء الإفلات من العقاب هو مفتاح الحل

تجمع منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان على أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع مرتكبي العنف الجنسي على تكرار جرائمهم، ويقوض ثقة الضحايا في أنظمة العدالة.

وتدعو هذه المنظمات إلى تعزيز استقلال القضاء، وحماية الشهود، وتوسيع اختصاصات لجان التحقيق الدولية، وتوفير الموارد اللازمة للنيابات والمحاكم الوطنية، فضلاً عن فرض عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة عندما يتعذر تحقيق العدالة محلياً.

كما تؤكد المنظمات الحقوقية أن إشراك النساء في عمليات السلام وصنع القرار، وضمان تمثيل الناجيات في برامج العدالة الانتقالية، يمثلان شرطاً أساسياً لبناء سلام مستدام يمنع تكرار الانتهاكات ويعالج آثارها طويلة المدى.

أزمة تتجاوز حدود النزاعات

يرى خبراء الأمم المتحدة أن العنف الجنسي في النزاعات لا ينتهي بتوقف إطلاق النار، إذ تستمر آثاره لسنوات طويلة على الضحايا وأسرهم والمجتمعات التي يعيشون فيها، فإلى جانب الإصابات الجسدية، يعاني الناجون من اضطرابات نفسية مزمنة، وفقدان مصادر الدخل، والتهميش الاجتماعي، والتفكك الأسري، بينما يولد الأطفال الناتجون عن الاغتصاب في بعض النزاعات وسط تحديات قانونية واجتماعية وإنسانية معقدة، ما يجعل هذه الجريمة أحد أخطر التحديات التي تواجه جهود التعافي وإعادة الإعمار بعد انتهاء الحروب.

وفي الوقت ذاته، تشير الأمم المتحدة إلى أن تصاعد الإنفاق العسكري العالمي واقترابه من ثلاثة تريليونات دولار سنوياً، بالتزامن مع تسجيل مستويات قياسية من النزوح القسري واتساع رقعة النزاعات، يزيد من صعوبة حماية المدنيين، ويجعل التصدي للعنف الجنسي جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دولية لحفظ السلم والأمن.

تكشف أحدث تقارير الأمم المتحدة أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات لم يعد مجرد نتيجة مأساوية للحروب، بل أصبح في كثير من السياقات وسيلة متعمدة لإدارة الصراع وإخضاع المجتمعات المدنية، وبينما توثق الأمم المتحدة آلاف الحالات سنوياً، تؤكد في الوقت نفسه أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير بسبب استمرار الخوف والوصمة الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى الضحايا في مناطق القتال.

وتؤكد الوقائع التي وثّقتها الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب منظمات حقوق الإنسان الدولية، أن إنهاء هذه الظاهرة يتطلب أكثر من الإدانة السياسية، إذ يرتبط بتعزيز المساءلة القانونية، وتمويل برامج الحماية، ودعم الناجين، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، حتى لا تبقى أجساد المدنيين، وخاصة النساء والأطفال، ساحة مفتوحة لحروب لا تعترف بحدود الإنسانية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print