منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

لماذا تبدو مينيسوتا أهم من إيران لمستقبل الولايات المتحدة؟

توماس فريدمان

كان العام الماضي من أكثر الأعوام كآبة في مسيرتي الصحفية التي امتدت لما يقارب نصف قرن. لم يكن السبب فقط أنني شاهدت إدارة الرئيس دونالد ترامب وهي تقوّض تحالفات تاريخية عزيزة على الولايات المتحدة مع أوروبا الغربية وكندا، تلك التحالفات التي دعمت الحرية والديمقراطية والتجارة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بل إن ما زاد الإحباط هو الجبن المذهل والجشع الواضح اللذان أبداهما قادة كبرى شركات المحاماة وشركات التكنولوجيا، عندما انقادوا للرئيس وقبلوا بحكومة من أشخاص -بصراحة- لم يكونوا ليوظفوا أياً منهم في شركاتهم الخاصة.

لكن خلال زيارة قضيتها في ولايتي الأم، مينيسوتا، رأيت شيئاً مختلفاً تماماً عمّا اعتدت رؤيته طوال عقود عملي الصحفي. رأيت ما يمكن وصفه بانتفاضة مدنية عفوية، قادها مواطنون عاديون بدافع بسيط للغاية: الشعور بالمسؤولية تجاه الجيران، أياً كانوا، وأياً كانت الطريقة التي وصلوا بها إلى هنا.

كانت واحدة من أكثر المعارك الأخلاقية شجاعة التي شاهدتها بين أمريكيين عاديين يرتدون ملابسهم اليومية.. أمهات مستعدات للتبرع بحليبهن لأطفال غرباء، وآباء مستعدون لنقل أبناء جيرانهم إلى المدارس لأن بعض الآباء لم يعودوا يجرؤون على مغادرة منازلهم خوفاً من عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ،(ICE) جيران يستخدمون أجهزة الصراف الآلي لدعم مطاعم ومتاجر الحي التي قررت إغلاق أبوابها مؤقتاً حتى لا يتعرض طهاة المطاعم أو عمالها للاعتقال.

واللافت أن كل ذلك حدث بهدوء كامل. ففي وقت لدينا فيه رئيس يحرص على وضع اسمه على كل مبنى عام يمكنه الوصول إليه، كان هؤلاء المواطنون يفعلون ما يفعلونه بصمت. قال لي بيل جورج، وهو رجل أعمال مخضرم من مدينتي التوأم: “كان هناك مئات القادة لهذه الحركة، لكنني لا أعرف اسم قائد واحد منهم”.

كان الدافع ببساطة هو “الجيرة”، كثير ممن خرجوا لم يفعلوا ذلك لأنهم يؤيدون الهجرة غير الشرعية، بل لأنهم يرفضون القسوة التي تعاملت بها إدارة ترامب -ومعها ستيفن ميلر وكريستي نويم- مع أشخاص يعرفونهم شخصياً: جيران يعملون بجد، يدفعون الضرائب، يذهبون إلى الكنائس أو المساجد، ويساعدونك في إخراج سيارتك من الثلج في صباحات الشتاء القاسية.

إليكم نصيحة مجانية للرئيس ترامب ومستشاريه: سكان مينيسوتا بارعون في التعامل مع الشتاء، فلا تحاولوا مواجهتهم فيه. فهم لا يخشون البرد، بل إن هذا الطقس القاسي صقل لديهم روح الجيرة الفريدة. ليس في كل مكان، وليس في كل يوم، لكن في أماكن كثيرة وفي أيام كثيرة. روح بسيطة في جوهرها: مساعدة الجار اليوم لأنك تعلم أنه سيساعدك غداً.

مشاهدة ذلك عن قرب جعلتني أتذكر تصريحاً أدلى به ستيفن ميلر لشبكة CNN قال فيه إن العالم تحكمه القوة والإكراه والسلطة. حسناً يا ستيفن، ربما لا تعرف العالم الحقيقي بعد؛ لأن جيشك من عناصر الهجرة المدججين بالقوة والإكراه وجد نفسه في مواجهة أمهات وآباء يحملون كاميرات هواتفهم وصفارات إنذار، مستعدين للخروج في صباح بارد وهم يرتدون أردية الحمام والنعال المنزلية للدفاع عن جيرانهم.. لقد كانت النتيجة بسيطة: الجوار 1 – الترامبية 0.

ولفهم ما هو مميز حقاً فيما حدث هنا، ربما عليك أن تكون قد نشأت في مينيسوتا. ولدت عام 1953 في الجانب الشمالي من مينيابوليس، على بعد أميال قليلة من المكان الذي قتل فيه جورج فلويد. في طفولتي كان كل شيء يبدو ثنائياً: أبيض أو أسود، مسيحي أو يهودي. كانت الولاية آنذاك بيضاء بنسبة تقارب 99%. اليوم انخفضت تلك النسبة إلى نحو 76%، مع حضور متزايد للسكان السود واللاتينيين والآسيويين، خصوصاً الجالية الصومالية.

هذا التحول الديموغرافي الكبير أصبح جزءاً من واقع الولاية الاقتصادي. فالمهاجرون يشكلون اليوم نحو 11% من قوة العمل، ونحو 16% من العاملين في قطاع التصنيع. ويقدر خبراء الاقتصاد أن العمال والشركات التي أسسها مهاجرون تسهم بنحو 26 مليار دولار سنوياً في اقتصاد مينيسوتا.

في أحد الأيام استقللت سيارة أجرة لزيارة صديقي الصومالي الأمريكي حمزة ورفا في سانت بول. كانت سائقة التاكسي صومالية أيضاً. أخبرتني أن ابنها يخدم في القوات الجوية الأمريكية. فكرت حينها: سائقة صومالية تقلّ صحفياً يهودياً لزيارة صديق صومالي في مدينة يقودها عمدة من أصول لاوسية من قومية همونغ. مرحباً بكم في مينيسوتا عام 2026.

لكن هذه الخلفية الديموغرافية كانت أيضاً سبباً في إطلاق عملية “مترو سيرج”، عندما أرسلت إدارة ترامب نحو ثلاثة آلاف عنصر من أجهزة الهجرة إلى منطقة مينيابوليس – سانت بول لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة بحق المهاجرين غير الشرعيين.

عند الإعلان عن العملية، هاجم ترامب المهاجرين الصوماليين واصفاً إياهم بأنهم “حثالة”. صحيح أن بعض أفراد الجالية تورطوا في فضيحة احتيال كبيرة على برامج الغذاء الحكومية، لكن محاولة تعميم ذلك على عشرات الآلاف من الصوماليين الأمريكيين في الولاية كانت -في رأيي- خطأً فادحاً وعنصرياً.

المفاجأة أن رد الفعل جاء مختلفاً تماماً عما توقعه البيت الأبيض. لم تكن الاحتجاجات مجرد تجمعات لليسار الراديكالي كما ظن ترامب، بل خرج آلاف من سكان الطبقة الوسطى البيضاء إلى الشوارع إلى جانب جيرانهم من المهاجرين. كانوا يشاهدون بأعينهم كيف يُقتاد أصحاب المتاجر الصغيرة والطهاة والنجارون من منازلهم ومطاعمهم.

قال لي دون سامويلز العضو السابق في مجلس المدينة: “كثير من السكان البيض كانوا يرددون بدهشة: لا أصدق أن هذا يحدث في أمريكا. أما السكان السود والملونون فكان ردهم: “هذا ما كنا نعيشه منذ زمن طويل”.
في خضم هذه الأزمة، نشأت موجة تضامن غير مسبوقة.. نظمت جماعات دينية يهودية ومسيحية صلوات مشتركة وجمعت خلال شهر واحد مليون دولار لمساعدة عائلات المهاجرين على دفع الإيجارات وشراء الطعام. كما ابتكر نشطاء أساليب احتجاج ساخرة أربكت السلطات الفيدرالية.

في المقابل، تكبدت المدينة خسائر اقتصادية كبيرة. فقد خسرت الشركات الصغيرة عشرات الملايين من الدولارات، وفقد العمال ملايين أخرى من الأجور، وارتفع عدد الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي.

ومع ذلك، حدث شيء غير متوقع، فقد أسهمت الأزمة في إعادة بناء جسور الثقة داخل المجتمع، خصوصاً بعد الانقسامات التي خلفها مقتل جورج فلويد عام 2020. كما قال عمدة مينيابوليس جاكوب فراي: لم تكن هذه مجرد حركة مقاومة، بل كانت تعبيراً عن مبدأ أبسط وأعمق: “أحب جارك”.

في النهاية، ما حدث في مينيسوتا ليس مجرد قصة محلية، إنه نموذج مصغر للتحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم: هل تستطيع تحويل تنوعها المتزايد إلى قوة توحيدية بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام؟

إذا استطاعت مينيسوتا تحقيق ذلك، فربما تستطيع أمريكا أيضاً، وإذا استطاعت أمريكا تحقيقه، فقد يصبح هذا أعظم ما تقدمه للعالم في القرن الحادي والعشرين، تماماً كما كانت الديمقراطية قبل قرنين.

لأن الحقيقة اليوم، كما يقول صديقي دوف سيدمان، أن الاعتماد المتبادل بين البشر لم يعد خياراً، بل أصبح واقعاً. وكل التحديات الكبرى التي تواجه العالم -من الذكاء الاصطناعي إلى تغير المناخ والهجرة والأوبئة- تتطلب تعاوناً عالمياً غير مسبوق.

وفي مينيسوتا رأيت تلميحاً بسيطاً إلى كيف يمكن أن يبدأ ذلك: من الجيرة، من كلمة صغيرة اسمها “نحن”.

 

نقلا عن نيويورك تايمز  

الذكاء الاصطناعي يُخفي انتهاك حقوق الإبداع

كاميلا كافنديش*

 

في معرض لندن للكتاب هذا الأسبوع، شوهد العديد من الأشخاص يحملون كتاباً واحداً تحت أذرعهم، يحمل الكتاب عنوان “لا تسرق هذا الكتاب”، وصفحاته خالية إلا من أسماء آلاف المؤلفين، ومنهم كازو إيشيغورو وريتشارد عثمان، إنه احتجاجٌ صارخ على السرقة المتفشية للأعمال الإبداعية من قِبل شركات التكنولوجيا، والتي قد تحرم الفنانين المستقبليين من كسب عيشهم.

تتطلب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي كميات هائلة من المحتوى البشري، وقد استهتر بعض مطوريها بحقوق النشر كما استهتروا بالخصوصية.

تقاضي صحيفة نيويورك تايمز حالياً شركتي مايكروسوفت وأوبن إيه أي لاستخدامهما محتواها الصحفي لتدريب نموذج شات جي بي تي، ومع اشتداد هذه المعركة، تستعد الحكومة البريطانية لإصدار بيان محدّث حول مقترحاتها لإصلاح إطار الملكية الفكرية للذكاء الاصطناعي.

تمتلك المملكة المتحدة واحدة من أنجح الصناعات الإبداعية في العالم، وأقدم قانون لحقوق النشر، كما أن حكومتها تخشى التخلف عن ركب سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

يرغب المبدعون في تطبيق القانون الحالي، في حين تطالب شركات التكنولوجيا بتخفيفه، ومن بين الخيارات المطروحة، استحداث استثناء لاستخراج النصوص والبيانات (TDM)، يسمح للشركات بتدريب نماذج ذكاء اصطناعي واسعة النطاق في ظروف معينة دون الحاجة إلى الحصول على إذن من أصحاب حقوق النشر.

ويقول قطاع التكنولوجيا إن هذا من شأنه أن يساعد شركات الذكاء الاصطناعي البريطانية على المنافسة على قدم المساواة مع الولايات المتحدة واليابان والصين، ويعزز الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في بريطانيا.

مع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان إضعاف قانون حقوق النشر سيؤدي إلى توسع كبير في قطاع الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة، مقارنةً بخفض تكاليف الطاقة، على سبيل المثال.

عارضت لجنة الاتصالات والتقنية الرقمية في مجلس اللوردات التي استمعت إلى أدلة كثيرة حول هذا الموضوع، استثناءً من قانون نقل البيانات الرقمية، وحذّرت الوزراء من “التضحية بالقدرات الإبداعية المتميزة للمملكة المتحدة من أجل مكاسب الذكاء الاصطناعي المضاربة”.

لا شك أن الأمر ليس سهلاً، ففي ظل هذا الوضع سريع التغير، تسعى كل دولة جاهدةً لإيجاد أفضل السبل لتنمية قطاعها التقني وعدم التخلف عن الركب، لكن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع هو كيفية منع أباطرة التكنولوجيا الجدد من الاستيلاء على بياناتنا ومخرجاتنا وصورنا.

فقد تم استنساخ صوت سكارليت جوهانسون دون إذن، وأوعز روبرت داوني جونيور لمحاميه بمقاضاة أي مسؤولين تنفيذيين يحاولون إنشاء نسخ رقمية منه باستخدام الذكاء الاصطناعي، لا تكمن المشكلة الكبرى في عدم ملاءمة قانون حقوق النشر للقرن الحادي والعشرين، بل في انتهاكه.

يدّعي قطاع الذكاء الاصطناعي أنه استثنائي، كما ادّعت كل صناعة جديدة على مدى القرون الثلاثة الماضية.. ففي سبعينيات القرن الثامن عشر، زعم باعة الكتب الاسكتلنديون الساعون إلى غزو السوق الإنجليزية أن قانون حقوق النشر لا ينطبق عليهم لأن مطابعهم تقع خارج نطاق الولاية القضائية، يبدو هذا مألوفاً بشكل غريب.

يعد الذكاء الاصطناعي مجالاً استثنائياً ومعقداً وعابراً للحدود بشكل متزايد. يميل قطاع التكنولوجيا إلى التلميح بأن أي دولة تحاول تنظيم تجاوزاته ستتخلف اقتصادياً، لكن الأمور تتغير.. ففي العام الماضي، دفعت شركة أنثروبيك 1.5 مليار دولار لتسوية دعوى قضائية جماعية رفعها مؤلفو كتب اتهموها بتدريب منتجاتها على أعمالهم دون إذن.

وقضت محكمة ألمانية بعدم قانونية استخدام كلمات الأغاني المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي دون ترخيص، وفي هذا الأسبوع حصلت أمازون على أمر قضائي ضد شركة بيربلكسيتي إيه آي التي تدعي أن وكيل التسوق التابع لها يقوم بنسخ بيانات موقع أمازون الإلكتروني بشكل غير قانوني.

وقد أيدت بعض المحاكم الأمريكية الحجة القائلة بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تنتهك الحقوق لأن هدفها هو إنتاج مخرجات جديدة.

يشرح الخبراء أن النماذج القائمة على التعلم العميق لا تخزن نسخاً من بيانات التدريب، لأن الأهم هو الأنماط المستخلصة من تلك البيانات، والتي تُشفّر بوصفها معاملات رقمية، مع ذلك، ضعفت هذه الادعاءات بسبب أمثلة “الحفظ”: نماذج تُعيد صياغة أجزاء من مقالات صحفية وكتب حرفياً.

إن محاولة تبرير الجشع بالتقدم قد أدت إلى انهيار الثقة، ما يُصعّب بناء أي إطار عمل جديد بحسن نية، في عام ٢٠٢٢ اعترف مؤسس “ميدجورني”، وهو مولد صور يعمل بالذكاء الاصطناعي، بأن أداته جمعت ١٠٠ مليون صورة دون معرفة مصدرها.

يمكن للمواقع الإلكترونية استخدام أوامر “disallow” في ملف robots.txt لتحديد المحتوى الذي يجب على برامج الروبوت عدم جمعه.

لكن بعض الشركات متهمة بإخفاء مسار البيانات من خلال دفع مبالغ مالية لجهات خارجية متخصصة في جمع البيانات، فهي لا تفصح عن مجموعات البيانات المستخدمة لتدريب النماذج.

يكمن الحل في الشفافية التامة، ليس فقط لضمان حصول الفنانين على أجورهم، بل أيضاً بسبب تزايد المخاوف من أن النماذج تُنتج نتائج متحيزة أو غير عادلة.

يجب على الوزراء جعل الشفافية بشأن بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي التزاماً قانونياً، سيتعين عليهم تجنب إثقال كاهل الشركات الناشئة في المملكة المتحدة، ولكن عليهم ضمان حماية أصحاب الحقوق.
من الصعب تصور أن تقييم الأثر الاقتصادي الذي وعدوا به سيُظهر أي شيء آخر غير التدهور التدريجي لصناعتنا الإبداعية إذا ما أضعفوا القانون، لكن إطالة أمد حالة عدم اليقين لن يؤدي إلا إلى استمرار تراجع الترخيص والاستثمار.

كل اختراع جلب معه تنبؤات بزوال حقوق التأليف والنشر: الداجيروتايب، والفونوغراف، والراديو، والكاسيت، والفيديو المنزلي، والإنترنت، كانت جميع تلك التنبؤات سابقة لأوانها، وازدهرت القوة الناعمة لبريطانيا نتيجة لذلك.

لقد ترسخ اعتقاد بأن التقدم لا يمكن أن يتحقق دون إلغاء بعض أقدم حقوقنا، وأن السرقة لا تُعد سرقةً إلا عندما يسرقها الأفراد، وأن الشركات لا تسرق، بل تُبدع.. إذا كنت تؤمن بكل هذا، فربما من الأفضل لك أن تملأ رفوف مكتبتك بكتب الخيال.

*كاتبة عمود، وهي باحثة في مركز موسافار-رحماني للأعمال والحكومة، كلية هارفارد كينيدي، حائزة على جائزتي هارولد وينكوت وبول فوت في الصحافة.

نقلا عن فايننشيال تايمز *

 

ستترك فضيحة نوما مرارةً لا تُنسى

جاي راينر*

قد يُنظر إلى خبر استقالة رينيه ريدزيبي من منصب رئيس الطهاة في مطعم نوما الدنماركي الشهير، والذي أُعلن عنه عبر فيديو مؤثر بأسلوب سينمائي واقعي نُشر على إنستغرام يوم الأربعاء، على أنه مجرد دراما محلية عابرة، فقد اضطر رئيس مطعم حائز على ثلاث نجوم ميشلان، ومشهور بالتزامه بالبيئة ودعم المنتجات المحلية، إلى التنحي بعد تقارير نشرتها صحيفة نيويورك تايمز عن سلوكه المسيء تجاه الموظفين.
ولن يتمكن بعد الآن أولئك القلائل المحظوظون الذين يستطيعون تحمل تكلفة تناول وجبة في نوما الكائن حالياً في لوس أنجلوس حيث تبلغ تكلفة الإقامة 1500 دولار للشخص الواحد، من تناول الطعام على يد ريدزيبي نفسه.

لكن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فلم يكن على ريدزيبي التنحي لمجرد أنه كان مديراً سيئاً في الماضي، بل لأنه قدّم نفسه أمام العامة بصورة مناقضة تماماً لشخصيته الحقيقية.
كان رمزاً لحركة عالمية، احتضنها العديد من الطهاة المتميزين المتعطشين للتقدير الأخلاقي، حركة أكدت أنهم لا يكتفون بإعداد العشاء للأثرياء، بل ينخرطون في مهمة لجعل العالم مكاناً أفضل من خلال تقديم قوائم طعام متنوعة.
في عام ٢٠١١، إلى جانب ما يُعرف بـ”مجموعة التسعة” من الطهاة النجوم، ومنهم فيران أدريا الطاهي السابق في مطعم “إل بولي”، ودان باربر من مطعم “بلو هيل آت ستون بارنز”، كان ريدزيبي من أبرز الموقعين على ما يُسمى “إعلان ليما”.
كانت وثيقة عوضت افتقارها للوعي الذاتي بجرعات كبيرة من الطموح الجامح، وجاء فيها: “نحلم بمستقبل يكون فيه الطاهي منخرطاً اجتماعياً، واعياً ومسؤولاً عن إسهاماته في بناء مجتمع عادل ومستدام”.
في الوقت نفسه، يُزعم أن ريدزيبي كان يعتدي بالضرب على الطهاة الذين خيبوا آماله، ويقود طقوساً مهينة في أماكن العمل.
في العام نفسه، أسس ريدزيبي ندوة “ماد”، نسبةً إلى الكلمة الدنماركية التي تعني الطعام، وهي ملتقى حواري للطهاة والناشطين في مجال الغذاء من جميع أنحاء العالم، يُعقد كل صيف في كوبنهاغن.
وُصفت الجلسة الأولى بأنها “مساحة لمناقشة كيف يُمكن لتبني وعي أفضل في المطاعم أن يُؤثر في القرارات اليومية ويُحسّن جودة الاستهلاك والحياة”.
خُصصت ندوة “ماد” الخامسة في عام 2016 تحديداً لكيفية “تحسين المطبخ بوصفه مكان عمل وجعل الطبخ مهنة صحية للأجيال القادمة”.
يبدو أن التأثير كان محدوداً، ففي عام 2020 اتُهم ديفيد تشانغ من مطعم موموفوكو، وهو أحد المتحدثين في ندوة “ماد” الأولى، بـ”التهديدات العنيفة والصراخ” في المطبخ، كما اعترف دان باربر، أحد الموقعين على إعلان ليما، بأنه كان “صارماً جداً مع الطهاة، ومُسيئاً بعض الشيء”.

لكن ذلك كان خلف أبواب المطبخ، التقيت بريدزيبي عدة مرات، قبل وقت طويل من ظهور مزاعم صحيفة نيويورك تايمز. كان ساحراً، وإن كان حاد الطباع.. في غضون ذلك، اعتدنا نحن كتّاب المطاعم على تلقّي ليس فقط قوائم الطعام، بل بيانات مهمة مليئة بعبارات مستوحاة من مطعم نوما حول المجتمع والبيئة.
لم يتبنَّ جميع الطهاة الماهرين خطاب ريدزيبي، فقد وُجّهت انتقادات لتوماس كيلر، صاحب مطعم فرينش لوندري الأسطوري في كاليفورنيا، عام ٢٠١٢ لتصريحه بأنه يُدير مطاعم فاخرة تُقدّم أجود المكونات، وأنه يرفض التركيز على البصمة الكربونية لمطعمه.

أما بالنسبة لمن انخرطوا في هذا الخطاب، فقد كان أداة تسويقية رائعة للشركات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة، ما يجعلها غالباً ما تُعاني من صعوبات مالية.
في عام ٢٠٢٢ ذكرت هذه الصحيفة أن مطعم نوما استغلّ عشرات الطهاة الشباب المتحمسين لتجربة سحر ريدزيبي، من خلال منحهم “فترات” تدريب غير مدفوعة الأجر تمتد لأشهر، وهي ممارسة شائعة في العديد من المطاعم الراقية.. بدا أنهم ببساطة لا يستطيعون إنجاح نموذج أعمالهم دون عمالة غير مدفوعة الأجر تقوم بمهام روتينية متكررة.. رداً على ذلك، أعلن مطعم نوما أنه سيبدأ بدفع أجور لمتدربيه.

مع ذلك، على الأقل كانت هناك شركات حريصة على تحسين سمعتها من خلال شراكات تجارية، وقد حظي مشروع نوما الحالي في لوس أنجلوس بدعم من شراكات مع كل من أمريكان إكسبريس وشركة الضيافة بلاكبيرد.. ومنذ انتشار خبر سلوك ريدزيبي، انسحبت الشركتان من المشروع.
بمجرد حدوث ذلك، لم يكن سوى مسألة وقت قبل أن يضطر ريدزيبي نفسه إلى التنحي، في خطابه أمام الموظفين في لوس أنجلوس، والذي أشار فيه إلى أنه سيظل مشاركاً، دعاهم إلى “النضال” من أجل مستقبل مطعم نوما، طالما أصرّ على أن المطعم الذي شارك في تأسيسه قبل 23 عاماً أكبر من مجرد شخص واحد.
لكن الحقيقة هي أنه ليس كذلك، بالنسبة لنوما، بدون ريدزيبي على رأسها، يُعدّ التحدي وجودياً، وفي الوقت نفسه، بالنسبة لأولئك الطهاة وكتاب الطعام ورواد المطاعم الذين آمنوا بفكرة المطعم الراقي بوصفه قوة للخير الأخلاقي، ستترك هذه القضية مرارةً بالغة في نفوسهم.

 

*كاتب مقالات غطى مواضيع متنوعة من الجريمة والسياسة إلى الفنون والشؤون الاجتماعية، لكنه اشتهر بوصفه ناقد مطاعم، نشر أكثر من اثني عشر كتاباً، ويقدم برنامج “مطبخ مجلس الوزراء” على إذاعة بي بي سي.

نقلا عن فايننشال تايمز 

 

 

إدارة ترامب تطرح أسلوباً جديداً لإذلال مهنة المحاماة

ديبورا بيرلشتاين*

بالنسبة للرؤساء، عموماً، لا يُعدّ الكذب مخالفاً للقانون، أما بالنسبة للمحامين الذين يسعون لتحقيق أجندة الرئيس، فالوضع مختلف تماماً.. كغيرهم من المحامين المرخص لهم بممارسة المهنة في الولايات المتحدة، فإن انتهاك قواعد أخلاقيات المهنة يُعرّضهم لعقوبات قضائية أو تأديبية، قد تصل إلى حدّ سحب ترخيص مزاولة المهنة نهائياً.
وقد فشلت محاولات إلغاء انتخابات عام 2020 في المحاكم أكثر من 60 مرة، أمام قضاة من كلا الحزبين، ويعود ذلك جزئياً إلى أن المحامين الذين ترافعوا في قضية الرئيس ترامب كانوا يخشون غالباً من قول الأكاذيب الفاضحة نفسها التي كان يروجها للشعب الأمريكي.
كان ذلك في الماضي، أما الآن، وتحت ضغط تجاهل مجموعة من قواعد السلوك المهني، استقال عدد كبير من محامي وزارة العدل، مفضلين فقدان وظائفهم مقابل الحفاظ على مسيرتهم المهنية.. وبين هذه الاستقالات وحملة تطهير طالت أعضاء الهيئة القانونية الذين يُنظر إليهم على أنهم غير موالين بما فيه الكفاية لأجندة الرئيس، فقدت الوزارة آلاف المحامين.
ويتضح ذلك جلياً: فالمذكرات القانونية مليئة بالأخطاء، ويحضر المحامون إلى المحكمة غير مستعدين بشكل كافٍ، والأسوأ من ذلك، أن أوامر المحكمة تُنتهك، ويبدو في بعض الحالات أن السبب هو عدم توفر عدد كافٍ من المحامين لضمان تنفيذها.

ولسد هذه الشواغر، أبدت الوزارة جهوداً حثيثة ومتزايدة لاستقطاب محامين جدد (ورد أن إحدى كليات الحقوق المحافظة نصحت طلابها: “لا تخافوا من شرط كشف الدرجات، فالمعدل التراكمي ليس عاملاً حاسماً”)، ومع ذلك، يبدو أن عدداً قليلاً جداً من المحامين مستعدون للمخاطرة.. لذا قدمت إدارة ترامب الأسبوع الماضي حلاً مختلفاً: قاعدة مقترحة تهدف إلى حماية محامي وزارة العدل من تحقيقات السلوك المهني المستقلة.

سيُخالف هذا الترتيب قانوناً فيدرالياً يُعرف بتعديل ماكديد الذي ينص على خضوع المحامين الحكوميين لقواعد السلوك المهني في الولايات التي يمارسون فيها المهنة، “بنفس القدر وبنفس الطريقة” التي يخضع لها أي محامٍ آخر مرخص له في الولاية.
وسيتم الطعن في القاعدة المقترحة أمام المحكمة فور دخولها حيز التنفيذ، لكن ينبغي ألا تصل إلى هذه المرحلة، فهي لن تقتصر على منح محامي الوزارات حصانةً مطلقةً للكذب نيابةً عن الرئيس، بل ستُقيّد بشدة قدرة المحاكم على ممارسة أي نوع من الرقابة المستقلة على السلطة التنفيذية.

وقد اعتمدت جميع الولايات ومقاطعة كولومبيا قواعد تلزم المحامين بالعمل بوصفهم موظفين نزيهين في المحكمة، وتخدم هذه القواعد أغراضاً عديدة بدءاً من الحق الأساسي في العدالة، كما تُعد هذه القواعد بالغة الأهمية لاستقلال المحاكم التي تعتمد على الوصول إلى أدلة موثوقة وتمثيلات دقيقة من قِبل المحامين.

وتؤدي هذه القواعد دوراً بالغ الأهمية في الديمقراطيات الدستورية التي تتميز عن الأنظمة الاستبدادية جزئياً بإصرارها على أن الحقيقة والزيف منفصلان عما قد تدعيه الحكومة.. إن الحقائق، شأنها شأن القانون، تُقيّد سلطة الحكومة.
وفي مواجهة استراتيجية التضليل الإعلامي التي يبدو أن الإدارة الحالية تُفضّلها، يُمكن للمحامين والقضاة المُلزمين بواجبات قانونية ومهنية واجتماعية تُلزمهم بالعمل في عالم قائم على الواقع، أن يُشكّلوا سداً حاسماً.

وقد أمضى محامو إدارة ترامب المتبقون العام الماضي في اختبار هذا السد، مُراكمين سجلاً مُذهلاً من الإفادات الكاذبة تحت القسم، وحجب المعلومات، والشهادات المُتناقضة، وغير ذلك.
وقد انتقد قضاةٌ عُيّنوا من قِبل رؤساء من كلا الحزبين مراراً وتكراراً محامي وزارة العدل لإخفاقاتهم، مُوبّخين إياهم على إهدار الموارد القضائية في بعض القضايا، ومُهدّدين إياهم بالعقوبات في قضايا أخرى.
وقد تضررت سمعة الوزارة في قول الحقيقة إلى حدٍّ كبير، كما أشار أحد القضاة بيأس، لدرجة أن “المحكمة لم تعد تثق” في أن محامي الحكومة “يُمكن الوثوق بهم في قول الحقيقة بشأن أي شيء”.

بموجب القاعدة المقترحة يُمكن للنائب العام أن يطلب من أي جهة تأديبية مستقلة تعليق إجراءات الأخلاقيات ضد محامٍ في وزارة العدل (تحت طائلة التهديد باتخاذ إجراءات إنفاذ غير محددة) وإحالة الأمر إلى مكتب المسؤولية المهنية التابع للوزارة.. إلا أن مراجعة هذا المكتب لا تُغني عن تحقيق نقابة المحامين في الولاية.. فحتى قبل عهد ترامب، كان المكتب الذي يتبع لمسؤول مُعيّن سياسياً، معروفاً بتكتمه الشديد، حيث نادراً ما تُنشر تفاصيل نتائج التحقيق.

نشأ مكتب المسؤولية المهنية بوصفه حلاً وسطاً، بهدف تجنب الدعوات لإجراء إصلاحات جذرية في وزارة العدل، بعد أن اتضح مدى تورط العديد من محاميها في فساد الرئيس ريتشارد نيكسون، ولم يسبق له أن مُنح صلاحية استدعاء شهادات أو معلومات من خارج الوزارة.

وفي الوقت الراهن، لا يوجد له رئيس، وهذا يترك الأمر لنائب المدعي العام تود بلانش الذي أعلن مؤخراً أن الإدارة في “حرب” مع المحاكم الفيدرالية، ليُدير أي تقييم داخلي بالسرعة التي يراها مناسبة.

إن نظام التأديب في نقابات المحامين في الولايات بعيد كل البعد عن الكمال، فقد تستغرق الإجراءات سنوات، وتتردد بعض هيئات النقابات في التحقيق مع محامي إدارة ترامب.. وحتى أنظمة التأديب التي تتحلى بالشجاعة للمضي قدماً قد تجد صعوبة في التعامل مع العدد الهائل من محامي الإدارة الذين ثبت كذبهم.

ومع ذلك -إلى جانب عوامل الردع الأخرى كالمحاكم نفسها وحرص المحامين على سمعتهم- يبقى خطر التأديب من قبل نقابات المحامين في الولايات أداة بالغة الأهمية لحماية نزاهة المحاكم الفيدرالية في كشف الحقيقة، ولا عجب أن الإدارة مصممة على ملاحقتهم.

إنّ التحرك ضد نقابات المحامين في الولايات يندرج ضمن استراتيجية الإدارة الأوسع نطاقاً ضد الجامعات ووسائل الإعلام وشركات المحاماة، أي مجموعة من المؤسسات القادرة على تحدي سلطة الرئيس، وقلّما يهددها شيء أكثر من محاسبتها على الحقيقة.

 

* هي مديرة برنامج برينستون للقانون والسياسة العامة، وأستاذة زائرة في كلية برينستون للشؤون العامة والدولية.

نقلا عن نيويورك تايمز