منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عقوبة الإعدام.. ثلاثة أرباع دول العالم تلغي “القتل على يد الدولة”

03 أكتوبر 2026
احتجاج على عقوبة الإعدام أمام مبنى الكابيتول في ناشفيل، تينيسي، 27 أيلول
احتجاج على عقوبة الإعدام أمام مبنى الكابيتول في ناشفيل، تينيسي، 27 أيلول

افتتاحية الغارديان*

ثلاثة أرباع دول العالم ألغت عقوبة الإعدام عن حق، لكن القتل على يد الدولة تصاعد في الولايات المتحدة

ما الطريقة الأكثر رحمة للقتل؟ هذا هو السؤال الذي يطرح من جديد بعد المحاولات الفاشلة التي شهدتها ولاية تينيسي لإعدام كريستا بايك، بسبب قتلها الوحشي لزميلتها في الدراسة، كولين سليمير، عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها.
نقلت بايك، البالغة من العمر 50 عاماً، إلى منشأة طبية، ولا تزال حالتها غير معروفة، في حين وصف شهود عيان أنها كانت تشخر بصوت عال بعد نحو 40 دقيقة من تلقيها حقنتين من عقار بنتوباربيتال يوم الأربعاء.
وكانت تلك ثاني عملية قتل فاشلة من هذا النوع خلال أشهر، ما دفع حاكم ولاية تينيسي إلى إصدار أمر بوقف عمليات الإعدام.

وكان من المفترض أن تكون الحقنة المميتة البديل الإنساني لفرق الإعدام والكراسي الكهربائية التي كان ينظر إليها باعتبارها تطوراً عن الشنق الذي كان يبدو شبيهاً إلى حد كبير بعمليات الإعدام خارج نطاق القانون، في نظام كان يفرض عقوبة الإعدام بصورة غير متناسبة على الرجال السود.
وقد يسهم تقدم أعمار من يجري إعدامهم وتدهور حالتهم الصحية، إلى جانب الرفض الأخلاقي لمعظم العاملين في المجال الطبي المشاركة في عمليات الإعدام، في فشل عمليات الحقن.

لكن تحليل نتائج تشريح الجثث قدم أدلة مقنعة على أن المعاناة متأصلة في هذه العملية، وأن الحقن، ولا سيما تلك التي تتضمن عقاقير تسبب الشلل، لم تفعل سوى إخفائها، وما يوصف بأنه حماية لكرامة السجناء يتعلق في الحقيقة بتقليل الانزعاج الذي يشعر به الشهود الذين كانوا سيرون معاناتهم لولا ذلك.

وقلص ضغط الناشطين على شركات الأدوية إمدادات العقاقير المميتة، لكنه لم يوقف عمليات الإعدام، وأدى حماس دونالد ترامب لعقوبة الإعدام إلى تشجيع مسؤولي الولايات؛ إذ شهد عام 2025 أعلى عدد من عمليات الإعدام خلال 16 عاماً. ولجأت بعض الولايات إلى عقاقير بديلة قد تزيد من معاناة من يجري قتلهم، في حين تستخدم ولايات أخرى أساليب مختلفة.

وفي يونيو أوقفت المحكمة العليا تنفيذ حكم إعدام بحق سجين في ألاباما باستخدام غاز النيتروجين، وهو الأسلوب الذي استخدمته الولاية في حالات أخرى، كما عاود استخدام فرق الإعدام الظهور.
ويقول خبراء إن عمليات الإعدام بهذه الطريقة يمكن أن تكون “مؤلمة بصورة شديدة”، ولا سيما عندما يخطئ الرماة إصابة قلب المحكوم عليه، وسط مزاعم بأن بعض عمليات الإعدام ربما فشلت عمداً.

وتقف الولايات المتحدة ضمن أقلية مخزية، فقد تخلصت ثلاثة أرباع دول العالم من عقوبة الإعدام، سواء بموجب القانون أو من الناحية العملية، وأصبحت لبنان هذا العام أول دولة في الشرق الأوسط تلغيها.

ولم تنفذ عمليات إعدام بحق سجناء العام الماضي سوى 17 دولة، رغم ارتفاع العدد الإجمالي لمن قتلوا إلى أكثر من 2700 شخص، وهو أعلى رقم منذ عام 1984.

ولا تشمل هذه الأرقام الصين التي يعتقد أنها تنفذ أكبر عدد من عمليات الإعدام، لكن في الوقت الذي يدافع فيه ترامب وآخرون عن عقوبة الإعدام، يبتعد الرأي العام الأمريكي عنها؛ ففي عام 1994 كان 80% يؤيدونها، لكن هذه النسبة انخفضت إلى 52% بحلول العام الماضي، ويعارضها غالبية الشباب.

وأسهمت حالات بارزة من الأخطاء القضائية في تزايد القلق، كما أسهمت في ذلك حالات مثل حالة بايك، فقد تعرضت في طفولتها للاعتداء الجنسي والاغتصاب على يد ثلاثة أشخاص، فضلاً عن الضرب والإهمال، لكن محاميها لم يعرضوا تجاربها وعمرها بصورة كافية خلال محاكمتها، ولم يشخص اضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة لديها إلا بعد ذلك.

وقالت ساندرا بابكوك، وهي خبيرة في عقوبة الإعدام تولت الدفاع عن بايك، إن إعدامها سيؤكد أن هذه العقوبة مخصصة “ليس لأسوأ الأسوأ، وإنما للأكثر تضرراً وضعفاً بيننا”.

لكن المشكلة الأساسية في نهاية المطاف ليست أن الأشخاص الخطأ يجري إعدامهم، وإنما أن أي شخص يجري إعدامه من الأساس، فالبحث عن طريقة إنسانية للقتل هو في جوهره أمر عبثي.

ليست الحقن المميتة أو فرق الإعدام أو الصعق بالكهرباء وحدها هي التي ينبغي رفضها، وإنما عقوبة الإعدام نفسها.

ترجمة: زينب مكي