أقر البرلمان الأوروبي قراراً يدعو إلى اعتماد تعريف موحد للاغتصاب قائم على مبدأ الرضا، في خطوة تعيد صياغة أحد أكثر المفاهيم حساسية في التشريعات الجنائية من مدخل حقوقي مباشر يضع إرادة الضحية في صميم الحماية القانونية.
وجاء التصويت بأغلبية 447 عضواً مقابل 160، مع امتناع 43 عضواً، ليعكس ما وصفته منظمات حقوقية بأنه تحول نحو تثبيت قاعدة واضحة مفادها أن “الموافقة هي المعيار الوحيد”.
نص القرار على أن الإشارة “الإيجابية والحرة والصريحة” إلى الرضا هي وحدها المقبولة، وأن الصمت أو غياب المقاومة أو عدم قول “لا” لا يمكن تفسيره على أنه موافقة، كما أكد أن الرضا يمكن سحبه في أي وقت قبل أو أثناء العلاقة الجنسية.
ووفقاً لما ذكرته هيومن رايتس ووتش، فإن هذا التحديد يمثل تحولاً جوهرياً من نماذج قانونية تعتمد على إثبات القوة أو الإكراه، إلى مقاربة تحمل الفعل الجنسي مسؤولية التأكد من وجود موافقة صريحة.
دعا القرار إلى تبني نهج شامل يركز على الناجيات، يشمل تحسين الخدمات الصحية، ومنها الرعاية الجنسية والإنجابية، والدعم النفسي، وتوفير خدمات الإجهاض الآمن، في تأكيد أن حماية الضحايا لا تقتصر على التجريم، بل تمتد إلى منظومة متكاملة من الدعم والرعاية.
كشف الواقع التشريعي داخل الاتحاد الأوروبي عن تفاوت واضح، حيث تعتمد 17 دولة من أصل 27 تعريفاً للاغتصاب قائماً على الرضا، في حين لا تزال دول أخرى تربط الجريمة بعناصر القوة أو التهديد أو الإكراه، ويعكس هذا التباين، كما تشير هيومن رايتس ووتش، فجوة قانونية تؤثر مباشرة في إمكانية حصول الضحايا على العدالة.
أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة، دوبرافكا سيمونوفيتش، في تقرير سابق، أن انعدام رضا الضحية يجب أن يكون محور جميع تعريفات الاغتصاب، مشيرةً إلى أن ضعف الإبلاغ عن هذه الجرائم يرتبط بأنظمة قانونية تشترط إثبات القوة، وهو ما يثقل كاهل الضحايا ويقيد الوصول إلى العدالة.
تشريعات متباينة
سعى المشرعون الأوروبيون إلى معالجة هذا التباين عبر الدفع نحو تعريف موحد يمنع اختلاف مفهوم الاغتصاب بين دولة وأخرى، وهو ما اعتبرته صحيفة “الغارديان” خطوة حاسمة نحو سد ثغرات قانونية قد تتيح الإفلات من العقاب.
وأكد البيان الصادر عقب التصويت أن أي علاقة سابقة أو سلوك جنسي سابق أو حتى الموافقة السابقة لا يمكن اعتبارها موافقة تلقائية.
قالت عضوة البرلمان الأوروبي جوانا شورينغ-ويلغوس إن عدم توحيد التعريف يخلق واقعاً يمكن أن يفلت فيه الجاني من العقاب لمجرد اختلاف القوانين بين الدول، مؤكدة أن “الاغتصاب يجب ألا يتغير تعريفه بمجرد عبور الحدود”، وأضافت أن الهدف هو إلزام الدول التي لا تزال تعتمد على مفهوم القوة بالامتثال للمعايير الدولية.
أوضح عضو البرلمان الأوروبي إيفين إنجير أن التصويت يعكس “أغلبية ساحقة” تدعم تشريعاً قائماً على الرضا، داعياً المفوضية الأوروبية إلى التحرك وتقديم مقترح قانوني فوري.
ورغم ترحيب المفوضية بالتصويت، لا يزال تمرير تشريع موحد يواجه تعقيدات سياسية وقانونية، خاصة في ظل اعتراضات سابقة على توسيع صلاحيات الاتحاد في المجال الجنائي.
أظهرت بيانات أوروبية حجم الفجوة بين التشريع والواقع، حيث كشف تقرير استند إلى مقابلات مع 42 ألف امرأة أن واحدة من كل عشر نساء تعرضت لعنف جنسي منذ سن الخامسة عشرة، في حين تعرضت واحدة من كل عشرين للاغتصاب، ومع ذلك، أشار إنجير إلى أن 0.5% فقط من هذه الحالات تنتهي بإدانة، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً في الوصول إلى العدالة.
ربطت عضوة البرلمان الأوروبي شورينغ-ويلغوس تصاعد المطالب بتغيير التعريف بقضايا حديثة هزت الرأي العام، مشيرة إلى أن هذه القضايا كشفت قصور النماذج القانونية القائمة على القوة، وأعادت طرح الرضا بوصفه عنصراً حاسماً في تعريف الجريمة.
اعتماد تعريف موحد
من جانبها، رحبت نائبة المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في أوروبا، دينوشيكا ديساناياكي، بتصويت البرلمان الأوروبي، معتبرةً أنه يجدد الدعوة لاعتماد تعريف موحد قائم على الرضا على مستوى الاتحاد الأوروبي، وأكدت أن هذه الخطوة تأتي في سياق تتصدر فيه عناوين الأخبار قضايا الاستغلال الجنسي، ما يستدعي استجابة تشريعية واضحة.
كشفت المنظمة أن واحدة من كل ست نساء في الاتحاد الأوروبي تتعرض للعنف الجنسي في مرحلة البلوغ، وأن واحدة من كل عشر تتعرض للاغتصاب خلال حياتها، ما يعكس حجم التحدي الحقوقي المرتبط بهذه الجريمة، وشددت على أن تعزيز ثقافة الرضا يتطلب نهجاً شاملاً يشمل التعليم الجنسي، والتوعية العامة، وبرامج الوقاية، إلى جانب الإصلاح التشريعي.
أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن التقدم المحقق في السنوات الأخيرة جاء نتيجة نضال الناجيات والناشطات، حيث ارتفع عدد الدول التي تعتمد تعريفاً قائماً على الرضا من 8 دول في عام 2018 إلى 21 دولة لاحقاً، في تحول يعكس تغيراً تدريجياً في المقاربة القانونية والاجتماعية.
دعا القرار الدول الأعضاء التي لم تعتمد بعد هذا التعريف إلى التحرك الفوري، بدل انتظار مبادرة من المفوضية الأوروبية، في تأكيد أن الالتزام بالمعايير الدولية، ومنها اتفاقية إسطنبول، يفرض إعادة النظر في التشريعات الوطنية.
من “الإكراه” إلى “الموافقة”
عرف البرلمان الأوروبي الاغتصاب بأنه أي فعل جنسي يتم دون رضا الطرف الآخر، مؤكداً أن الموافقة يجب أن تكون صريحة وحرة ولا لبس فيها، وأن الصمت أو غياب المقاومة لا يعدان موافقة، وأشارت “يورو نيوز” إلى أن هذا التعريف يتماشى مع اتفاقية إسطنبول التي صادقت عليها 22 دولة من الاتحاد.
أظهرت البيانات أن 17 دولة تعتمد بالفعل تعريفاً قائماً على الرضا، في حين لا تزال دول أخرى تستخدم نماذج قانونية تعتمد على الإكراه، ما يفرض على الضحايا عبء إثبات العنف أو التهديد، وأدى هذا النهج، في كثير من الحالات، إلى تعقيد الإجراءات القضائية وإعادة إيذاء الضحايا.
أوضحت عضوة البرلمان الأوروبي عبير السهلاني أن تطور أشكال العنف الجنسي، ومنها الاعتداءات المرتبطة بالتخدير أو عبر الإنترنت، كشف محدودية التعريفات التقليدية، ما يستدعي تحديثاً قانونياً يستجيب لهذه التحولات.
ومن جانبها، أكدت “دويتشه فيله” أن تعريف الاغتصاب لا يزال يختلف بشكل كبير داخل الاتحاد الأوروبي، رغم اعتماد تدابير واسعة لمكافحة العنف الجنسي، ومنها الانضمام إلى اتفاقية إسطنبول واعتماد توجيهات تجرم التحرش والمطاردة الإلكترونية ونشر الصور دون رضا.
أوضحت عضوة البرلمان الأوروبي إيفين إنجير أن المبادرة تهدف إلى ضمان أن “نعم تعني نعم” في جميع أنحاء الاتحاد، وأن العامل الحاسم يجب أن يكون غياب الرضا، وليس قدرة الضحية على إثبات المقاومة، وأضافت أن الهدف هو تعزيز الوصول إلى العدالة وتوفير خدمات متخصصة للناجيات.
أظهرت التجربة السويدية التي اعتمدت نموذج “الموافقة الصريحة” زيادة في عدد الإدانات، وهو ما يعكس أثر التحول القانوني في الملاحقة القضائية، رغم استمرار صعوبات الإثبات وانخفاض معدلات الإبلاغ.
جسد هذا التحول نقلة نوعية في فهم العدالة الجنائية، حيث لم يعد التركيز على سلوك الضحية أو مقاومتها، بل على غياب موافقتها، في إعادة تعريف تعيد الاعتبار للحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية بوصفه حقًا غير قابل للتأويل أو التقييد.
