أعادت واقعة شهدها البرلمان الأوروبي الجدل حول حماية الحق في المساواة وعدم التمييز، بعدما تحوّلت جلسة مخصصة للتصويت على قواعد جديدة لترحيل المهاجرين إلى مواجهة انتهت باتهامات بخطاب كراهية وعنصرية، وشكاوى رسمية وتحقيقات داخل المؤسسة الأوروبية، وسط تحذيرات من تنامي نفوذ اليمين المتطرف وانعكاس ذلك على سلامة المناخ الديمقراطي داخل البرلمان.
وقدّمت عضوة البرلمان الأوروبي عن السويد، عبير السهلاني، بلاغًا إلى الشرطة السويدية تتهم فيه عضو البرلمان الأوروبي الدنماركي، كريستوفر ستورم، باستخدام خطاب عنصري وخطاب كراهية ضدها، بعد تعرضها لحملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب إدانتها للهتافات التي أطلقها نواب من اليمين المتطرف عقب تصويت البرلمان الأوروبي على تشريع يهدف إلى تسريع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين في أنحاء الاتحاد الأوروبي.
وجاء البلاغ بعد أيام من هتافات أطلقها نواب من اليمين المتطرف داخل البرلمان الأوروبي مرددين عبارة “أعيدوهم إلى بلادهم” عقب التصويت، وهو ما دفع السهلاني، وهي نائبة سويدية من أصل عراقي، إلى إلقاء كلمة أمام البرلمان اتهمت خلالها “فاشيي اليمين المتطرف” بالانحدار إلى “مستوى جديد من الانحطاط”.
وأكدت السهلاني أمام البرلمان أنها لم تشعر يومًا بهذا القدر من انعدام الأمان داخل المؤسسة الأوروبية، معتبرة أن الهتافات لم تكن موجهة إلى خصوم سياسيين، وإنما إلى أشخاص لم يرتكبوا سوى أنهم يبحثون عن حياة أفضل في أوروبا.
وأثار انتشار كلمتها على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل من عضو البرلمان الأوروبي الفنلندي، سيباستيان تينكينين، الذي كتب تعليقًا قال فيه “ابكِ أكثر”، بينما كتب عضو البرلمان الأوروبي الدنماركي، كريستوفر ستورم، أن عليها “العودة إلى بلدها”، وهو ما دفعها لاحقًا إلى تقديم البلاغ الجنائي ضده، موضحة أن الشكوى اقتصرت على ستورم لأن الشرطة السويدية لم تكن متأكدة من كيفية التعامل مع منشور تينكينين.
نفى كل من ستورم وتينكينين الاتهامات الموجهة إليهما، في وقت رأت فيه السهلاني أن ما تعرضت له يمثل خطابًا قائمًا على الإقصاء العنصري.
كشف الجدل حجم الانقسامات داخل البرلمان الأوروبي، في ظل وصول تمثيل نواب اليمين المتطرف والشعبويين اليمينيين إلى نحو ربع أعضاء البرلمان، وهو أعلى مستوى يسجله المجلس، بينما يظل تمثيل الأقليات العرقية محدودًا.
وصفت السهلاني، في تصريحات لصحيفة “الغارديان”، ما حدث بأنه سبب لها شعورًا بالحزن على الديمقراطية الأوروبية، وقالت إنها شعرت أيضًا بخيبة أمل لأن من وجهوا إليها تلك العبارات هم زملاؤها داخل البرلمان.
أعقب الهجوم عليها موجة تضامن واسعة عبر الإنترنت، تخللتها أيضًا تهديدات بالاغتصاب والقتل، فيما أعلن تحالف “تجديد أوروبا” الذي تنتمي إليه دعمه الكامل لها.
كراهية في البرلمان الأوروبي
اعتبرت رئيسة كتلة “تجديد أوروبا”، فاليري هاير، أن عبارة “ارجعي إلى بلدك” لا مكان لها داخل المؤسسات الأوروبية، مؤكدة أن من ينشر العنصرية يجب أن يتحمل عواقب أفعاله.
وجّهت هاير رسالة إلى رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، طالبت فيها بالتحقيق في تصرفات ستورم وتينكينين واتخاذ إجراءات تأديبية بحقهما، معتبرة أن استهداف أحد أعضاء البرلمان وتهديده من قبل زملائه يمثل سلوكًا يسيء إلى المؤسسة الأوروبية، ويبعث برسالة خطيرة إذا مرّ دون محاسبة.
أوضحت هاير أن الشعور بالإفلات من العقاب قد يتفاقم إذا لم تتم معالجة هذه الوقائع، مؤكدة أن التعليقات ذات طابع عنصري وتشكل مخالفة لقواعد السلوك البرلماني التي يلتزم بها أعضاء البرلمان الأوروبي.
أصبحت الشكوى بين يدي رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، التي تتولى، وفق القواعد البرلمانية، الاستماع إلى جميع الأطراف والبت في العقوبات المحتملة، والتي قد تشمل التوبيخ الرسمي، أو الحظر المؤقت من تمثيل البرلمان أو الوصول إلى المعلومات السرية، أو تعليق البدل اليومي، أو تقييد المشاركة في الأنشطة البرلمانية لمدة تصل إلى 60 يوم عمل.
صرحت المتحدثة باسم البرلمان الأوروبي، دلفين كولارد، بأن البرلمان يتعامل بجدية مع جميع شكاوى الأعضاء، مؤكدة أن جميع النواب يجب أن يشعروا بالأمان أثناء أداء مهامهم، وأن رئيسة البرلمان ستنظر في القضية.
وصف مكتب ميتسولا الحوادث بأنها “مؤسفة”، مؤكدًا عدم التسامح مع أي سلوك يقوض احترام أعضاء البرلمان الأوروبي أو كرامة المؤسسة، بينما أعلن أن أجهزة البرلمان تجري تحقيقًا في ملابسات الواقعة.
خاطبت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، النواب خلال جلسة لاحقة، مؤكدة أن الهتافات العدائية والاستهزاء والإشارة بالأصابع وتصوير الأعضاء أمور غير مقبولة، وأن “خطًا أحمر” قد جرى تجاوزه خلال الجلسة السابقة، متعهدة باتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع تكرار تلك المشاهد.
خلاف حول تشريعات الترحيل
ارتبطت الأزمة بالتصويت الذي أقره البرلمان الأوروبي على لائحة جديدة تستهدف تسريع إعادة المهاجرين غير النظاميين، وتسمح بإنشاء مراكز ترحيل خارج الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى إجراءات أخرى تتعلق بعمليات الإعادة.
وصفت منظمة العفو الدولية هذا التشريع بأنه “عبثي وقاسٍ وتمييزي”، بينما انتقده أكثر من 12 خبيرًا من الأمم المتحدة، بحسب ما أشارت إليه السهلاني، معتبرة أن أحزاب يمين الوسط فضلت التحالف مع اليمين المتطرف بدلًا من العمل مع الأحزاب المؤيدة لأوروبا والديمقراطية.
قالت السهلاني إن البرلمان كان بإمكانه اعتماد تشريع أفضل، لكنه اختار، بحسب وصفها، “أكثر النصوص اللاإنسانية والمهينة” في هذا المجال، معتبرة أن المناخ الذي صاحب التصويت أفضى إلى الهتافات التي شهدتها الجلسة.
أصر عضو البرلمان الأوروبي الدنماركي، كريستوفر ستورم، في تصريحات لصحيفة “بوليتيكو”، على أن تعليقه لم يكن ذا طابع عنصري، وقال إنه لا يقبل وصفه بالعنصرية، موضحًا أن عبارة “عودي إلى بلدك” كانت تعني، بحسب تفسيره، مغادرة قاعة البرلمان إذا كانت ترى أن القرار الديمقراطي وردود الفعل عليه مزعجة، وليس الإشارة إلى أصلها أو بلد ميلادها.
رفضت السهلاني هذا التفسير، مؤكدة أن التعليق يتعلق بالإقصاء العنصري، وقالت إنها تعيش في وطنها، بعدما تعلمت اللغة ودرست وعملت ودفعت الضرائب وحصلت على الجنسية السويدية وانتخبت عضوًا في البرلمان الأوروبي، مضيفة أن كل ما فعلته يندرج ضمن ما يوصف بالحلم الأوروبي، لكنها رغم ذلك طُلب منها “العودة إلى بلدها” عندما اختلفت مع سياسي من اليمين المتطرف.
ومن جانبها، سلطت صحيفة “تايمز أوف مالطا” الضوء على اتساع دائرة الجدل، مشيرة إلى مطالبة رئيسة “تجديد أوروبا” باتخاذ إجراءات ضد النائبين اليمينيين، وإلى أن المكتب الإعلامي للبرلمان الأوروبي أكد أن التحقيق لا يزال في مراحله الأولى.
ونقلت عن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إعرابه عن أسفه لتصويت البرلمان على لائحة العودة، وتحذيره من أن إنشاء مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي ينطوي على مخاطر جسيمة لانتهاكات حقوق الإنسان.
اختتمت القضية، حتى الآن، بانتظار نتائج التحقيق في البرلمان الأوروبي، والبت في الشكاوى المقدمة، بينما أعادت الواقعة طرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات الأوروبية على حماية أعضائها من خطاب الكراهية والعنصرية، وضمان احترام مبادئ المساواة والكرامة وعدم التمييز داخل أعلى مؤسسة تشريعية في الاتحاد الأوروبي.
