يتجه الاتحاد الأوروبي إلى إعادة رسم العلاقة بين الأطفال ومنصات التواصل الاجتماعي عبر إعداد إطار تنظيمي جديد يهدف إلى الحد من وصول القاصرين إلى هذه المنصات بصورة تدريجية، في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من التأثيرات النفسية والاجتماعية للخوارزميات والمحتوى الرقمي على نمو الأطفال والمراهقين.
وتسعى المفوضية الأوروبية إلى وضع قواعد موحدة توازن بين حق الأطفال في الاستفادة من التكنولوجيا وضرورة حمايتهم من المخاطر المرتبطة بالاستخدام المبكر وغير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي.
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن خبراء كلفتهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي أوصوا في تقرير صدر الاثنين باعتماد نظام يسمح للأطفال والمراهقين بالوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي بصورة تدريجية وفقا للفئات العمرية، بما يضمن توفير مستويات مختلفة من الحماية تتناسب مع مراحل النمو.
ويأتي هذا التوجه ضمن مناقشات أوروبية أوسع تستهدف تعزيز سلامة القاصرين في البيئة الرقمية ووضع ضوابط أكثر صرامة على عمل المنصات الإلكترونية.
حماية النمو النفسي للأطفال
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن مرحلة الطفولة تمثل فترة حساسة في تطور الدماغ وتكوين الشخصية، مشيرة إلى أن الأطفال يحتاجون خلال هذه السنوات إلى بناء علاقاتهم الاجتماعية في الواقع، واكتساب الخبرات الحياتية بصورة طبيعية، بعيدا عن التأثير المتزايد للخوارزميات التي تحدد طبيعة المحتوى الذي يشاهدونه على المنصات الرقمية.
وأوضحت فون دير لاين أن المفوضية الأوروبية تدرس إمكانية اعتماد نظام وصول تدريجي يراعي الفئات العمرية المختلفة، بما يسمح للأطفال باستخدام بعض الخدمات الرقمية وفق ضوابط محددة تتوسع تدريجيا مع تقدمهم في العمر.
وأضافت أن المفوضية تعتزم تقديم مقترحات تشريعية بهذا الشأن بعد انتهاء العطلة الصيفية، في إطار استراتيجية أوروبية أشمل لحماية الأطفال على الإنترنت.
قواعد موحدة للدول الأعضاء
تسعى بروكسل إلى توحيد القواعد المنظمة لاستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي في جميع دول الاتحاد الأوروبي، بدلا من استمرار اختلاف التشريعات الوطنية بين دولة وأخرى.
وترى المفوضية الأوروبية أن وجود إطار قانوني موحد سيمنح المنصات الرقمية وضوحا أكبر بشأن الالتزامات المفروضة عليها، كما سيساعد الدول الأعضاء على تطبيق إجراءات متسقة لحماية القاصرين.
ويمنح قانون الخدمات الرقمية الذي دخل حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي مؤسسات الاتحاد صلاحيات واسعة للإشراف على عمل المنصات الرقمية الكبرى، بما يشمل إلزامها بتقييم المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال واتخاذ تدابير تحد من وصولهم إلى المحتوى الضار أو غير المناسب لأعمارهم.
تباين المواقف الأوروبية
تشهد دول الاتحاد الأوروبي نقاشات متباينة حول أفضل السبل لتنظيم وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فقد بدأت فرنسا وإسبانيا واليونان والدنمارك والنمسا والسويد تطبيق قيود أو دراسة إجراءات تحد من استخدام القاصرين لهذه المنصات، انطلاقا من مخاوف تتعلق بالصحة النفسية والإدمان الرقمي والتعرض للمحتوى العنيف أو المضلل.
في المقابل، تعارض إستونيا فرض حظر شامل على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وترى أن الحل يكمن في تعزيز التثقيف الرقمي وتمكين الأسر من استخدام أدوات الرقابة الأبوية، بدلا من فرض قيود قانونية واسعة، كما لم تعلن عدة دول أعضاء موقفها النهائي من المقترحات المطروحة، وهو ما يجعل النقاش الأوروبي مفتوحا أمام مزيد من المشاورات خلال الأشهر المقبلة.
تجربة أستراليا تثير الاهتمام
تتابع مؤسسات الاتحاد الأوروبي باهتمام التجربة الأسترالية التي اتجهت خلال العام الماضي إلى تشديد القيود على استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها إحدى أبرز المبادرات العالمية في هذا المجال.
وترى بروكسل أن دراسة نتائج هذه التجربة قد تساعد في صياغة نموذج أوروبي يحقق حماية فعالة للأطفال مع الحفاظ على حقوقهم في الوصول إلى الخدمات الرقمية بصورة آمنة ومتدرجة.
ويؤكد خبراء حماية الطفل أن الاستخدام غير المنظم لمنصات التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى آثار سلبية تشمل اضطرابات النوم والقلق والعزلة الاجتماعية، إضافة إلى زيادة التعرض للتنمر الإلكتروني والمحتوى غير المناسب، وهو ما يدفع الحكومات إلى مراجعة التشريعات المرتبطة باستخدام الأطفال للفضاء الرقمي.
تنظيم المنصات الرقمية
ترى المفوضية الأوروبية أن تنظيم عمل المنصات الرقمية يمثل اختصاصا أوروبيا مشتركا، الأمر الذي يجعل إصدار قواعد موحدة أكثر فعالية من اعتماد تشريعات وطنية متباينة، كما تعتقد أن وجود إطار قانوني موحد سيجنب الشركات المشغلة لمنصات التواصل الاجتماعي التعامل مع أنظمة مختلفة داخل السوق الأوروبية، ويسهل عليها تنفيذ المتطلبات القانونية الخاصة بحماية الأطفال.
وتؤكد المفوضية أن أي قواعد جديدة ستأخذ في الاعتبار حقوق الأطفال في الوصول إلى المعرفة والتواصل، مع ضمان توفير بيئة رقمية أكثر أمنا تقلل من تأثير الخوارزميات التي قد تدفع القاصرين إلى استهلاك محتوى ضار أو غير ملائم لأعمارهم.
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الجدل العالمي بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين، بعد صدور دراسات علمية وتقارير رسمية ربطت بين الاستخدام المكثف لهذه المنصات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتنمر الإلكتروني واضطرابات النوم لدى القاصرين.
ودفع ذلك عددا من الحكومات إلى مراجعة تشريعاتها المتعلقة بحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، بينما عزز الاتحاد الأوروبي من صلاحياته الرقابية عبر قانون الخدمات الرقمية الذي يلزم المنصات الكبرى باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية القاصرين والحد من المخاطر المرتبطة بالخوارزميات والإعلانات الموجهة والمحتوى الضار، ويأتي التوجه الأوروبي الجديد ضمن مسار أوسع يهدف إلى بناء بيئة رقمية أكثر أمانا للأطفال مع الحفاظ على الاستفادة من التطور التكنولوجي في إطار ضوابط قانونية موحدة.
