منذ سنوات، لم تعد الأزمات الإنسانية تقتصر على النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية أو موجات النزوح الجماعي، بل أضيف إليها تهديد جديد يتنامى بوتيرة غير مسبوقة يتمثل في انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية.
ولم يعد هذا الخطر يقتصر على تشويه الحقائق أو تضليل الرأي العام، بل امتد ليهدد سلامة ملايين اللاجئين والعاملين في المجال الإنساني، ويؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية، ويقوض الثقة في المؤسسات الدولية، ويخلق بيئة أكثر عدائية تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن المعلومات المضللة وخطاب الكراهية وتقنيات التزييف العميق أصبحت تشكل تهديدا مباشرا للاجئين والعاملين في المجال الإنساني، مع تسارع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو ورسائل مزيفة يصعب التحقق منها.
وأوضحت المفوضية خلال مؤتمر صحفي في جنيف على هامش الحوار العالمي الأول حول حوكمة الذكاء الاصطناعي أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد أزمة رقمية، بل تحوّلت إلى عامل يفاقم الأزمات الإنسانية على الأرض ويعرض حياة المدنيين للخطر.
وتكشف أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد الأشخاص الذين أجبرتهم الحروب والاضطهاد والعنف على النزوح بلغ نحو 117.8 مليون شخص حتى نهاية عام 2025، بينهم 41.6 مليون لاجئ، وهو ما يعني أن شخصا من كل سبعين شخصا في العالم يعيش حاليا تحت وطأة النزوح القسري، الأمر الذي يجعل أي حملة تضليل أو خطاب كراهية تستهدف هؤلاء الأشخاص قادرة على التأثير في حياة ملايين البشر بصورة مباشرة.
أزمة معلومات تتحول إلى أزمة إنسانية
ترى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكبر أزمات النزوح في العالم أصبحت في الوقت نفسه أزمات معلومات، إذ يؤدي تداول الأخبار الكاذبة والشائعات والتحريض المنظم إلى تقويض فرص اندماج اللاجئين داخل المجتمعات المضيفة، ويحد من فرص حصولهم على العمل والتعليم والرعاية الصحية، كما يفاقم التوترات الاجتماعية ويزيد من احتمالات وقوع اعتداءات جسدية أو لفظية ضدهم.
وأوضحت جيزيلا لوماكس، كبيرة مستشاري المفوضية لشؤون نزاهة المعلومات، أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت تضاعف هذه المخاطر من خلال إنتاج محتوى مزيف واسع الانتشار، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح جزءا من الحل إذا وضعت له ضوابط واضحة واعتمدت آليات فعالة لحماية نزاهة المعلومات في البيئات الإنسانية.
أرقام تكشف حجم المشكلة
أظهر استطلاع أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 93 بالمئة من موظفيها المشاركين في الاستطلاع تعرضوا أو شهدوا معلومات مضللة أو خطاب كراهية أثر بصورة مباشرة على تنفيذ مهامهم الإنسانية، بينما سجلت النساء، سواء بين اللاجئات أو الموظفات، معدلات استهداف أعلى من غيرهن، خاصة مع انتشار تقنيات التزييف العميق التي تستخدم صورا ومقاطع فيديو مفبركة لتشويه السمعة أو التحريض.
ولا تقتصر التداعيات على العاملين في المنظمات الدولية، إذ تؤكد المفوضية أن المعلومات الكاذبة قد تمنع اللاجئين من الوصول إلى خدمات التسجيل أو المساعدات الغذائية أو الرعاية الصحية، كما يستغل مهربو البشر وشبكات الاتجار بالأشخاص المنصات الرقمية لنشر وعود زائفة بشأن فرص العمل أو طرق الهجرة القانونية، وهو ما يدفع آلاف الأشخاص إلى الوقوع في شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر.
ليبيا نموذج للأثر المباشر
تقدم الأزمة الليبية أحد أبرز الأمثلة الحديثة على العلاقة بين خطاب الكراهية والأضرار الإنسانية، فقد أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن موجة واسعة من المعلومات المضللة والتحريض عبر الإنترنت غذت العداء ضد اللاجئين والمهاجرين، وأثرت في سلامة موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني، بعدما انتشرت مقاطع فيديو مزيفة وادعاءات غير صحيحة بشأن طبيعة عمل المفوضية داخل ليبيا، الأمر الذي أسهم في تأجيج الاحتجاجات والاعتداءات على مقار الأمم المتحدة.
كما أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة أن المنظمة واجهت صعوبة كبيرة في التصدي لهذه الحملات المنظمة، ودعا منصات التواصل الاجتماعي إلى التعاون للحد من انتشار المعلومات الكاذبة.
الروهينغا.. درس لم يتوقف
وتستعيد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان باستمرار تجربة أقلية الروهينغا في ميانمار باعتبارها واحدة من أخطر الحالات التي ارتبط فيها خطاب الكراهية الرقمي بالعنف الميداني، فقد وثّقت بعثات الأمم المتحدة ومنظمات دولية استخدام منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتوى يحرض على الكراهية ضد الروهينغا قبل موجات العنف الواسعة عام 2017، وهو ما أسهم في تأجيج الانتهاكات التي دفعت أكثر من 750 ألف شخص إلى الفرار نحو بنغلاديش، ولا تزال حملات التحريض الرقمية تستهدف الروهينغا حتى بعد نزوحهم، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
تحذيرات حقوقية متصاعدة
ترى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو أن تصاعد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة في العصر الرقمي يمثل تحديا عالميا يهدد التماسك الاجتماعي وحقوق الإنسان، خاصة مع الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأطلقت المنظمة خلال عام 2026 مبادرات جديدة لتعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية باعتبارها خط الدفاع الأول ضد التضليل، مؤكدة أن رفع الوعي المجتمعي أصبح ضرورة لحماية الفئات الأكثر عرضة للاستهداف، وفي مقدمتها اللاجئون والمهاجرون.
وتتفق منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في العديد من تقاريرهما المتعلقة بالحقوق الرقمية على أن المنصات الرقمية تتحمل مسؤولية أكبر في مواجهة المحتوى الذي يحرض على الكراهية أو العنف، مع ضرورة ضمان عدم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة تؤدي إلى التمييز أو الإقصاء أو تقويض الحقوق الأساسية للفئات الضعيفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير وفقا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
مسؤولية القانون الدولي
أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يكفل حرية التعبير، لكنه في الوقت نفسه يفرض قيودا واضحة على الدعوات التي تحرض على الكراهية أو العنف أو التمييز.
واستندت المفوضية إلى المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحمي حرية الرأي والتعبير، وإلى المادة 20 التي تلزم الدول بحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
كما دعت الدول إلى تطبيق هذه الالتزامات من خلال تشريعات متوازنة تحمي الحقوق الأساسية ولا تستخدم مكافحة التضليل ذريعة لتقييد الحريات. وتؤكد الأمم المتحدة أن معالجة خطاب الكراهية تبدأ بتعزيز سيادة القانون، ودعم الإعلام المهني، وتوفير المعلومات الموثوقة للمجتمعات. استندت هذه المبادئ إلى استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية، وإلى خطة عمل الرباط التي وضعت معايير دولية لتقييم التحريض على الكراهية.
شركات التكنولوجيا في قلب المواجهة
أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت الفضاء الرئيسي الذي تنتشر عبره حملات التضليل المنظمة، ولذلك تتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية مباشرة في الحد من انتشار المحتوى الذي يهدد حياة اللاجئين والعاملين في المجال الإنساني.
وأوضحت المفوضية أنها تعمل مع شركات التكنولوجيا لتطوير أدوات أكثر كفاءة لرصد المحتوى الضار، مع الحفاظ على حرية التعبير وعدم المساس بالنقاش العام المشروع حول قضايا الهجرة واللجوء.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي زادت من سرعة إنتاج المحتوى المزيف، بعدما أصبحت الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية المفبركة أكثر واقعية من أي وقت مضى، وهو ما يفرض على الشركات تطوير أنظمة تحقق أكثر تقدما للكشف عن المحتوى المزيف قبل انتشاره على نطاق واسع.
التزييف العميق يفتح جبهة جديدة
أكد الاتحاد الدولي للاتصالات، خلال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام التي استضافتها جنيف، أن التزييف العميق أصبح من أخطر التحديات التي تواجه البيئة الرقمية، خاصة في أوقات الأزمات الإنسانية والحروب.
وأوضح خبراء القمة أن إنتاج مقاطع فيديو مزيفة تستهدف العاملين في الإغاثة أو اللاجئين قد يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات الإنسانية، ويعطل وصول المساعدات إلى مستحقيها، ويؤدي إلى تصاعد أعمال العنف ضد الفئات المستضعفة.
وشاركت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أعمال القمة، ودعت إلى إدراج أوضاع اللاجئين ضمن النقاشات العالمية الخاصة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن المجتمعات النازحة لا يجب أن تبقى خارج السياسات الدولية المنظمة للتكنولوجيا الحديثة.
تقارير حقوقية ترصد تصاعد الظاهرة
أكدت منظمة العفو الدولية في تقاريرها المتعلقة بالحقوق الرقمية أن خطاب الكراهية ضد اللاجئين والمهاجرين ازداد بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة في عدد من الدول، خاصة خلال فترات الانتخابات والأزمات الاقتصادية، عندما تلجأ بعض الجهات إلى تحميل اللاجئين مسؤولية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية دون وجود أدلة.
كما وثّقت هيومن رايتس ووتش حالات استخدمت فيها حملات التضليل الرقمي لإثارة العداء ضد المهاجرين واللاجئين، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى اعتداءات مباشرة أو إلى فرض قيود على حصولهم على الخدمات الأساسية.
وشددت المنظمة على أن الحكومات مطالبة بالتصدي للمحتوى المحرض على العنف مع احترام المعايير الدولية لحرية التعبير.
الأزمة تمتد إلى التمويل الإنساني
أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حملات التضليل لا تضر اللاجئين فقط، بل تؤثر أيضا في قدرة المنظمات الإنسانية على جمع التمويل اللازم لعملياتها.
وأوضحت أن انتشار السرديات الزائفة حول عمل المنظمات الدولية يضعف ثقة بعض المانحين، في وقت تواجه فيه العمليات الإنسانية أكبر فجوة تمويلية منذ سنوات.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن النداءات الإنسانية العالمية لم تحصل خلال السنوات الأخيرة إلا على جزء من التمويل المطلوب، بينما ارتفعت أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يجعل أي تراجع إضافي في ثقة المانحين عاملا يهدد استمرار برامج الإغاثة.
شراكات دولية لمواجهة التضليل
أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع شركة غوغل، خلال المنتدى العالمي للاجئين عام 2023 مبادرة تعهد أصحاب المصلحة المتعددين بشأن سلامة المعلومات، والتي تستهدف تعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني للحد من انتشار المعلومات المضللة التي تستهدف اللاجئين.
وأكدت المفوضية أن نجاح هذه المبادرات يعتمد على تبادل البيانات والخبرات، وتطوير أدوات تقنية للكشف المبكر عن حملات التضليل، إضافة إلى تدريب العاملين في المجال الإنساني على التعامل مع الأزمات الرقمية بالسرعة نفسها التي يتعاملون بها مع الأزمات الميدانية.
التحدي يتجاوز الحدود
تؤكد الأمم المتحدة أن المعلومات المضللة لا تعترف بالحدود الجغرافية، إذ تستطيع حملة رقمية واحدة أن تنتشر خلال ساعات بين عشرات الدول، وأن تؤثر في الرأي العام وفي سياسات الهجرة واللجوء، بل وأن تخلق توترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين.
وترى المنظمة أن مواجهة هذا النوع من المخاطر تتطلب تنسيقا دوليا واسعا، لأن أي إجراءات محلية لن تحقق نتائج مستدامة إذا استمرت المنصات الرقمية العالمية في السماح بانتشار المحتوى المحرض أو المزيف دون رقابة فعالة.
تحسين العمل الإنساني
ترى الأمم المتحدة أن الذكاء الاصطناعي سيظل أداة تحمل فرصا كبيرة لتحسين العمل الإنساني، سواء في ترجمة المعلومات، أو التنبؤ بالأزمات، أو تسريع الاستجابة للطوارئ، إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب وضع أطر قانونية وأخلاقية واضحة تمنع إساءة استخدام التكنولوجيا ضد الفئات الأكثر ضعفا.
وأكدت جيزيلا لوماكس أن معالجة أزمة المعلومات لم تعد قضية تقنية فقط، بل أصبحت ضرورة إنسانية ترتبط بحماية الأرواح وصون الكرامة الإنسانية، داعية الحكومات وشركات التكنولوجيا والمنظمات الدولية إلى العمل بصورة جماعية لمواجهة المخاطر المتزايدة.
اعتمدت الأمم المتحدة في عام 2019 استراتيجيتها وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية بهدف تعزيز التعاون الدولي للحد من التحريض على العنف والتمييز، مع الحفاظ على حرية التعبير.
كما تشكل اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكول عام 1967 المرجعية القانونية الأساسية لحماية اللاجئين، بينما يضع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الإطار القانوني الذي يوازن بين حماية حرية التعبير ومنع التحريض على الكراهية.
وتعمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وشركات التكنولوجيا على تطوير سياسات لحماية اللاجئين والعاملين في المجال الإنساني من المخاطر الرقمية، في ظل تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في إدارة الأزمات الإنسانية.

