لم تعد قضية الهجرة في ليبيا مجرد ملف أمني أو تحدٍ مرتبط بضبط الحدود، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في شمال إفريقيا ومنطقة البحر المتوسط. فالدولة التي تمتلك حدوداً برية تمتد آلاف الكيلومترات مع ست دول إفريقية أصبحت نقطة جذب وعبور واستقرار مؤقت لمئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الفارين من الحروب والفقر والأزمات المناخية، في حين تواجه السلطات الليبية ضغوطاً متزايدة لإدارة هذا الواقع المتشابك وسط مطالب محلية بالحفاظ على الأمن والخدمات العامة، ودعوات دولية لاحترام حقوق الإنسان والمعايير القانونية الدولية.
وفي أحدث مؤشر على حجم التحدي، كشفت المنظمة الدولية للهجرة عبر برنامج مصفوفة تتبع النزوح أن ليبيا استضافت 936 ألفاً و134 مهاجراً خلال شهرَي يناير وفبراير 2026، مقارنة بـ939 ألفاً و638 مهاجراً خلال نوفمبر وديسمبر 2025، وهي من أعلى الأرقام التي سجلتها المنظمة منذ بدء عمليات الرصد المنتظمة داخل البلاد.
وأوضحت المنظمة أن السودانيين يشكلون 36 بالمئة من إجمالي المهاجرين، يليهم القادمون من النيجر بنسبة 20 بالمئة، ثم المصريون بنسبة 19 بالمئة، والتشاديون بنسبة 9 بالمئة. كما أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن معظم المهاجرين يتمركزون في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة.
خارطة طريق جديدة
وسط هذه الأرقام المتصاعدة، عقدت اللجنة العليا لمتابعة أوضاع الوافدين والمهاجرين غير القانونيين في ليبيا اجتماعها الأول في مدينة بنغازي، واضعة على جدول أعمالها خطة شاملة تستهدف حصر وتصنيف وتنظيم أوضاع الوافدين والمهاجرين الموجودين داخل الأراضي الليبية.
ووفق المعطيات الصادرة عن اللجنة والجهات الرسمية المشاركة، ناقش الاجتماع تطوير آليات التنسيق بين المؤسسات الأمنية والخدمية، وتحسين إدارة مراكز الإيواء، وتعزيز التعاون مع المنظمة الدولية للهجرة والدول المعنية ببرامج العودة الطوعية، إلى جانب دراسة إجراءات إضافية لضبط الحدود والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.
وأكد وزير الداخلية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب عصام أبوزريبة أن السلطات الليبية تسعى إلى معالجة الملف من منظور شامل يوازن بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات الإنسانية، مشدداً على أهمية التنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات المختصة.
عوامل متراكمة
ترتبط أزمة الهجرة في ليبيا بمجموعة من العوامل المتراكمة التي تشكلت على مدى أكثر من عقد. فمنذ عام 2011 تراجعت قدرة الدولة على فرض رقابة كاملة على حدودها الجنوبية الشاسعة، بالتزامن مع تنامي نشاط شبكات تهريب البشر والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الدوافع الاقتصادية ما زالت المحرك الرئيس للهجرة نحو ليبيا، خاصة بين المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تدفع البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الفرص الاقتصادية أعداداً متزايدة من الشباب إلى البحث عن فرص عمل أو عن طريق يؤدي في النهاية إلى أوروبا. كما لعبت النزاعات المسلحة دوراً متزايداً في السنوات الأخيرة، خاصة بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023 وما تبعها من موجات نزوح واسعة.
الحروب وتغير خريطة الهجرة
تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن السودانيين أصبحوا أكبر جنسية بين المهاجرين الموجودين في ليبيا خلال عام 2026. ويعكس هذا التحول التأثير المباشر للحرب المستمرة في السودان التي دفعت مئات الآلاف إلى البحث عن ملاذات بديلة داخل دول الجوار.
وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها السنوي الخاص بليبيا لعام 2025 إلى أنها أولت اهتماماً خاصاً باللاجئين السودانيين الوافدين إلى شرق وجنوب ليبيا، في ظل تزايد أعدادهم والحاجة إلى توفير الحماية والمساعدات الإنسانية الأساسية لهم.
ضغوط على الخدمات والبنية التحتية
تقول السلطات الليبية إن تزايد أعداد الوافدين فرض أعباءً إضافية على قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والإسكان والخدمات البلدية.
ولهذا السبب يواصل جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية تنفيذ حملات ميدانية تستهدف المباني والعقارات المستخدمة لإيواء أعداد كبيرة من المهاجرين بصورة مخالفة للقوانين المحلية. وتؤكد الجهات الأمنية أن هذه الإجراءات تأتي استجابة لشكاوى متكررة من السكان بشأن الاكتظاظ والضغوط الواقعة على الخدمات العامة.
في المقابل، تحذر منظمات حقوقية من أن أي إجراءات تنظيمية يجب أن تراعي حقوق المهاجرين الأساسية، وأن تلتزم بالمعايير الدولية الخاصة بالاحتجاز والإيواء والمعاملة الإنسانية.
الأمم المتحدة
ترسم تقارير الأمم المتحدة صورة أكثر تعقيداً للأزمة. ففي تقرير النتائج السنوي لعام 2025، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن اللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا ما زالوا يواجهون تحديات قانونية واقتصادية واجتماعية كبيرة، تشمل محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية وارتفاع مستويات التمييز الاجتماعي وصعوبات الحصول على السكن والرعاية الصحية والتعليم.
وأوضحت المفوضية أنها قدمت مساعدات وخدمات لأكثر من 117 ألف لاجئ وطالب لجوء وأفراد من المجتمعات المضيفة خلال عام 2025. كما دعمت خدمات صحية استفاد منها أكثر من 13 ألف لاجئ، وأسهمت في مشاريع خدمية وصلت آثارها إلى نحو 300 ألف شخص بين لاجئين ومواطنين ليبيين.
وفي الوقت نفسه، تشير المفوضية إلى أن الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات الرسمية ما زال محدوداً بالنسبة إلى أعداد كبيرة من اللاجئين وطالبي اللجوء، خاصة في ظل تعقيدات الوضع القانوني واشتراطات الإقامة والوثائق الرسمية.
انتقادات حقوقية وتحذيرات أممية
على الجانب الحقوقي، يواصل مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التعبير عن القلق إزاء أوضاع المهاجرين واللاجئين داخل البلاد.
وأشار تقرير أممي صدر عام 2026 إلى وجود أنماط متكررة من الانتهاكات التي يتعرض لها مهاجرون ولاجئون وطالبو لجوء، منها الاحتجاز التعسفي والابتزاز والعنف والاتجار بالبشر. كما دعا التقرير السلطات الليبية إلى تعزيز المساءلة القانونية وملاحقة المتورطين في هذه الانتهاكات، سواء داخل مراكز الاحتجاز أو خارجها.
وتؤكد منظمات حقوقية دولية، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقاريرها المتعاقبة خلال السنوات الماضية، أن شبكات الاتجار بالبشر واستغلال المهاجرين ما زالت تمثل أحد أبرز التحديات الحقوقية المرتبطة بملف الهجرة في ليبيا.
طريق البحر المتوسط الأكثر خطورة
لا تنتهي معاناة كثير من المهاجرين عند الوصول إلى ليبيا. فبالنسبة لآلاف الأشخاص، تمثل البلاد محطة عبور نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى استمرار وقوع حوادث غرق مميتة على هذا الطريق. ففي فبراير 2026 أعلنت المنظمة مقتل أو فقدان 53 مهاجراً بعد غرق قارب قبالة السواحل الليبية، بينهم أطفال. كما حذرت المنظمة من أن الأشهر الأولى من عام 2026 سجلت أحد أعلى معدلات الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط منذ بدء عمليات الرصد الدولية.
بين السيادة الوطنية والقانون الدولي
“تنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ السيادة الوطنية للدول، كما تؤكد المنظمة الدولية للهجرة في أدبياتها الخاصة بإدارة الهجرة أن للدول الحق في إدارة حدودها وتنظيم دخول وإقامة الأجانب وفق تشريعاتها الوطنية، شريطة الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان”.
لكن القانون الدولي يفرض في الوقت ذاته مجموعة من الالتزامات المتعلقة بحماية اللاجئين وطالبي اللجوء ومنع الإعادة القسرية إلى أماكن قد يتعرض فيها الأشخاص للخطر أو الاضطهاد. كما تلزم المعايير الدولية الدول بضمان المعاملة الإنسانية لجميع المهاجرين بصرف النظر عن وضعهم القانوني.
ولهذا السبب “أكدت المنظمة الدولية للهجرة في إطار الحوكمة العالمية للهجرة أن الإدارة الفعالة لأزمة الهجرة تتطلب الموازنة بين أمن الحدود وحماية حقوق المهاجرين، في حين شددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على ضرورة ضمان الوصول إلى إجراءات الحماية الدولية لطالبي اللجوء”.
خارطة الطريق كما تطرحها المؤسسات الدولية
تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن الإدارة المستدامة للهجرة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل تطوير أنظمة التسجيل والتوثيق، وتعزيز إدارة الحدود، وتوسيع برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج، وتحسين ظروف الاستقبال والإيواء، وتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والمقصد.
كما شددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقاريرها الخاصة بليبيا على أهمية ضمان الوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية الدولية، وتحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة.
من جانبها، دعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إلى تعزيز المساءلة القانونية عن الانتهاكات المرتكبة بحق المهاجرين واللاجئين، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، وضمان توافق السياسات الوطنية مع الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان.

