تتصاعد في ليبيا، خصوصًا في شرق البلاد، مؤشرات أزمة جديدة في ملف الهجرة غير النظامية، مع تواتر عمليات إنقاذ واعتراض قوارب مهاجرين، وتكرار العثور على جثث ألقتها الأمواج على شواطئ شرقية وغربية خلال الأيام الأخيرة.
ولا تعكس هذه الوقائع مجرد زيادة موسمية مرتبطة بتحسن الطقس، بل تكشف، وفق خبراء وبيانات دولية، عن تحول أعمق في مسارات الهجرة من ليبيا، وازدياد دور الشرق الليبي في تنظيم الرحلات البحرية باتجاه اليونان، وخاصة جزيرة كريت.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تحوّلت ليبيا إلى محطة عبور رئيسية لمهاجرين فارين من النزاعات والفقر في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، وسط انقسام سياسي وأمني بين سلطتين متنافستين في الشرق والغرب.
لكن السنوات الأخيرة أظهرت انتقالًا تدريجيًا في جزء من مسارات الانطلاق من الغرب الليبي باتجاه الشرق، حيث أصبحت مناطق مثل طبرق ودرنة والبريقة وسلوق جزءًا من خريطة التهريب البحري، بعدما كانت أقل حضورًا في عمليات المغادرة.
مسارات شرقية جديدة
تزايد الانطلاق من الشرق لا ينفصل عن تغيرات السيطرة الأمنية والاقتصاد غير الرسمي في المنطقة، ولا يتعلق الأمر بقوارب عابرة تُجهز على نحو عشوائي فقط، بل بشبكة واسعة من المصالح المرتبطة بالهجرة، فتهريب البشر خلق اقتصادًا محليًا يستفيد منه مهربون، وسائقو سيارات، وأصحاب منازل، وموردو طعام وخبز، وحتى فنادق صغيرة أو مخازن تستخدم مؤقتًا لإيواء المهاجرين قبل الانطلاق.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن ليبيا كانت تضم 939,638 مهاجرًا في نوفمبر وديسمبر 2025، موزعين على 100 بلدية، وهو أعلى رقم تسجله مصفوفة تتبع النزوح منذ بدء جمع البيانات.
ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 14% على الفترة نفسها من عام 2024، بينما يتركز معظم المهاجرين في غرب ليبيا بنسبة 51%، يليهم الشرق بنسبة 38%، ثم الجنوب بنسبة 11%.
وأحد أبرز التحولات الحديثة يتمثل في صعود الممر البحري بين ليبيا واليونان، خصوصًا باتجاه جزيرة كريت، ووفق “مركز الهجرة المختلطة” لشمال إفريقيا، سجلت كريت 19,857 وافدًا غير نظامي خلال عام 2025، بزيادة 285% مقارنة بعام 2024، ما يعكس تحولًا واضحًا في المسارات بعيدًا عن الطريق التقليدي نحو إيطاليا ومالطا.
وفي الربع الأول من عام 2026، ظل المسار الليبي نحو كريت قائمًا رغم تراجع طفيف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وذكر مركز الهجرة المختلطة أن ليبيا بقيت نقطة الانطلاق الرئيسية في وسط المتوسط، مع بروز كريت كوجهة رئيسية للرحلات الخارجة من شرق ليبيا.
ويعكس هذا التحول محاولة من شبكات التهريب لتجنب اعتراضات خفر السواحل في المسارات الغربية، والبحث عن طرق أطول لكنها أقل مراقبة نسبيًا، غير أن طول الرحلة ووعورة الانطلاق من شواطئ صخرية يزيدان مخاطر الغرق، خاصة عندما يُدفع المهاجرون إلى قوارب مطاطية رديئة التجهيز.
قوارب تصنع الموت
يلعب نوع القارب دورًا حاسمًا في مصير الرحلة. فبحسب لملوم، تستخدم شبكات التهريب نوعين أساسيين من القوارب، الأول قوارب مطاطية رخيصة، غالبًا ما تُستخدم لنقل المهاجرين الأفقر، خصوصًا من دول إفريقيا جنوب الصحراء والسودان، وتصل كلفة الرحلة فيها إلى نحو ألف دولار للشخص، هذه القوارب غير مجهزة لعبور مسافات طويلة، وقد تُنفخ بسرعة على شواطئ غير معروفة أو صخرية، دون وقود كافٍ أو وسائل إنقاذ.
أما النوع الثاني فهو القوارب الخشبية، التي تكون عادة أفضل تجهيزًا، وتضم وقودًا إضافيًا وهواتف اتصال ومحركات احتياطية، لكنها أكثر كلفة، إذ قد تصل أرباح التهريب فيها إلى 6 آلاف دولار عن الشخص الواحد.
وتتسق هذه الشهادات مع تحذيرات المنظمات الدولية من أن وسط المتوسط ما يزال من أخطر طرق الهجرة عالميًا، ففي 2025 وحده، اعترضت الجهات الليبية وأعادت إلى ليبيا 26,940 شخصًا في البحر، بزيادة 24% عن عام 2024، وفق تحديث مركز الهجرة المختلطة اعتمادًا على بيانات المنظمة الدولية للهجرة.
المشكلة لا تنتهي عند اعتراض القوارب؛ فبحسب تقرير مشترك صدر في فبراير 2026 عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يتعرض المهاجرون وطالبو اللجوء واللاجئون في ليبيا لنمط من الانتهاكات المنهجية، يشمل القتل، والتعذيب، والاتجار، والابتزاز، والعمل القسري، والعنف الجنسي، والاحتجاز التعسفي.
ووصف التقرير هذه الانتهاكات بأنها جزء من “نموذج عمل عنيف” قائم على الاستغلال.
بيئات خصبة للانتهاكات
وذكر مكتب حقوق الإنسان أن المهاجرين بعد إنزالهم في ليبيا يُحتجزون في مراكز تمثل بيئات خصبة للانتهاكات، بما يشمل الاستعباد، والتعذيب، وسوء المعاملة، والعمل القسري، والدعارة القسرية، والعنف الجنسي، والابتزاز، ومصادرة الوثائق والممتلكات وإعادة بيعها.
ونقلت رويترز عن تقرير الأمم المتحدة أن الانتهاكات، بين يناير 2024 وديسمبر 2025، طالت مهاجرين من إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، وأن بعض الشبكات المرتبطة بالاتجار لها صلات بجهات ليبية أو جماعات إجرامية عابرة للحدود، مع دعوة أممية لوقف إعادة المهاجرين إلى ليبيا إلى حين ضمان حمايتهم الحقوقية.
تكرار العثور على جثث المهاجرين في ليبيا بات مؤشرًا إضافيًا على فداحة الأزمة، ففي يناير 2026، أفادت رويترز بالعثور على 21 جثة لمهاجرين في مقبرة جماعية شرق ليبيا، قرب أجدابيا، مع تقارير عن نجاة نحو 10 أشخاص ظهرت عليهم آثار تعذيب بعد تحريرهم من الاحتجاز.
وفي قضية مرتبطة، قالت وكالة أسوشيتد برس إن السلطات الليبية تعتزم محاكمة عضو في شبكة إجرامية مرتبطة بمقبرة جماعية ضمت 21 مهاجرًا، بعدما أشارت الأدلة إلى احتجاز وتعذيب 195 مهاجرًا لابتزاز عائلاتهم.
وليست هذه الواقعة معزولة، ففي فبراير 2025، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة قلقها الشديد بعد اكتشاف مقبرتين جماعيتين في ليبيا، ودعت إلى تحقيقات عاجلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ضد المهاجرين.
أطفال بلا حماية
وتثير أوضاع الأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء قلقًا خاصًا، فقد أصدرت 17 منظمة وجمعية ليبية في أبريل 2026 بيانًا مشتركًا أعربت فيه عن قلقها من احتجاز الأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا في ظل غياب منظومة حماية فعالة.
ويؤكد حقوقيون أن احتجاز القُصّر داخل مراكز لا تراعي احتياجاتهم يضاعف مخاطر العنف والاستغلال والصدمات النفسية.
وتقول اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إنها قلقة من تقارير عن إطلاق أكثر من 200 مهاجر من مركز احتجاز سري في منطقة الكفرة، بينهم نساء وأطفال، كانوا محتجزين في ظروف غير إنسانية، كما دعت إلى تحقيقات ومساءلة بشأن المقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السرية.
ولا يمكن فصل أزمة الهجرة في ليبيا عن سياسات الاتحاد الأوروبي، فقد دعمت دول أوروبية، خصوصًا إيطاليا، خفر السواحل الليبي وبرامج إدارة الحدود، بهدف تقليل الوافدين إلى أوروبا، لكن هذا التعاون يواجه انتقادات متزايدة بسبب إعادة أشخاص إلى بلد لا تعتبره المنظمة الدولية للهجرة ميناءً آمنًا للمهاجرين، ففي تحديث بحري للمنظمة في ديسمبر 2025، أكدت صراحة أن ليبيا ليست ميناء آمنًا للمهاجرين.
ويدرس الاتحاد الأوروبي دعم إنشاء مركز تنسيق للإنقاذ البحري في بنغازي، على غرار هياكل مدعومة في غرب ليبيا، غير أن منظمات حقوقية وإنسانية سبق أن حذّرت من توسيع التعاون مع خفر السواحل الليبي، بسبب وقائع موثقة خلال عمليات الاعتراض في البحر، وما يليها من احتجاز وانتهاكات.
