منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لبنان بين الحرب وتجريف الأرض.. الغذاء تحت التهديد والنساء في قلب المعركة

08 مايو 2026
مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في جنوب لبنان تضررت نتيجة الحرب
مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في جنوب لبنان تضررت نتيجة الحرب

لم تعد الحرب في جنوب لبنان تُقاس فقط بعدد الغارات أو الخرائط العسكرية، بل أيضًا بما تتركه من أثر طويل على الأرض نفسها؛ حقول مهجورة، أشجار محترقة، محاصيل ضائعة، وقرى فقدت قدرتها على الزراعة بوصفها مصدر رزق وركيزة صمود.

وخلال العامين الأخيرين، تحولت الزراعة في الجنوب من نشاط اقتصادي موسمي إلى قطاع يواجه خطر الانكماش البنيوي، مع اتساع رقعة الاستهداف المباشر للأراضي الزراعية والبنية الريفية، وتزايد النزوح، وتعطل الوصول إلى الحقول، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع القدرة على الاستمرار.

وفي هذا السياق، لم تعد القضية مجرد خسائر مادية في المواسم، بل أزمة حقوقية وإنسانية تمس الحق في العمل، والحق في الغذاء، والحق في السكن الآمن، والحق في البقاء على الأرض.

ويعطي أحدث تقييم دولي واسع للحرب على القطاع الزراعي صورة شديدة الوضوح عن هذا الأثر، ففي تقريره عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب على لبنان، قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن الحرب أجبرت المزارعين على هجر أكثر من 12 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في محافظتي النبطية والجنوب.

كما وثّق التقرير تضرر أو تدمير 2,193 هكتارًا بفعل المواد الحارقة، بينها 1,917 هكتارًا من الغابات و275 هكتارًا من الأراضي الزراعية، وتضمّنت الخسائر 134 هكتارًا من بساتين الزيتون و48 هكتارًا من الحمضيات و44 هكتارًا من الموز و15 هكتارًا من أشجار الفاكهة الأخرى.

وهذه الأرقام لا تعني فقط تلفًا في موسم واحد، بل استنزافًا للأصول الزراعية نفسها، وخاصة الأشجار المعمرة والبنية الإيكولوجية التي تحتاج سنوات طويلة للتعافي.

خطر يمتد للأمن الغذائي

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن الخطر لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى الأمن الغذائي في بلد يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية ومعيشية عميقة.

وفي موادها الخاصة بلبنان خلال 2025، وصفت المنظمة النزاع الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأنه تهديد مباشر للأراضي الزراعية ولإنتاج الغذاء ولسُبل عيش المجتمعات الريفية، ونشرت تقريرين مخصصين لتقييم الأضرار والخسائر الزراعية والتغيرات التي طالت الغطاء النباتي الزراعي والحرجي خلال الحرب.

كما أشارت إلى أن استمرار النزاع يدفع البلاد نحو مخاطر أعلى من انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في المناطق الحدودية التي تتركز فيها الزراعة الأسرية الصغيرة.

ومن الناحية الحقوقية، ترى منظمة “العفو الدولية” أن ما جرى في جنوب لبنان لا يمكن اختزاله في “أضرار جانبية” لحرب حدودية، ففي تقريرها الصادر في أغسطس 2025، قالت المنظمة إن الجيش الإسرائيلي ألحق دمارًا واسعًا بالبنى المدنية والأراضي الزراعية في جنوب لبنان بين أكتوبر 2024 ويناير 2025، وإن هذه الأعمال نُفذت، في حالات كثيرة، في غياب ضرورة عسكرية ظاهرة وباستخدام الجرافات والمتفجرات، بما قد يرقى إلى جرائم حرب.

وأضافت أن أكثر من 10 آلاف منشأة دُمّرت أو تضررت بشدة، وأن التدمير شمل منازل وطرقًا ومقابر ومساحات زراعية، بما يعكس نمطًا من الإتلاف المتعمد للأرض ومقومات العيش، لا مجرد اشتباك عسكري عابر.

استهداف المدنيين

تتقاطع هذه الخلاصة مع موقف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي قالت في فبراير 2025 إن القوات الإسرائيلية واصلت بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ استهداف المدنيين العائدين إلى منازلهم في الجنوب، إلى جانب هدم المساكن وتدمير المحاصيل والبنية التحتية باستخدام الدبابات والجرافات والأسلحة الثقيلة.

ويعني ذلك أن تضرر الزراعة في الجنوب لم يكن نتيجة القصف خلال المواجهات فقط، بل استمر أيضًا في مرحلة ما بعد التهدئة، بما فاقم تعقيد عودة السكان واستئناف النشاط الزراعي.

كما يبرز في هذا السياق ملف الفوسفور الأبيض والمواد الحارقة، وهو من أكثر الملفات ارتباطًا بالأرض الزراعية مباشرة، ففي مراسلة أممية مشتركة نشرها مقررو الأمم المتحدة في يناير 2025، ورد أن التعرض للفوسفور الأبيض في لبنان تسبب، وفق وزارة الصحة اللبنانية حتى مايو 2024، في إصابة 173 شخصًا على الأقل، وأن استخدام هذه الذخائر ألحق حرائق وأضرارًا بالمنازل والأراضي الزراعية والأعيان المدنية.

وتصف المراسلة الأممية هذه الوقائع باعتبارها مصدر قلق بالغ في ضوء القواعد الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الحارقة في ظروف معينة وتمنع الهجمات غير المتناسبة أو غير المميزة في المناطق المدنية.

موجات نزوح واسعة

ولا يمكن فصل هذه الضربات عن موجات النزوح الواسعة التي فرغت القرى الجنوبية من سكانها ومزارعيها خلال فترات طويلة، فبحسب خطة الاستجابة لأزمة لبنان 2025، أدى التصعيد بين 8 أكتوبر 2023 و24 نوفمبر 2024 إلى نزوح ما لا يقل عن 899,725 شخصًا داخل البلاد.

هذا النزوح لم يكن مجرد حركة سكانية مؤقتة، بل انقطاعًا فعليًا عن الأرض والعمل والمواسم، خصوصًا في القرى التي تعتمد على الزراعة الصغيرة والمتوسطة، كما قالت المنظمة الدولية للهجرة في مارس 2026 إن عدد المتأثرين بالأزمة تجاوز مليون شخص، وهو ما يعكس استمرار آثار الحرب على المجتمعات المحلية حتى بعد مراحل التهدئة.

ومن داخل هذه الأزمة، تبرز النساء بوصفهن أكثر من مجرد فئة “مساندة” في الاقتصاد الريفي، فوفق تقرير الأمم المتحدة للمرأة عن الإطار التشريعي للنساء في قطاع الأغذية والزراعة في لبنان، تشكل النساء في المناطق الريفية 43% من القوة العاملة الزراعية، وهذا الرقم يكتسب دلالة مضاعفة في لحظة الحرب، لأن الضرر الذي يصيب الزراعة يصيب مباشرة مصدر رزق قسم كبير من النساء، كما يمس أدوارهن في تأمين الغذاء والدخل الأسري والبقاء المجتمعي.

وفي 2025 و2026، كثفت وكالات الأمم المتحدة، ومنها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والأمم المتحدة للمرأة وفاو، دعمها لمبادرات تعافٍ وتعاونيات ريفية تقودها نساء في الجنوب ومناطق أخرى، ما يعكس اعترافًا دوليًا بأن النساء لسن فقط من المتضررات من الحرب، بل أيضًا من أهم الفاعلات في إعادة بناء الاقتصاد المحلي بعد النزاع.

أزمة اقتصادية ممتدة

من الناحية الرسمية، تبدو الحاجة إلى هذا الدعم مفهومة في ضوء ما يعيشه لبنان أصلًا من أزمة اقتصادية ممتدة، فالبنك الدولي أكد في 2024 أن الفقر في لبنان ارتفع إلى 44% في 2022 بعد أن كان 12% في 2012، وأن البلاد تعاني واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وفي بلد بهذا المستوى من الهشاشة، فإن ضرب الزراعة في الجنوب لا يُفهم بوصفه أزمة قطاعية منفصلة، بل كجزء من انهيار أوسع في القدرة على الصمود، وخصوصًا في المجتمعات الريفية التي تعتمد على الأرض لتأمين الغذاء والدخل معًا.

كما أن أثر الحرب الزراعي يتقاطع مع أزمة صحية وإنسانية أوسع. فـمنظمة الصحة العالمية قالت إن لبنان شهد منذ أكتوبر 2023 وحتى فبراير 2025 أكثر من 4,100 قتيل وأكثر من 17,300 جريح، في حين وثقت 137 هجومًا على الرعاية الصحية حتى 18 نوفمبر 2024، أسفرت عن 226 قتيلًا و199 جريحًا من المرضى والعاملين الصحيين.

وعندما تتعرض الخدمات الصحية نفسها لهذا المستوى من الضغط، تصبح قدرة المجتمعات الزراعية المنكوبة على تلقي العلاج والرعاية والاستجابة للطوارئ أضعف بكثير، خصوصًا مع انتشار الإصابات المرتبطة بالحرب والحرائق والذخائر والمخاطر البيئية.

حقوقيًا، تتجاوز المسألة حدود الخسائر الاقتصادية إلى سؤال أعمق، هل يمكن اعتبار تدمير الأراضي الزراعية وتجريفها وحرقها واستهداف مقومات العيش الريفي مجرد نتيجة عرضية للعمليات العسكرية؟ مواقف العفو الدولية ومفوضية حقوق الإنسان ومواد المراجعة الحقوقية للبنان في آليات الأمم المتحدة تميل إلى العكس؛ فهي تتحدث عن أضرار واسعة للأعيان المدنية، وعن استخدام مواد حارقة في مناطق مأهولة.

وهذا يعني أن قضية الزراعة في الجنوب ليست شأنًا تنمويًا فقط، بل أيضًا قضية حماية مدنيين وأرض وسبل عيش في ظل قواعد القانون الدولي الإنساني.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية