في أحد الأحياء الطرفية لمدينة راولبندي في باكستان، يجلس أطفال أفغان داخل غرف بسيطة تحولت إلى صفوف دراسية غير رسمية، حيث يستخدم المعلمون المتطوعون “سبّورات” صغيرة وكتباً مستعملة، بينما يعتمد جزء من الدروس على هواتف محمولة واتصال إنترنت متقطع.. هؤلاء الأطفال لا يواجهون فقط تحديات الفقر أو اللجوء، بل يقفون أمام عائق أكثر تعقيداً يتمثل في غياب وثائق الهوية التي تحول دون تسجيلهم في المدارس الحكومية وحرمانهم من التعليم النظامي.
أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، في تقرير لها، أن باكستان تستضيف واحداً من أكبر تجمعات اللاجئين الأفغان في العالم، بأكثر من 3.2 مليون لاجئ أفغاني بين مسجلين وغير مسجلين، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال في سن التعليم الأساسي، وأكدت اللجنة الوطنية لحقوق الطفل في باكستان أن 28 بالمئة فقط من الأطفال اللاجئين تمكنوا من الالتحاق بالمدارس الرسمية أو المراكز التعليمية المدعومة من الأمم المتحدة، بينما يبقى 72 بالمئة خارج النظام التعليمي بسبب غياب الوثائق الرسمية المطلوبة للتسجيل.
أزمة الوثائق كحاجز تعليمي
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن نقص وثائق الهوية وشهادات الميلاد يمثل أحد أبرز العوائق أمام وصول الأطفال اللاجئين إلى التعليم في باكستان، حيث تربط السلطات التعليمية التسجيل المدرسي بوجود إثبات قانوني للهوية أو الإقامة، وتوضح المنظمة أن آلاف الأطفال الأفغان فقدوا وثائقهم خلال موجات النزوح المتكررة منذ عام 2021، ما جعلهم غير قادرين على الالتحاق بالمدارس أو استكمال تعليمهم.
وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي 2025 إلى أن سياسات التسجيل المدرسي في باكستان تؤدي عملياً إلى استبعاد غير مباشر للأطفال اللاجئين غير الموثقين، معتبرة أن هذا الواقع يشكل انتهاكاً لحق أساسي من حقوق الطفل في التعليم دون تمييز، كما نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها باكستان.
أرقام تعكس فجوة التعليم
توضح بيانات اليونيسف أن أكثر من 50 بالمئة من الأطفال اللاجئين الأفغان في باكستان لا يحصلون على تعليم منتظم، بينما ترتفع معدلات الانقطاع بين الفتيات بشكل أكبر نتيجة العوائق الاجتماعية والاقتصادية ونقص الموارد داخل الأسر اللاجئة، كما تشير تقديرات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في بيئات النزوح يكونون أكثر عرضة للانخراط في العمل المبكر بنسبة تصل إلى 40 بالمئة مقارنة بأقرانهم في التعليم النظامي.
وتؤكد اليونسكو في تقريرها العالمي للتعليم في حالات الطوارئ أن جنوب آسيا تستضيف واحدة من أعلى نسب الأطفال اللاجئين خارج التعليم النظامي، مع تقديرات تتجاوز 5 ملايين طفل في المنطقة، بينهم أعداد كبيرة من الأفغان المقيمين في باكستان وإيران.
تعليم بديل خارج النظام الرسمي
في مواجهة غياب المدارس الرسمية، ظهرت مبادرات مجتمعية يقودها لاجئون أفغان داخل باكستان، ففي مدينة راولبندي أسس معلمان أفغانيان مركزاً تعليمياً غير رسمي يتيح للأطفال دراسة مواد أساسية مثل الرياضيات واللغات والعلوم باستخدام موارد محدودة وتبرعات محلية، وفي مناطق أخرى مثل محمدي تشوك، تعتمد العائلات على المساجد والمراكز الاجتماعية لتقديم دروس تعليمية غير رسمية للأطفال.
ويؤكد القائمون على هذه المبادرات أن الهدف الأساسي هو منع انقطاع الأطفال عن التعليم كلياً، لكنهم يواجهون تحديات كبيرة تشمل نقص التمويل وعدم الاعتراف الرسمي بالشهادات، ما يمنع الطلاب من الانتقال لاحقاً إلى المدارس الحكومية أو استكمال تعليمهم بشكل نظامي.
وفي تقرير صادر عن منظمة إنقاذ الطفولة الدولية عام 2025، تشير المنظمة إلى أن التعليم غير الرسمي في سياقات اللجوء غالباً ما يبقى حلاً مؤقتاً لا يعوض غياب النظام التعليمي الرسمي، خاصة عندما لا تحظى هذه المبادرات بالدعم الحكومي أو الاعتراف القانوني.
الإطار القانوني الدولي لحق التعليم
تنص اتفاقية حقوق الطفل على أن التعليم حق أساسي لكل طفل دون تمييز، بما في ذلك الأطفال اللاجئون، كما تلزم اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين الدول المستضيفة بتوفير فرص التعليم الأساسي للاجئين على قدم المساواة مع المواطنين، أو على الأقل عدم حرمانهم منه بسبب وضعهم القانوني.
وتؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن ربط التعليم بالوثائق القانونية يؤدي إلى خلق فجوة بين الالتزامات الدولية والتطبيق العملي، حيث يجد الأطفال غير الموثقين أنفسهم خارج النظام التعليمي رغم استيفائهم الشروط العمرية والمعرفية.
أزمة هوية تتحول إلى أزمة حماية
تحذر منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2025 من أن غياب الوثائق لا يقتصر على حرمان الأطفال من التعليم فقط، بل يمتد إلى فقدان الحماية القانونية، حيث يصبح الأطفال غير المسجلين أكثر عرضة للاستغلال والعمل القسري والزواج المبكر، خصوصاً في البيئات الفقيرة.
وتشير المنظمة إلى أن الفتيات اللاجئات يواجهن مستويات أعلى من الإقصاء التعليمي بسبب تقاطع الفقر مع القيود الاجتماعية، حيث تعطي بعض الأسر الأولوية لتعليم الذكور في ظل الموارد المحدودة.
كما توضح منظمة الأمم المتحدة للمرأة أن غياب التعليم للفتيات اللاجئات يزيد من احتمالات الفقر طويل الأمد ويضعف فرص الاندماج الاجتماعي في المستقبل.
ضغوط على النظام التعليمي الباكستاني
تواجه الحكومة الباكستانية تحديات كبيرة في التعامل مع ملف اللاجئين الأفغان، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع أعداد السكان غير المسجلين في المدن الكبرى، وتؤكد وزارة التخطيط الباكستانية أن المدارس الحكومية تعمل بطاقةٍ تفوق قدراتها في بعض المناطق الحدودية، ما يجعل إدماج الأطفال غير الموثقين تحدياً إدارياً ومالياً.
وفي المقابل، تطالب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتبني سياسات تسجيل مرنة تسمح للأطفال اللاجئين بالالتحاق بالمدارس حتى في غياب الوثائق الكاملة، مع توفير آليات لاحقة لتسوية أوضاعهم القانونية.
الفجوة بين القانون والتطبيق
توضح تقارير الأمم المتحدة، وعلى رأسها تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، أن باكستان صادقت على الاتفاقيات الدولية الأساسية لحقوق الطفل، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدول بضمان التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي دون أي تمييز، كما تؤكد هذه الاتفاقيات أن حق التعليم يجب أن يشمل جميع الأطفال داخل إقليم الدولة، بغض النظر عن وضعهم القانوني أو وثائقهم الرسمية.
ورغم هذا الالتزام القانوني الواضح، تشير تقارير يونيسف لعام 2025 إلى أن التطبيق العملي داخل باكستان لا يزال يواجه فجوة واسعة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، نتيجة القيود الإدارية المرتبطة بالتسجيل المدرسي وضعف القدرة الاستيعابية لبعض المدارس الحكومية في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية للاجئين.
وفي السياق نفسه، تؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في تقاريرها الأخيرة أن ربط الالتحاق بالتعليم بوجود إقامة قانونية أو وثائق هوية رسمية يخلق ما تصفه بفجوة هيكلية في الوصول إلى التعليم، تؤدي عملياً إلى إقصاء الأطفال الأكثر هشاشة، خصوصاً الأطفال اللاجئين غير الموثقين، وتشير المفوضية إلى أن هذا النمط من السياسات الإدارية لا يتعارض فقط مع مبدأ عدم التمييز في القانون الدولي، بل يفاقم أيضاً من هشاشة الأطفال في بيئات اللجوء، حيث يصبح التعليم امتيازاً مرتبطاً بالإجراءات القانونية بدلاً من كونه حقاً أساسياً، كما تحذر منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها لعام 2025 من أن هذه الفجوة بين الالتزامات الدولية والتطبيق المحلي تؤدي إلى نتائج طويلة الأمد تشمل ارتفاع معدلات التسرب المدرسي وتزايد مخاطر عمالة الأطفال، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على المجتمعات المضيفة ويضعف فرص الاندماج الاجتماعي للاجئين.
أطفال خارج المستقبل
يحذّر خبراء التعليم في حالات الطوارئ من أن استمرار حرمان الأطفال اللاجئين من التعليم لا يقتصر على كونه فجوة تعليمية مؤقتة، بل يمثل مساراً طويل الأمد لإعادة إنتاج الفقر والهشاشة الاجتماعية، وتشير الشبكة العالمية للتعليم في حالات الطوارئ إلى أن الطفل الذي يبقى خارج المدرسة لمدة ثلاث سنوات أو أكثر يواجه احتمالاً مرتفعاً للانقطاع النهائي عن التعليم، إذ تتراجع فرص عودته إلى النظام التعليمي الرسمي بشكل كبير مع تقدم العمر، خصوصاً في البيئات التي تفتقر إلى برامج إدماج مرنة أو دعم نفسي وتعليمي مخصص.
وتوضح منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في تقاريرها العالمية لعام 2025 أن الأطفال خارج التعليم هم أكثر عرضة للدخول المبكر إلى سوق العمل، حيث ترتفع معدلات عمالة الأطفال في حالات النزوح والفقر إلى مستويات تتجاوز المعدلات الوطنية في بعض الدول بثلاثة إلى أربعة أضعاف، مع تركيز أعلى في الأعمال الهشة وغير المنظمة التي تفتقر إلى الحماية القانونية، كما تشير المنظمة إلى أن كل سنة إضافية يقضيها الطفل خارج المدرسة تقلل بشكل ملحوظ من فرصه في الحصول على دخل مستقر في المستقبل، وتزيد من احتمالات بقائه ضمن دائرة الفقر متعدد الأبعاد.
وتضيف منظمة العمل الدولية في تقاريرها الحديثة أن حرمان الأطفال من التعليم يرتبط مباشرة بزيادة احتمالات العمل القسري والزواج المبكر والانخراط في أنشطة غير قانونية في بعض السياقات الهشة، خاصة في مناطق النزوح طويلة الأمد.
وتشير بياناتها إلى أن الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في بيئات اللجوء أكثر عرضة للانخراط في العمل غير النظامي بنسبة قد تتجاوز 40 بالمئة مقارنة بأقرانهم في التعليم الرسمي، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين التعليم والحماية الاجتماعية.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، يوضح البنك الدولي في دراساته حول اقتصادات التعليم أن كل سنة تعليم إضافية للفرد يمكن أن ترفع دخله المستقبلي بما يتراوح بين 8% و10%، بينما يؤدي انخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس في مجتمعات اللاجئين إلى خسائر تراكمية في رأس المال البشري تمتد لعقود، كما يشير البنك الدولي إلى أن الاستثمار في تعليم اللاجئين لا يعود بالنفع على الأفراد فقط، بل ينعكس أيضاً على استقرار المجتمعات المضيفة من خلال تقليل معدلات الجريمة وتعزيز فرص الاندماج الاجتماعي.
وتؤكد اليونسكو في تقاريرها حول التعليم في حالات الطوارئ أن توفير التعليم للأطفال اللاجئين يسهم في تقليل التوترات الاجتماعية داخل المجتمعات المضيفة، لأنه يحد من الفوارق الاقتصادية ويمنع نشوء أجيال مهمشة قد تصبح أكثر عرضة للاستغلال أو التطرف، وتشير المنظمة إلى أن المجتمعات التي تضمن وصول اللاجئين إلى التعليم الأساسي بشكل منظم تحقق مستويات أعلى من الاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل مقارنة بالمجتمعات التي تُبقي شرائح واسعة من الأطفال خارج النظام التعليمي.
كما تربط المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بين التعليم والحماية، مؤكدة أن المدرسة تمثل أحد أهم أشكال الحماية غير المباشرة للأطفال اللاجئين، لأنها تقلل من مخاطر الاستغلال والعمل القسري والانفصال الأسري، وتشير بيانات المفوضية إلى أن الأطفال اللاجئين الذين يتمكنون من الالتحاق بالتعليم النظامي لديهم فرص أفضل بكثير في الاندماج المجتمعي وإعادة بناء حياتهم في سياقات اللجوء أو العودة الطوعية لاحقاً.
وبذلك يتضح من مجمل هذه التقارير أن غياب التعليم لا يمثل مجرد حرمان من المعرفة، بل يخلق سلسلة مترابطة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي تمتد عبر حياة الطفل، وتنعكس لاحقاً على استقرار المجتمعات المضيفة وفرص التنمية طويلة الأمد.
تجدر الإشارة إلى أن موجات اللجوء الأفغاني إلى باكستان بدأت منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، وتكررت لاحقاً خلال الحرب الأهلية وصعود حركة طالبان عام 1996، ثم بعد عام 2001 وصولاً إلى موجة النزوح الكبرى عام 2021، وتعد باكستان اليوم من أكبر الدول المستضيفة للاجئين الأفغان عالمياً إلى جانب إيران، وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومع استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية في أفغانستان، يظل ملف اللاجئين من أكثر الملفات تعقيداً في جنوب آسيا، خاصة في ما يتعلق بحقوق الأطفال والتعليم والحماية القانونية.

