منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين يدفع الفقر الأطفال إلى العمل.. كيف تتآكل فرص التعليم في باكستان؟

06 مايو 2026
ملايين الأطفال في باكستان خارج المدرسة
ملايين الأطفال في باكستان خارج المدرسة

لا يرتبط تراجع تعليم الأطفال دائمًا بغياب المدارس في حد ذاته، بل كثيرًا ما يرتبط بعجز الأسر عن تحمّل كلفة البقاء داخل المنظومة التعليمية، ففي باكستان، تدفع الضغوط الاقتصادية المتفاقمة وارتفاع تكاليف المعيشة أعدادًا كبيرة من العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها القاسية، بحيث يتراجع التعليم من كونه حقًا أساسيًا لا يجوز المساس به، إلى عبء مالي يصعب احتماله أمام الحاجة إلى دخل سريع يضمن الحد الأدنى من البقاء.

وفي هذا السياق، لا يبدو التسرب المدرسي مجرد قرار فردي أو خيار أسري معزول، بل نتيجة مباشرة لتقاطع الفقر مع هشاشة الحماية الاجتماعية وضعف قدرة الدولة على إبقاء الأطفال داخل المدارس.

وعندما تضطر الأسرة إلى المفاضلة بين مصاريف التعليم ومتطلبات الغذاء والسكن والعمل، يصبح الطفل أكثر عرضة للانقطاع عن الدراسة والدخول المبكر إلى سوق العمل، بما يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من الاستغلال ويضعف فرصه في المستقبل.

الملايين خارج المدارس

تشير بيانات الأمم المتحدة واليونيسف إلى أن ما بين 25 و26 مليون طفل في باكستان خارج المدرسة، أي ما يقارب 35% من الأطفال في سن الدراسة، أكثر من نصفهم من الفتيات، وهو ما يضع البلاد بين أعلى دول العالم من حيث الحرمان التعليمي.

ولا تعكس هذه الأرقام فقط أزمة في الالتحاق بالتعليم، بل تكشف أيضًا عن اتساع الفجوة بين ما تنص عليه الحقوق الأساسية للطفل وما يعيشه ملايين الأطفال فعليًا على الأرض.

وتزداد حدة هذه الأزمة في المناطق الريفية، حيث تتداخل الهشاشة الاقتصادية مع ضعف البنية التحتية التعليمية وصعوبة الوصول إلى المدارس ونقص المعلمات والمرافق الأساسية، كما تتسع الفجوة بصورة أكبر بين الفتيات، اللواتي يواجهن عوائق إضافية ترتبط بالفقر والبعد الجغرافي والأعراف الاجتماعية.

وفي هذا المشهد، تبرز بلوشستان بوصفها إحدى أكثر المناطق تضررًا، إذ تصل نسبة الأطفال خارج المدرسة فيها إلى نحو 69%، في مؤشر يعكس عمق التفاوت الداخلي واستمرار الحرمان على نطاق واسع.

الفقر كعامل في التسرب

ترتبط هذه المؤشرات بشكل مباشر بالضغوط الاقتصادية، حيث تضطر الأسر إلى إشراك أطفالها في سوق العمل بدلا من استمرارهم في التعليم، وتشير بيانات البنك الدولي إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 40% في بعض المناطق، في ظل إنفاق حكومي محدود على التعليم مقارنة بالمعايير الدولية.

وفي ظل هذا الواقع، يتحول التعليم من حق مضمون إلى فرصة غير متكافئة، تتحدد بقدرة الأسرة على تحمّل كلفته.

وفي غياب شبكات حماية فعالة، ينخرط الأطفال في أعمال منخفضة الأجر داخل القطاعات غير المنظمة، مثل المصانع والزراعة والخدمات، وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الأزمات الاقتصادية تزيد من احتمالات عمالة الأطفال، خصوصا في البيئات الهشة.

ولا يعكس هذا التحول مجرد تغيّر في مسار الطفل، بل انتقال من حق التعليم إلى دائرة الاستغلال الاقتصادي، حيث يصبح العمل المبكر وسيلة لتعويض نقص الدخل الأسري.

ولا تتوقف آثار التسرب عند الجيل الحالي، بل تمتد إلى المستقبل، من خلال ارتفاع معدلات الأمية وتراجع المهارات وفرص العمل. ويؤدي الانقطاع المبكر عن التعليم إلى تضييق فرص الحراك الاجتماعي، ما يعمّق دائرة الفقر ويضعف إمكانيات التنمية.

المعيشة تعيد ترتيب الأولويات

يرى المحلل الاقتصادي مازن أرشيد أن الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة أعاد ترتيب أولويات الأسر، حيث أصبحت النفقات الأساسية مثل الغذاء والطاقة تتقدم على التعليم.

ويرى أرشيد، وفق ما قاله لـ”صفر”، أن العلاقة مباشرة بين انخفاض دخل الأسرة واتساع ظاهرة التسرب، مضيفا: “يتحول الأطفال إلى مصدر دخل إضافي، خاصة في القطاعات غير الرسمية، ما ينعكس سلبًا على الإنتاجية المستقبلية والاقتصاد ككل”.

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدولي، الدكتور أحمد رقيبة، أن اضطرار الأطفال إلى ترك التعليم والعمل يمثل انتهاكا مباشرا لحقوقهم الأساسية، خصوصا الحق في التعليم والحماية من الاستغلال الاقتصادي.

ويرى رقيبة، في حديثه لـ”صفر”، أن الأزمات الاقتصادية لا تعفي الدول من هذه الالتزامات، بل تفرض عليها تعزيز سياسات الحماية الاجتماعية لمنع انقطاع الأطفال عن التعليم.

وفي هذا السياق تؤكد اتفاقية حقوق الطفل على التزام الدول بضمان التعليم الإلزامي وحماية الأطفال من العمل الذي يضر بنموهم أو تعليمهم.

فجوة بين الالتزام والتطبيق

رغم وضوح الإطار القانوني، تكشف الحالة في باكستان عن فجوة بين النصوص الدولية والتطبيق الفعلي، حيث يصبح الوصول إلى التعليم مرتبطا بالوضع الاقتصادي للأسرة، بدلا من كونه حقا متساويا للجميع.

وتبرز هذه الفجوة في ضعف الإنفاق التعليمي، وغياب برامج دعم كافية للأسر الفقيرة، ما يجعل التسرب المدرسي نتيجة شبه حتمية في بعض السياقات.

وتكشف أزمة التعليم في باكستان أن الحق في التعليم لا يتآكل بالمنع المباشر فقط، بل أيضا حين يصبح مشروطا بالقدرة الاقتصادية، وبين الفقر والعمل المبكر، يفقد ملايين الأطفال فرصتهم في التعليم، لتتحول المدرسة من حق مضمون إلى خيار صعب.