منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد سقوط خطة رواندا.. بريطانيا تبحث في شمال إفريقيا عن مخرج جديد لأزمة المهاجرين

26 مايو 2026
مهاجرون غير نظاميين في بريطانيا
مهاجرون غير نظاميين في بريطانيا

عادت قضية الهجرة غير النظامية إلى واجهة الجدل السياسي والحقوقي في أوروبا، بعد تقارير كشفت تحركات بريطانية جديدة تهدف إلى نقل مهاجرين غير نظاميين إلى دول في شمال إفريقيا، عقب انهيار الخطة المثيرة للجدل التي كانت تقضي بترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا، وبينما تبحث لندن عن بدائل لاحتواء أزمة الهجرة المتفاقمة، تتزايد المخاوف في دول مثل ليبيا وتونس ومصر وموريتانيا من احتمال تحوّلها إلى منصات استقبال للمهاجرين المرحلين من بريطانيا.

وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في تقرير حديث، أن الحكومة البريطانية تجري بالفعل محادثات واتصالات مع عدد من دول شمال إفريقيا بشأن ترتيبات محتملة تتعلق بإقامة مراكز أو آليات لاستقبال مهاجرين غير نظاميين يتم نقلهم من الأراضي البريطانية، في إطار سياسة تهدف إلى الحد من تدفق المهاجرين عبر بحر المانش، وتقليص أعداد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى المملكة المتحدة بطرق غير قانونية.

تحركات بريطانية جديدة

وتأتي هذه التحركات بعد فشل الخطة البريطانية السابقة الخاصة بترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا، وهي الخطة التي أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وأحزاب معارضة داخل بريطانيا وخارجها، وكانت حكومة المحافظين السابقة قد روجت للمشروع باعتباره وسيلة ردع قوية للمهاجرين غير النظاميين، إلا أن الخطة واجهت عقبات قانونية وسياسية متتالية انتهت بتجميدها فعلياً بعد وصول حكومة حزب العمال إلى السلطة.

وتشير التقارير إلى أن لندن باتت تبحث عن بدائل أكثر قرباً جغرافياً من أوروبا، وأكثر قدرة على لعب دور “الدولة الثالثة” التي تستقبل المهاجرين المرفوضة طلبات لجوئهم أو الذين يصلون بطرق غير قانونية، وهو ما يفسر التوجه نحو دول شمال إفريقيا التي تشكل بالفعل نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الأفارقة نحو أوروبا.

دول مرشحة للاستقبال

وبحسب ما أوردته “الغارديان”، فإن قائمة الدول التي تدور حولها النقاشات البريطانية تشمل تونس وليبيا ومصر وموريتانيا، وهي دول تواجه أساساً تحديات اقتصادية وأمنية مرتبطة بملف الهجرة واللجوء.

وتثير هذه الاحتمالات قلقاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والسياسية في المنطقة، خصوصاً في ظل مخاوف من أن تتحول بعض هذه الدول إلى “مخازن بشرية” للمهاجرين الذين لا ترغب الدول الأوروبية في استقبالهم. كما يخشى مراقبون من أن تؤدي مثل هذه التفاهمات إلى زيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والأمنية على الدول المستقبلة.

وفي ليبيا تحديداً، يثير الحديث عن أي اتفاق محتمل حساسية كبيرة بسبب الأوضاع الأمنية المعقدة والانقسامات السياسية التي تعيشها البلاد، إلى جانب الانتقادات الحقوقية المتكررة المتعلقة بظروف احتجاز المهاجرين داخل مراكز الإيواء الليبية، أما تونس التي وقعت خلال السنوات الأخيرة اتفاقات تعاون مع الاتحاد الأوروبي في ملف مكافحة الهجرة، فتواجه بدورها انتقادات من منظمات حقوقية تتهم السلطات بالتشدد في التعامل مع المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء.

أزمة متصاعدة في أوروبا

وتشهد أوروبا منذ سنوات تصاعداً ملحوظاً في أعداد المهاجرين غير النظاميين، خاصة عبر البحر المتوسط وبحر المانش، ما دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى تشديد سياسات الهجرة والبحث عن حلول خارج الحدود الأوروبية.

وتُعد بريطانيا من أكثر الدول الأوروبية التي تواجه ضغوطاً سياسية داخلية مرتبطة بملف الهجرة، حيث تحوّل ملف قوارب المهاجرين الصغيرة التي تعبر المانش إلى قضية رئيسية في الحملات الانتخابية والنقاشات السياسية، وتشير بيانات وزارة الداخلية البريطانية إلى وصول عشرات الآلاف من المهاجرين سنوياً عبر هذا المسار، رغم الإجراءات الأمنية المشددة.

ويقول مراقبون إن الحكومات الأوروبية باتت تعتمد بشكل متزايد على سياسة تدويل الحدود، أي نقل مسؤولية التعامل مع المهاجرين إلى دول خارج أوروبا مقابل دعم مالي أو تعاون اقتصادي وسياسي، وهي المقاربة التي تثير انتقادات حقوقية واسعة باعتبارها محاولة للتنصل من الالتزامات الإنسانية والقانونية تجاه طالبي اللجوء.

انتقادات حقوقية متزايدة

وأثارت التحركات البريطانية الجديدة بشأن الهجرة انتقادات مباشرة من منظمات حقوقية دولية، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اللتان سبق أن حذرتا من سياسات نقل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة خارج أوروبا، واعتبرت منظمة العفو الدولية أن أي ترتيبات لترحيل المهاجرين إلى دول تعاني أوضاعاً اقتصادية أو أمنية هشة قد تعرضهم لخطر الانتهاكات وحرمانهم من ضمانات الحماية القانونية وحق طلب اللجوء.

كما انتقدت هيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة التعاون الأوروبي مع بعض دول شمال إفريقيا في ملف الهجرة، مشيرة إلى وجود مخاطر تتعلق بظروف الاحتجاز وسوء المعاملة والانتهاكات التي قد يتعرض لها المهاجرون داخل مراكز الإيواء أو الاحتجاز، خاصة في ليبيا التي تواجه انتقادات دولية متكررة بشأن أوضاع المهاجرين.

من جهتها، عبّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن تحفظها على سياسات تصدير طالبي اللجوء إلى دول ثالثة، مؤكدة أن الحلول الخاصة بالهجرة يجب أن تراعي التزامات الدول بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، وألا تؤدي إلى نقل الأعباء نحو دول أقل قدرة على توفير الحماية اللازمة للمهاجرين واللاجئين.

ويرى حقوقيون أن السياسات الأوروبية والبريطانية الحالية تركز بشكل أساسي على تقليص أعداد الوافدين ومنع وصولهم إلى أوروبا، بدلاً من معالجة الأسباب الجوهرية للهجرة غير النظامية، مثل النزاعات المسلحة والفقر والتغيرات المناخية والانهيار الاقتصادي في عدد من دول إفريقيا والشرق الأوسط.

رهانات سياسية وأمنية

وفي السياق السياسي، قال الباحث البريطاني المتخصص في اقتصاديات الهجرة تيموثي هاتون، أستاذ الاقتصاد بجامعة إسيكس، في تصريحات ومقالات أكاديمية تناولت سياسات الهجرة الأوروبية، إن الحكومات الأوروبية تتجه بصورة متزايدة إلى “خارجنة” ملف الهجرة عبر نقل مسؤولية استقبال طالبي اللجوء إلى دول خارج أوروبا بهدف تقليل الضغوط السياسية الداخلية.

كما أوضح الباحث الإيطالي ماتيو فيلا، الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR، في تحليلات منشورة حول التعاون الأوروبي مع شمال إفريقيا، أن دول المنطقة أصبحت شريكاً أساسياً في استراتيجية أوروبا لضبط الحدود ومنع تدفقات الهجرة، محذراً من تعقيدات سياسية وإنسانية قد تنتج عن توسيع هذه السياسات.

يذكر أن بريطانيا بدأت في السنوات الأخيرة تبني سياسات أكثر تشدداً تجاه الهجرة غير النظامية، خاصة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2022 أبرمت حكومة المحافظين اتفاقاً مع رواندا يقضي بترحيل بعض طالبي اللجوء إليها مقابل دعم مالي كبير، إلا أن الخطة واجهت اعتراضات قانونية وحقوقية حادة، حيث اعتبرت المحكمة العليا البريطانية أن رواندا ليست دولة آمنة بما يكفي لاستقبال المهاجرين، وبعد وصول حزب العمال إلى الحكم في 2024، تم التخلي عملياً عن المشروع، لتبدأ لندن البحث عن بدائل جديدة ضمن سياسة تهدف إلى تقليص أعداد المهاجرين الوافدين بطرق غير نظامية، وفي المقابل، أصبحت دول شمال إفريقيا خلال العقد الأخير محوراً أساسياً في سياسات الهجرة الأوروبية، بحكم موقعها الجغرافي القريب من السواحل الأوروبية وتحولها إلى نقطة عبور رئيسية للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا.