“ألقيت نظرة على هاتفي قبل النوم، فوجدت أمامي صورة إباحية وبعض صوري الشخصية، مرفقة بتعليقات تركتني أرتجف خوفاً”. بهذه الكلمات وصفت الشابة المصرية “عُلا”، وهو اسم مستعار حفاظاً على سلامتها، اللحظة التي اكتشفت فيها أن صوراً من حياتها الخاصة أصبحت في متناول آخرين، لكن ما حدث على الشاشة لم يبقَ داخلها.
في يناير 2024 قررت عُلا الإبلاغ عما تعرضت له، أمضت ليلة كاملة في قسم الشرطة، ثم خرجت، بحسب شهادتها، وهي تشكك في قرارها وتخشى ألا تصل إلى نتيجة تنصفها، ولا تتوافر في المصادر المنشورة معلومات محدثة عن مآل شكواها.
تكشف تجربتها جانباً من معضلة العنف الرقمي ضد النساء، فقد يستغرق نشر صورة أو إرسال تهديد ثواني، في حين يبدأ أمام الضحية مسار أطول لإثبات الاعتداء ووقفه والوصول إلى الحماية.
وتتعامل الأمم المتحدة للمرأة مع العنف الميسر بالتكنولوجيا باعتباره جزءاً من سلسلة متصلة من العنف قد تنتقل بين الفضاء الرقمي والحياة خارجه.

ظاهرة بلا رقم وطني
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات حكومية موحدة منشورة تفصل العنف الرقمي ضد النساء عن بقية أشكال العنف، ما يسمح بتحديد حجمه وطنياً. وتقدم دراسة مصرية نشرت عام 2020 مؤشراً محدوداً على المشكلة.
وشملت 356 امرأة جرى اختيارهن بعينة ملائمة عبر أحد تطبيقات التواصل، وأفادت 41.6% منهن بتعرضهن لعنف إلكتروني خلال العام السابق للدراسة، في حين أبلغت 76.9% من المتعرضات له عن آثار نفسية شملت الخوف والقلق والغضب. ولا يمكن تعميم هذه النتائج على المصريات، بسبب طبيعة العينة وطريقة اختيارها.

وتظهر فجوة أخرى عند محاولة معرفة ما يحدث بعد الإبلاغ، فالبيانات العامة المتاحة لا تقدم رقماً متكاملاً لبلاغات العنف الرقمي ضد النساء وما انتهى منها إلى إحالة أو إدانة، ما يجعل قياس المسافة بين الشكوى والحكم صعباً.
وفي تجربة أخرى وثقها تحقيق لمنظمة “سمكس”، قالت محامية استخدمت اسم “مروى” إنها تعرضت لمحاولة ابتزاز وفبركة محادثات لتشويه سمعتها عام 2017، لكنها لم تستكمل متابعة المحضر بسبب بُعد مركز مكافحة جرائم الإنترنت عن مكان إقامتها.
القانون موجود
يجرم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 صوراً من انتهاك الخصوصية واستخدام البيانات والصور للإساءة إلى الأشخاص.
وتنص المادة 25 على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة بين 50 و100 ألف جنيه (نحو 1000 و2000 دولار)، أو إحدى العقوبتين، في حالات بينها نشر معلومات أو صور تنتهك خصوصية شخص دون رضاه. وترفع المادة 26 العقوبة في بعض صور استخدام بيانات الغير وربطها بمحتوى يمس الاعتبار أو الشرف إلى الحبس بين سنتين وخمس سنوات وغرامة بين 100 و300 ألف جنيه (نحو 2000 و6000 دولار)، أو إحدى العقوبتين.
لكن وجود النص لا يحسم وحده مسألة الوصول إلى العدالة، فالجريمة الرقمية تترك دليلاً يمكن حذفه أو التلاعب به، ويمكن للصورة نفسها أن تنتشر في أكثر من مكان خلال دقائق.
وفي مايو/ أيار 2026، ناقش نحو 40 قاضياً وقاضية من محكمة النقض المصرية، في ندوة بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مشروعية ومقبولية الدليل الرقمي في جرائم العنف السيبراني، خصوصاً ضد النساء والفتيات.

من الحساب الإلكتروني إلى المحكمة
وتكشف قضية حديثة قدرة الدليل الرقمي على عبور الحدود، ففي أغسطس/ آب 2026 أحيل طالب مصري بكلية الطب إلى المحاكمة في القضية رقم 322 لسنة 2026 جنايات مركز إمبابة، بعد تحقيق بدأ إثر معلومات من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي بشأن اتهامات بابتزاز سيدات وفتيات أمريكيات عبر “ديسكورد”.
وبحسب أوراق القضية المنشورة، تضمنت الاتهامات تهديد الضحايا بنشر صور ومقاطع ذات طبيعة جنسية بعد التلاعب ببعضها رقمياً.
وحددت المحكمة جلسة 27 سبتمبر 2026 للنطق بالحكم. ولا تثبت القضية وحدها سهولة وصول جميع الضحايا إلى العدالة، لكنها تظهر أهمية القدرة على حفظ الدليل الرقمي وتتبع الحسابات وتحويل ما يحدث على الشاشة إلى أدلة أمام القضاء.
أين تبدأ الحماية؟
تقول الدكتورة رانيا يحيى، عضو المجلس القومي للمرأة، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إن المجلس يستقبل شكاوى النساء عبر الخط الساخن 15115 وفروعه في 28 محافظة، ويتابع الشكاوى قانونياً ويوفر الاستشارات والمرافقة القانونية مجاناً وبسرية.
وتشيد يحيى بدور الجهات المختصة بجرائم الإنترنت، لكنها تدعو في الوقت نفسه إلى سرعة إنجاز القضايا والتوسع في إنشاء مكاتب متخصصة لتلقي البلاغات داخل أقسام الشرطة والمديريات الأمنية، ما يسهل وصول الضحايا إلى الحماية.
أما البرلمانية نيفين إسكندر فترى، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن العقوبات القائمة لا تكفي وحدها، وتدعو إلى تعريف أكثر وضوحاً للعنف الرقمي وآلية دورية لرصد هذه الجرائم، إلى جانب تدريب العاملين في الجهات المعنية.
وطالبت إسكندر بطرح منظومة تشريعية متكاملة تضع تعريفات واضحة وواسعة للعنف الرقمي، بحيث تشمل مختلف صور الاعتداء التي يمكن أن تستهدف النساء عبر الفضاء الإلكتروني، وتحد من الثغرات التي قد يستغلها مرتكبو هذه الجرائم.
ويرى الدكتور مصطفى السعداوي، أستاذ القانون الجنائي بجامعة المنيا، أن الأدلة الفنية تمثل أحد عناصر إثبات الجرائم، وأن استخدام الوسائل التكنولوجية في بعض صور التحرش يمثل ظرفاً مشدداً للعقوبة.
وأشار إلى أن التشريعات المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة تشديداً للعقوبات المتعلقة بالتحرش، خصوصاً عندما يقع الفعل في ظروف تجعل الضحية أكثر عرضة للاستغلال أو عندما يرتبط بالحصول على منفعة جنسية.
وفي الوقت نفسه تتسع التحديات مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ففي مايو/ أيار 2026 طرح مشروع لتعديل قانون جرائم تقنية المعلومات لمواجهة التزييف العميق والمحتوى المصطنع، وسط نقاش حقوقي حول كيفية حماية الأفراد من هذه التقنيات من دون توسيع القيود القانونية بصورة تمس حرية التعبير.
بالنسبة إلى عُلا، لم يكن الهاتف هو المعتدي، بل الطريق الذي عبر منه الاعتداء إلى حياتها، لذلك لا تقاس فاعلية المواجهة بعدد سنوات الحبس وحدها، بل بما يحدث قبل الوصول إلى المحكمة أيضاً، وهل تستطيع المرأة الإبلاغ بسهولة؟ هل يحفظ دليلها؟ هل تستطيع متابعة شكواها؟ وهل يمكن معرفة أين انتهت؟
فالقانون يحدد عقوبة المعتدي، لكن فاعلية الحماية تُقاس بما يسبق الحكم أيضاً، وبقدرة الضحية على الإبلاغ والوصول إلى الجهة المختصة وحفظ أدلتها ومتابعة قضيتها، حتى لا يصبح الطريق إلى العدالة شاقاً وامتداداً آخر للأذى الذي بدأ على الشاشة.
