لا تبدأ مأساة المهاجرين في البحر المتوسط عندما تتعرض قواربهم للغرق، بل قبل ذلك بكثير، عندما تضيق طرق الهجرة الآمنة، وتتراجع فرص الوصول إلى الحماية، ويصبح البحر الخيار الأخير أمام أشخاص فروا من الحروب أو الاضطهاد أو الفقر.
وعندها، لا يعود السؤال مقتصراً على عدد الضحايا، بل يمتد إلى مدى التزام الدول بحماية الحق في الحياة، بوصفه أحد الحقوق التي لا يجوز أن تتراجع أمام الاعتبارات السياسية أو الأمنية.
وتعيد حوادث الغرق المتكررة في البحر المتوسط هذا النقاش إلى الواجهة، في ظل تصاعد الجدل الحقوقي بشأن مدى توافق سياسات إدارة الحدود مع الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي في مجال إنقاذ الأرواح وضمان وصول طالبي اللجوء إلى الحماية الدولية.
أرقام تؤكد استمرار المأساة
تعكس البيانات الدولية اتساع أزمة الهجرة عبر البحر المتوسط واستمرار ارتفاع كلفتها الإنسانية، فقد سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصول نحو 154.5 ألف مهاجر ولاجئ إلى أوروبا خلال عام 2025 عبر البحر والبر، مقابل 2950 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقدوا على طرق البحر المتوسط والأطلسي خلال العام نفسه.
وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن 3845 مهاجراً لقوا حتفهم أو فُقدوا خلال عام 2025 أثناء محاولات عبور البحر المتوسط والأطلسي والصحراء في الطرق المؤدية إلى أوروبا، مؤكدة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى فقط، بسبب صعوبة توثيق جميع الحوادث.
وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 34 ألف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا عبر البحر منذ عام 2015، ليظل البحر المتوسط أحد أكثر مسارات الهجرة فتكاً في العالم.
حماية الأرواح التزام قانوني
لا يقتصر الجدل على أعداد الضحايا، بل يمتد إلى طبيعة المسؤوليات القانونية التي تتحملها الدول، فالقانون الدولي لا ينظر إلى عمليات البحث والإنقاذ باعتبارها سياسة يمكن توسيعها أو تقليصها، وإنما واجب قانوني يرتبط مباشرة بحماية الحق في الحياة.
وتلزم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ البحري، والاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحار، الدول بتقديم المساعدة لأي شخص يواجه خطر الغرق، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني.
ويفرض القانون الدولي للاجئين احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان تمكين طالبي اللجوء من الوصول إلى إجراءات عادلة للنظر في طلبات الحماية، وهو ما يجعل تقييم سياسات إدارة الحدود مرتبطاً أيضاً بمدى امتثالها لهذه الالتزامات، وليس فقط بفعاليتها في ضبط الحدود.
أين تنتهي سيادة الدولة؟
يرى الباحث القانوني أحمد أبو هزيم أن القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين يفرضان على الدول التزاماً أصيلاً بحماية الحق في الحياة، من خلال اتخاذ التدابير اللازمة لإنقاذ الأرواح في البحر، وتعزيز قدرات البحث والإنقاذ، وضمان وصول طالبي اللجوء إلى إجراءات لجوء عادلة وفعالة، مع احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية.
ويقول أبو هزيم في تصريحات لـ”صفر” إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والاتفاقيات الدولية الخاصة بالبحث والإنقاذ وسلامة الأرواح في البحار، تلزم الدول بتقديم المساعدة لكل شخص يواجه خطر الغرق، دون أي تمييز يتعلق بالجنسية أو الوضع القانوني.
ويضيف أن استمرار ارتفاع أعداد الوفيات في البحر المتوسط يثير تساؤلات جدية بشأن مدى امتثال بعض الدول لهذه الالتزامات، خصوصاً في ظل التقارير التي تتحدث عن قصور في عمليات البحث والإنقاذ، أو التأخر في الاستجابة، أو تبني سياسات تحد من الوصول إلى الحماية الدولية.
ويؤكد أن الحد من هذه المأساة لا يتحقق عبر تشديد الرقابة على الحدود وحدها، وإنما من خلال تعزيز التعاون الدولي، وتوفير مسارات آمنة ومنظمة للهجرة واللجوء، وضمان توافق سياسات إدارة الحدود مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، بحيث لا تتقدم الاعتبارات الأمنية على الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.
احترام الحق في الحياة
تكشف المأساة المتكررة في البحر المتوسط أن إدارة الهجرة لم تعد تقاس بقدرة الدول على حماية حدودها فقط، بل بقدرتها أيضاً على الوفاء بالتزاماتها القانونية والإنسانية تجاه الأشخاص المعرضين للموت، فالسيادة على الحدود حق تكفله القوانين الدولية، لكنها لا تعفي الدول من واجب إنقاذ الأرواح وضمان الوصول إلى الحماية لمن يحتاجها.
ومع استمرار تسجيل آلاف الوفيات والمفقودين، تحول البحر المتوسط إلى أكثر من مجرد طريق للهجرة، إذ أصبح مقياساً حقيقياً لمدى احترام الدول للحق في الحياة، فكل عملية إنقاذ تنجح تؤكد أن القانون الدولي ما يزال قادراً على حماية الإنسان.
وكل تأخر في الاستجابة أو تقصير في أداء هذا الواجب يطرح تساؤلات جديدة حول قدرة المجتمع الدولي على ترجمة التزاماته الحقوقية إلى ممارسات تنقذ الأرواح قبل أن تضاف إلى قوائم المفقودين.

