منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأمم المتحدة تطالب تونس بإنهاء قمع المجتمع المدني والصحافة والمعارضة

07 مايو 2026
مظاهرات في تونس تطالب بالحريات
مظاهرات في تونس تطالب بالحريات

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السلطات التونسية إلى إنهاء ما وصفه بـ“نمط متسع من القمع” يستهدف منظمات المجتمع المدني، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين، والنشطاء، وأعضاء في السلطة القضائية، عبر إجراءات جنائية وعوائق إدارية متزايدة، وجاء موقفه بعد قرارات متتالية بتعليق أنشطة منظمات حقوقية بارزة في البلاد.

وقال تورك إن “استمرار القمع والقيود المفروضة على الحيز المدني من قبل السلطات التونسية” يقوض حقوقًا محمية بموجب الدستور التونسي والتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وشدد على أن القيود على الحريات الأساسية يجب أن تبقى استثنائية، وأن تستند إلى قانون واضح، وأن تكون ضرورية ومتناسبة وغير تمييزية، مع ضمان الإجراءات القانونية الواجبة والرقابة القضائية الفعالة.

وجاء التحذير الأممي بعد أيام من تعليق السلطات التونسية نشاط الفرع المحلي لمنظمة محامون بلا حدود لمدة شهر، وهو قرار قالت المنظمة إنها تلقته من السلطات دون تقديم تفاصيل كافية بشأن أسبابه.

وسبق ذلك تعليق مماثل لنشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إحدى أعرق المنظمات الحقوقية في العالم العربي، والتي كانت ضمن رباعي الحوار الوطني الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2015.

مراعاة لمبادئ الشرعية

وترى مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن السلطات التونسية تستخدم بشكل متزايد مبررات مرتبطة بالتمويل والتدقيق المالي لتعليق نشاط منظمات المجتمع المدني، في اتجاه تعتبره المفوضية تقييدًا لحرية تكوين الجمعيات.

وقال تورك إن السلطات تلجأ إلى “عقوبات قضائية” للحد من ممارسة هذا الحق، مع مراعاة محدودة لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

وتتصاعد هذه الإجراءات في سياق سياسي بدأ منذ عام 2021، عندما جمّد الرئيس قيس سعيد البرلمان ثم حكم بمراسيم، قبل أن تُعاد صياغة المشهد الدستوري والسياسي في البلاد.

وتقول منظمات حقوقية دولية إن تونس، التي كانت تُقدَّم لسنوات باعتبارها أبرز تجربة ديمقراطية بعد انتفاضات 2011، تشهد منذ ذلك الحين تضييقًا متزايدًا على المعارضة والإعلام والقضاء والمجتمع المدني.

وذكرت وكالة رويترز أن منظمات حقوقية ونشطاء يتحدثون عن تآكل الحريات تحت حكم سعيد، بينما تؤكد السلطات التونسية أن الحريات مضمونة وأن الإجراءات تستهدف الفساد والتهديدات الأمنية.

توقيف الصحفيين

وفي ملف الصحافة، أشار مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى توقيف الصحفي التونسي زياد الهاني أواخر أبريل 2026، بعد انتقاده قرارات قضائية ضد إعلاميين والقضاة الذين أصدروا تلك الأحكام.

وبحسب المفوضية، لا يزال الهاني موقوفًا على ذمة القضية، فيما قالت إن 28 صحفيًا آخرين أوقفوا خلال العام الماضي، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن لفترات متفاوتة على خلفية أنشطتهم المهنية.

وتربط المفوضية الأممية هذه الملاحقات، جزئيًا، بالمرسوم الرئاسي الصادر عام 2022 بشأن “مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال”، والذي تقول منظمات حقوقية إنه استُخدم لملاحقة صحافيين ونشطاء ومعلّقين بسبب التعبير عن الرأي، خصوصًا عبر الإنترنت.

ويأتي ذلك ضمن نمط أوسع حذرت منه الأمم المتحدة في أكثر من دولة، حيث تُستخدم قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية والتشهير والتضليل لردع الصحافة والنقد العام بدل حماية الحقوق.

وطالب فولكر تورك السلطات التونسية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين أو المسجونين بسبب تعبيرهم عن آراء محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ورفع القيود التعسفية المفروضة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، كما دعا إلى إصلاح تشريعي شامل قائم على الحقوق، وإلى ضمانات مؤسسية أقوى لحماية سيادة القانون والحيز المدني.

احتجاز لإسكات المعارضة

ولا تقتصر المخاوف على الأمم المتحدة. فقد اتهمت هيومن رايتس ووتش السلطات التونسية، في تقرير سابق، باستخدام الاحتجاز التعسفي لإسكات المعارضة، مشيرة إلى استهداف شخصيات سياسية وصحفيين ونشطاء ومحامين، وإلى أن نحو 40 شخصًا، بينهم قادة سياسيون وإعلاميون، واجهوا اتهامات بالتآمر، ودعت المنظمة السلطات إلى وقف القمع والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

كما أثار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ردود فعل حقوقية واسعة، ووصفت الرابطة القرار بأنه اعتداء على حرية تكوين الجمعيات والديمقراطية، في حين اعتبرت وكالة أسوشيتد برس أن تعليق المنظمة، وهي من أقدم المنظمات الحقوقية في إفريقيا والعالم العربي، يأتي ضمن حملة أوسع ضد المجتمع المدني، شملت منظمات تعمل في قضايا الهجرة وحقوق النساء ووسائل إعلام مستقلة.

وتعكس الأزمة الراهنة تحولًا حادًا في العلاقة بين الدولة التونسية والمنظمات المستقلة. ففي السنوات التي أعقبت ثورة 2011، لعب المجتمع المدني التونسي دورًا محوريًا في الانتقال السياسي، وبلغت رمزيته ذروتها مع حصول رباعي الحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام عام 2015.

وتنظر السلطات التونسية إلى بعض المنظمات باعتبارها خاضعة لتمويل أجنبي أو متورطة في تجاوزات إدارية، وتؤكد أن الدولة تمارس حقها في الرقابة القانونية، غير أن المفوضية الأممية تشدد على أن أي قيود على الجمعيات أو الصحافة يجب أن تلتزم بمعايير القانون الدولي، وألا تستخدم العقوبات المالية أو الإدارية أو القضائية كوسيلة لإسكات الأصوات المستقلة.