طالبت الأمم المتحدة بفتح تحقيق شامل ومستقل في التقارير التي تحدثت عن تعذيب وقتل جنود ماليين بعد استسلامهم خلال هجوم استهدف قافلة عسكرية شمال مالي، مؤكدة أن القانون الدولي الإنساني يحظر استهداف المقاتلين الذين يلقون أسلحتهم أو يصبحون خارج القتال، وأن أي اعتداء عليهم قد يرقى إلى مستوى جريمة حرب تستوجب المساءلة.
وأفادت وكالة رويترز بأن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أصدر، الخميس، دعوة رسمية لإجراء تحقيق في ملابسات الحادث، بعد انتشار تقارير ومقاطع مصورة أظهرت، بحسب المعلومات الأولية، مسلحين يطلقون النار على جنود استسلموا عقب وقوعهم في كمين شمال مالي، في تطور أثار قلقاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والدولية.
كمين دام في شمال البلاد
شهد الطريق الرابط بين بلدة أنفيس ومدينة جاو، السبت الماضي، هجوماً استهدف قافلة تابعة للقوات المسلحة المالية، وفق بيانات صدرت عن الجيش المالي وجبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وأكد مصدر مقرب من جبهة تحرير أزواد، بحسب رويترز، مقتل أكثر من خمسين مقاتلاً موالياً للحكومة خلال الكمين، في حين لم تتمكن الوكالة من التحقق بشكل مستقل من عدد الضحايا، في ظل صعوبة الوصول إلى موقع الاشتباكات واستمرار التوتر الأمني في المنطقة.
مقاطع مصورة تثير المخاوف
زاد انتشار مقطع فيديو على الإنترنت من حدة المخاوف الحقوقية، بعدما أظهر، وفق ما تداوله ناشطون، عدداً من الجنود وهم يستسلمون وأيديهم خلف رؤوسهم، قبل أن تظهر لقطات أخرى مسلحين يطلقون النار على بعض الأسرى.
ولم تتمكن وكالة رويترز من التحقق بصورة مستقلة من صحة الفيديو أو توقيت تصويره، إلا أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اعتبر اللقطات المتداولة خطيرة كفاية لتبرير فتح تحقيق عاجل ومستقل يكشف حقيقة ما جرى ويحدد المسؤوليات القانونية.
الأمم المتحدة تندد بالواقعة
أكد ثمين الخيطان، المتحدث باسم مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن السلطات المختصة يجب أن تجري تحقيقاً شاملاً ومستقلاً في جميع ملابسات الحادث، ومنها الأفعال التي أظهرتها المقاطع المصورة المتداولة على الإنترنت.
وأوضح الخيطان أن المكتب يدين التقارير التي تحدثت عن تعذيب وقتل عشرات الجنود الماليين بعد استسلامهم، مشيراً إلى أن القانون الدولي الإنساني يوفر حماية واضحة للأسرى والأشخاص الذين يتوقفون عن المشاركة في القتال، وأن أي انتهاك لهذه القواعد يستوجب المساءلة القضائية.
وأضاف أن التحقيق المستقل يمثل خطوة أساسية لتحديد الوقائع والتحقق من صحة الأدلة المتداولة، ما يضمن محاسبة أي طرف يثبت تورطه في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني.
ردود الأطراف المعنية
لم يصدر تعليق من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي على الاتهامات التي تضمنها بيان الأمم المتحدة، إذ لم تتمكن وسائل الإعلام من التواصل مع ممثلي الجماعة للحصول على رد رسمي.
في المقابل، أعلن المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، أن الجبهة تؤيد إجراء تحقيقات مستقلة في جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها المنطقة، مؤكداً أن الجهات المختصة يجب أن تتحقق أولاً من صحة المقاطع المصورة التي استند إليها مكتب الأمم المتحدة قبل إصدار أي استنتاجات نهائية.
أزمة أمنية متواصلة
تعكس هذه الحادثة حجم التحديات الأمنية التي تواجهها مالي، حيث تشهد مناطق واسعة، خاصة في الشمال والوسط، مواجهات متكررة بين القوات الحكومية وجماعات مسلحة تضم حركات انفصالية وتنظيمات متشددة تنشط منذ سنوات.
وأدت هذه المواجهات إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح آلاف المدنيين، كما دفعت منظمات حقوق الإنسان إلى التحذير من تزايد الانتهاكات التي تطول المدنيين والمقاتلين على حد سواء، مع استمرار القتال واتساع رقعة العنف في البلاد.
تشهد مالي منذ عام 2012 نزاعاً معقداً يجمع بين تمردات انفصالية وصعود جماعات متشددة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في أجزاء واسعة من البلاد. وتعد منطقة جاو وشمال مالي من أكثر المناطق عرضة للهجمات المسلحة، حيث تتكرر الاشتباكات بين الجيش المالي والجماعات المسلحة.
ويؤكد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، أن المقاتلين الذين يستسلمون أو يصبحون خارج القتال يتمتعون بحماية قانونية كاملة، ويحظر تعذيبهم أو قتلهم أو إساءة معاملتهم تحت أي ظرف، كما يوجب التحقيق في أي ادعاءات تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً للقانون الدولي.
