يواجه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك اختباراً دبلوماسياً حساساً داخل أروقة الأمم المتحدة، بعدما برزت معارضة من روسيا وإسرائيل لتجديد ولايته الثانية لمدة أربع سنوات، في وقت تستعد فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت على المقترح الذي قدمه الأمين العام أنطونيو غوتيريش.
ويأتي هذا التحرك في ظل تباينات سياسية متزايدة بشأن دور المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومواقفها من أبرز الأزمات الدولية.
وأفادت وكالة رويترز، نقلاً عن دبلوماسيين مطلعين، بأن التصويت المقرر في الجمعية العامة قد يتحول إلى مواجهة دبلوماسية غير معتادة، بعدما بدا في الأشهر الماضية أن إعادة تعيين تورك ستمر عبر توافق واسع بين الدول الأعضاء. غير أن تحفظات روسيا وإسرائيل، إلى جانب إشارات إلى شكوك أمريكية بشأن مدة التجديد المقترحة، دفعت الملف إلى واجهة النقاش السياسي داخل المنظمة الدولية.
خلاف حول مدة الولاية
تنتهي الولاية الأولى لتورك في أكتوبر المقبل، بعد أربع سنوات قضاها على رأس المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ورشح الأمين العام للأمم المتحدة المسؤول النمساوي لولاية جديدة تمتد حتى أكتوبر 2030، مستنداً إلى خبرته الطويلة داخل المنظمة الدولية وعلاقته المهنية الممتدة مع غوتيريش.
لكن روسيا طرحت مقترحاً بديلاً يقضي بتمديد ولاية تورك لفترة قصيرة تنتهي مع نهاية العام الحالي، بدلاً من منحه ولاية كاملة جديدة. وترى موسكو أن منح المفوض الحالي أربع سنوات إضافية قبل اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة قد يقيد خيارات القيادة المقبلة للمنظمة بشأن أحد أهم المناصب الحقوقية فيها.
وقالت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة إن إعادة تعيين تورك لفترة طويلة تحرم الأمين العام المقبل من فرصة اختيار شخصية جديدة لهذا المنصب، معتبرة أن القرار ينبغي أن يأخذ في الاعتبار حساسية هيكل حقوق الإنسان داخل الأمم المتحدة وتأثيره في عمل المنظمة كلها.
مواقف متباينة داخل المنظمة
أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن إسرائيل تعارض أيضاً التجديد الكامل لتورك، في حين أبدت الولايات المتحدة تساؤلات بشأن توقيت ومدة الولاية الجديدة، ما أسهم في تعقيد المشهد قبل التصويت.
كما أبدى بعض الدبلوماسيين، خلال مشاورات غير رسمية، تحفظهم على فكرة اتخاذ قرار يمتد إلى ما بعد انتهاء ولاية غوتيريش نفسه، معتبرين أن الأمين العام القادم يجب أن يمتلك صلاحية اختيار المفوض السامي الذي سيعمل معه خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، أكد مسؤولون في الأمم المتحدة أن الأمين العام يتبع الإجراءات المعمول بها داخل المنظمة ويلتزم بالقواعد المنظمة للتعيينات العليا. كما شدد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوغاريك على أن غوتيريش يقدر كثيراً العمل الذي أنجزه تورك خلال فترة ولايته الحالية.
سجل حافل بالمواقف الحقوقية
ارتبط اسم فولكر تورك خلال السنوات الماضية بمواقف حقوقية أثارت ردود فعل متباينة لدى الحكومات، فمنذ توليه المنصب، اتخذ مواقف علنية تجاه عدد من الملفات الدولية الشائكة، ووجه انتقادات متكررة إلى حكومات وقوى دولية مؤثرة.
وانتقد تورك الحرب الروسية في أوكرانيا، واتهم موسكو بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي منذ اندلاع الحرب الشاملة عام 2022، وهي اتهامات رفضتها السلطات الروسية بشكل قاطع.
كما دعا إلى التحقيق في حالات وفاة وقعت داخل مراكز احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة، وأبدى مواقف ناقدة لعدد من السياسات المرتبطة بحقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه، تابع عن كثب التطورات في الشرق الأوسط، حيث ندد بما وصفه بالقتل العشوائي في قطاع غزة ودعا إلى احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.
وأثارت هذه المواقف انتقادات من أطراف مختلفة، فبينما اعتبرت بعض الحكومات أن المفوض السامي تجاوز حدود دوره التقليدي، رأى ناشطون ومنظمات حقوقية أن مواقفه تعكس التزاماً واضحاً بالدفاع عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في مناطق النزاع والأزمات.
دعم أوروبي وإفريقي
رغم الاعتراضات المطروحة، تشير المؤشرات الدبلوماسية إلى أن تورك ما زال يحظى بدعم واسع داخل الأمم المتحدة، وأكد دبلوماسيون أن غالبية الدول الأوروبية تدعم إعادة تعيينه، كما يحظى بتأييد العديد من دول أمريكا اللاتينية.
وأظهرت مذكرة دبلوماسية صادرة عن الاتحاد الإفريقي عدم وجود اعتراض على تمديد ولايته لأربع سنوات إضافية، ما يمنحه دفعة مهمة قبل التصويت. كما لم تظهر حتى الآن أي ترشيحات بديلة رسمية يمكن أن تنافسه على المنصب.
ويعزز غياب المنافسين من فرص تمرير قرار التجديد، إلا أن حجم الاعتراضات السياسية قد يجعل التصويت مؤشراً مهماً على طبيعة الانقسامات الحالية داخل الأمم المتحدة بشأن ملفات حقوق الإنسان ودور مؤسساتها الرقابية.
اختبار لمكانة منظومة حقوق الإنسان
يمثل التصويت المرتقب أكثر من مجرد قرار إداري يتعلق بمستقبل مسؤول أممي رفيع؛ إذ يعكس في جوهره الجدل المتصاعد حول موقع منظومة حقوق الإنسان داخل النظام الدولي، ففي وقت تشهد فيه الساحة العالمية صراعات مسلحة وأزمات إنسانية متفاقمة، تواجه المؤسسات الحقوقية ضغوطاً متزايدة من دول ترى أن بعض مواقفها تتجاوز حدود الحياد، في حين تتمسك دول أخرى بضرورة الحفاظ على استقلاليتها وقدرتها على مساءلة الحكومات.
ومن المرجح أن تكشف نتيجة التصويت عن موازين القوى الحالية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن مدى استعداد الدول الأعضاء لدعم استمرار نهج تورك الحقوقي خلال السنوات المقبلة، أو الدفع نحو مرحلة انتقالية تتيح للقيادة الأممية القادمة إعادة رسم ملامح هذا المنصب المؤثر.
أنشأت الأمم المتحدة منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان عام 1993 عقب المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا، بهدف تعزيز حماية الحقوق والحريات الأساسية حول العالم، ويعد المفوض السامي أعلى مسؤول أممي معني بملف حقوق الإنسان، ويتولى مراقبة الانتهاكات وتقديم التقارير والتوصيات إلى أجهزة الأمم المتحدة المختلفة.
ويعمل مكتب المفوضية السامية في عشرات الدول والمناطق، ويتابع قضايا تتعلق بالنزاعات المسلحة والتمييز والاعتقال التعسفي وحقوق اللاجئين والمهاجرين والحريات المدنية. ويشغل فولكر تورك المنصب منذ أكتوبر 2022، بعد مسيرة طويلة داخل الأمم المتحدة شملت العمل في قضايا اللجوء والحماية الدولية وإدارة عدد من المكاتب الميدانية والبرامج الحقوقية.
