جون هاريس
يقع ويلينغتون هاوس في شمال مدينة برايتون، لكن من يرتادونه لا ينادونه بهذا الاسم الرسمي، بل يكتفون بـ”ويلي”. من الخارج يبدو المبنى أشبه بمدرسة فيكتورية قديمة ذات ملامح صارمة، أما داخله فيحكي قصة مختلفة تماماً؛ قصة تقوم على الرعاية والتعاطف والاحتواء.
هذا المكان هو آخر مركز نهاري تديره البلدية في المدينة والمخصص للبالغين من ذوي الاحتياجات المعقدة والمصابين بالتوحد وصعوبات التعلم. يرتاده بانتظام 21 شخصاً، بعضهم ارتبط بالمركز لعقود طويلة؛ فأحدهم يقصده منذ أربعين عاماً، وآخر منذ أربعة وعشرين عاماً. بالنسبة لهم، لم يعد الموظفون مجرد عاملين في مؤسسة، بل أصبحوا أصدقاء وأشخاصاً يثقون بهم. أما بالنسبة لأسرهم والقائمين على رعايتهم، فإن الساعات التي يقضيها أحباؤهم في “ويلي” تمثل متنفساً نادراً وفرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس.
لكن خلف هذه الصورة الإنسانية تقف لغة أخرى أكثر قسوة؛ لغة الأرقام والميزانيات والبيروقراطية. فبعد إغلاق خمسة مراكز نهارية أخرى في برايتون خلال العقدين الماضيين، يبدو أن “ويلي” يسير نحو المصير ذاته.
ويقول مجلس مدينة برايتون وهوف إن إغلاق المركز سيوفر نحو 400 ألف جنيه استرليني سنوياً، مؤكداً أن احتياجات جميع المستفيدين ستُلبى من خلال خدمات ومبادرات يقدمها ما يسميه “سوق القطاع المستقل”.
قد تبدو هذه الحسابات منطقية على الورق، لكن رعاية البالغين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولا سيما أولئك الذين يحتاجون إلى دعم فردي، كانت دائماً مكلفة. والأهم أن جداول الميزانيات لا تستطيع قياس قيمة الاستقرار أو أهمية الاستمرارية في حياة هؤلاء الأشخاص.
ولهذا يطرح الأهالي ومقدمو الرعاية والمتضامنون معهم سؤالاً جوهرياً: هل الإغلاق الكامل هو الخيار الوحيد حقاً؟ كما يبدون اعتراضات عدة، أبرزها أن البدائل المطروحة لا تناسب احتياجات كثير من المستفيدين، ما قد يدفع في النهاية إلى إيداعهم في دور رعاية سكنية أكثر كلفة بكثير.
من جهته، يؤكد المجلس أنه “واثق” من قدرة مزودي الخدمات الآخرين على التكيف مع احتياجات جميع الأفراد. كما تشدد ميتشي ألكسندر، عضو المجلس التنفيذي لشؤون الرعاية الاجتماعية للبالغين، على أن السلطات تدرك حجم القلق الذي يعيشه كل من يرتبط بمركز ويلينغتون هاوس، مؤكدة أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.
وتستمر المشاورات الرسمية حتى السابع من يوليو، في حين تقول ألكسندر إن المجلس يراجع أوضاع المركز لضمان استمرار تقديم الدعم اللازم مع تحقيق أفضل قيمة مقابل المال العام.
لكنّ كثيرين يرون أن القرار حُسم بالفعل، وأن المشاورات ليست سوى إجراء شكلي.
من بين هؤلاء لو فوغان، إحدى منظمات حملة رفض الإغلاق التي تستعد لتنظيم احتجاج أمام مبنى بلدية هوف. شقيقها “مات” البالغ من العمر 39 عاماً والمصاب بالتوحد يرتاد المركز منذ عشر سنوات، حيث يساعده العاملون فيه على ممارسة شغفه العميق بالبستنة وزراعة الخضراوات.
تقول لو: “أي تغيير بالنسبة لشخص مصاب بالتوحد ليس أمراً بسيطاً. هناك تفاصيل صغيرة لا حصر لها تستدعي القلق”. وتضيف أن إغلاق المركز سيكون “مدمراً” بالنسبة لشقيقها.
وفي الوقت الذي يستعد فيه آندي بورنهام للعودة إلى دائرة صنع القرار، يضع إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية للبالغين في صدارة أولوياته. فاهتمامه بهذا الملف يعود إلى فترة توليه وزارة الصحة في حكومة غوردون براون، عندما طرح لأول مرة فكرة إنشاء خدمة وطنية للرعاية الاجتماعية تضاهي هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، قبل أن تطيح بها حكومة الائتلاف التي خلفت حكومة العمال.
وقال بورنهام أخيراً إن إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية “أمر عاجل”، مؤكداً أنه لن يتردد في خوض هذه المعركة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد التوقعات بأن يُنشر تقرير الإصلاح الشامل الذي تعده لويز كيسي قبل موعده المقرر في عام 2028، ربما في وقت لاحق من هذا العام. ويركز التقرير بصورة خاصة على خدمات الرعاية والدعم المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة، رغم أن النقاش العام غالباً ما ينحصر في أوضاع كبار السن، وما إذا كان أي نظام جديد سيجبرهم على بيع منازلهم لتغطية تكاليف الإقامة في دور الرعاية.
واللافت أن نحو ثلث الإنفاق على الرعاية الاجتماعية للبالغين في إنجلترا يذهب أصلاً إلى دعم البالغين ذوي الإعاقة ممن هم في سن العمل. ومع ذلك، فإن الخدمات المخصصة لهم تتعرض لضغوط متزايدة، وبعضها يتقلص أو يختفي تماماً.
وقد قال لي أحد العاملين في قطاع الإعاقات الذهنية الأسبوع الماضي: “بعد سن التاسعة عشرة، لا يكاد يبقى أي شيء متاحاً لهؤلاء الأشخاص في معظم أنحاء البلاد”.
ولا توجد بيانات حديثة وشاملة حول أعداد المراكز النهارية التي أغلقت، لكن الجميع يعرف ما جرى للمكتبات العامة، وأندية الشباب، ومراكز “شير ستارت”. أما هذه القصة، مثل كثير من القضايا المتعلقة بالإعاقة، فقد جرت بعيداً عن الأضواء، ربما لأن المراكز النهارية باتت تُصوَّر على أنها نموذج قديم للرعاية داخل المباني، بعدما فضلت السلطات منح الأفراد ميزانيات شخصية لشراء خدماتهم بأنفسهم.
وفي عام 2018 كشفت ITV News أن عدد المراكز النهارية للبالغين في إنجلترا، ومنها المخصصة لكبار السن، انخفض بنسبة 41% منذ عام 2010.
وقبل ذلك، أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة مينكاب الخيرية عام 2012 أن ما يقرب من ثلث المجالس المحلية أغلقت خدماتها النهارية منذ عام 2009، في حين أصبحت الرسوم المفروضة على هذه الخدمات أكثر شيوعاً. والأسوأ أن واحداً من كل أربعة أشخاص من ذوي صعوبات التعلم المشاركين في الدراسة قال إنه أصبح يقضي أقل من ساعة واحدة يومياً خارج منزله.
كما أن كثيراً من هذه المراكز لم يتعافَ أصلاً من موجة الإغلاقات الجماعية التي فرضتها جائحة كورونا.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحولت قرارات الإغلاق إلى قضية محلية بارزة في مدن مثل بريستول وويندسور ومانسفيلد وأولدهام وتينبري ويلز وبيرنهام في مقاطعة باكينغهامشير وغيرها.
وفي بلدة مالتون الريفية بمقاطعة نورث يوركشاير، يخوض الأهالي معركة مماثلة لإنقاذ مركز كاوود، الذي يستخدمه بانتظام ثمانية أشخاص فقط، اثنان منهم يرتادانه منذ عام 1991.
لكن كارولين غارود التي تعتمد ابنتها ناتاشا البالغة من العمر 24 عاماً على خدمات المركز ترى أن الأرقام لا تروي الحقيقة كاملة، وتقول: “قد يكونون ثمانية أشخاص فقط، لكن هؤلاء الثمانية لهم قيمة. إنها حياتهم، وهم يأتون إلى هنا لأنهم يحبون هذا المكان”.
وتجسد هذه القضية شعوراً بريطانياً مألوفاً، وكأن تقدم فئة لا يتحقق إلا على حساب تراجع فئة أخرى. فإغلاق المركز يهدف جزئياً إلى إفساح المجال أمام مشروع جديد للإسكان المحمي.
ورغم ذلك، يواصل الأهالي ومقدمو الرعاية نضالهم بإصرار، كما يفعلون دائماً.
وإذا كان هناك رمز أكثر وضوحاً لما يحدث، فهو المركز النهاري السابق في منطقة هاربورن بمدينة برمنغهام الذي كان واحداً من أربعة مراكز أغلقتها البلدية ضمن خطتها الواسعة لخفض الإنفاق. كان يستقبل نحو ستين شخصاً بانتظام، أما اليوم فتخطط سلسلة متاجر ليدل لإقامة فرع جديد في الموقع ذاته؛ مكان كان يوماً رمزاً للصداقة والرعاية ومقاومة الوحدة والعزلة.
وأثناء متابعتي الحملة الانتخابية في دائرة ميكرفيلد، قضيت ستة أيام أتحدث إلى الناس عن نوع المجتمع الذي يريدون العيش فيه.
قالت لي امرأة كانت تغادر أحد مراكز الاقتراع: “يجب أن يكون الناس أكثر لطفاً”.
بدت وكأنها فوجئت بما قالته، لكنها كانت تعبر عن فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: إذا أرادت حكومة العمال الجديدة أن تقدم نموذجاً مختلفاً، فلتبدأ من هنا.
يمكن تحديث المراكز النهارية وتطويرها، وربطها بالمجتمع بصورة فضلى، بل وحتى تغيير اسمها إلى “مراكز مجتمعية” إذا كان ذلك سيجعلها أكثر قبولاً، لكن الحقيقة ستظل واحدة: وقف الإغلاق المتواصل لبعض أهم المساحات الإنسانية المشتركة في مجتمعنا سيكون بداية جيدة للغاية لأي مشروع جاد لإصلاح نظام الرعاية في بريطانيا.
نقلاً عن الجارديان
