منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إذا أصبح آندي بورنهام رئيساً للوزراء.. فهذه فرصته الحقيقية لإصلاح هيئة الصحة الوطنية البريطانية

22 يونيو 2026
أندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى آنذاك، خلال زيارة لمستشفى سالفورد الملكي في سالفورد، 28 يوليو 2021.
أندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى آنذاك، خلال زيارة لمستشفى سالفورد الملكي في سالفورد، 28 يوليو 2021.

جيريمي هانت

إذا انتقل آندي بورنهام من مانشستر إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت، فسيصبح أول رئيس وزراء في تاريخ هيئة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) سبق له أن شغل منصب وزير الصحة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا قد يعني ذلك بالنسبة لهذه المنظومة التي تواجه تحديات متزايدة؟

يعرف الجميع التزام بورنهام بقضايا الرعاية الاجتماعية، لكن عندما تخبره وزارة الخزانة بأن الأموال غير متوافرة، سيجد نفسه مضطراً للتفكير بجدية في الطريقة التي يمكن أن يترك بها بصمته الحقيقية على النظام الصحي.

اليوم، تنفق المملكة المتحدة خامس أعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي على الإنفاق الحكومي الصحي بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولهذا السبب لم يعد العاملون في القطاع الصحي يقولون إن المشكلة تتعلق بنقص التمويل، بل بالإنتاجية.

فمنذ عام 2020 ارتفع عدد العاملين في هيئة الصحة الوطنية في إنجلترا بنسبة 20%، في حين لم يزد النشاط الفعلي سوى بنسبة 10% فقط. وهذا أحد الأسباب الرئيسة لاستمرار قوائم الانتظار عند مستويات مرتفعة. كما أن جزءاً مهماً من التقدم الذي تحقق في خفض هذه القوائم جاء نتيجة ما يعرف بـ”تنظيف القوائم”؛ أي إزالة أسماء الأشخاص الذين لم يعودوا بحاجة إلى العلاج، وليس نتيجة زيادة حقيقية في الخدمات المقدمة.

فهم أسباب هذه المشكلة أمر بالغ الأهمية؛ لأن من غير المرجح أن تتوفر أموال إضافية كبيرة في المستقبل القريب.

أحد أسباب ضعف الكفاءة يتمثل في البنية التكنولوجية المتخلفة. ولهذا السبب، عندما كنت وزيراً للمالية، خصصت في موازنة عام 2024 مبلغ 3.4 مليار جنيه إسترليني لخطة إنتاجية جديدة لهيئة الصحة الوطنية تضمنت ربط السجلات الطبية ببعضها والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

لكن ذلك وحده لن يكون كافياً؛ لأنه لا يعالج السبب الجذري لضعف الكفاءة داخل الهيئة.

وهنا أصل إلى نقطة يعرفها بورنهام جيداً بحكم تجربته بوصفه عمدةً لمانشستر الكبرى.

فعندما كان يحتاج إلى تمويل لمشروع بنية تحتية كبير، كان عليه أن يطرق أبواب وزارة الخزانة وينتظر دوره ضمن طوابير البيروقراطية في وايتهول.

لكن ما واجهه في مانشستر هو أيضاً واقع يومي تعيشه هيئة الصحة الوطنية في إنجلترا التي تُعد أكثر أنظمة الرعاية الصحية مركزية وبيروقراطية في العالم.

فما يقرب من 1.5 مليون موظف يخضعون لإدارة دقيقة من لندن. وتفرض على المستشفيات 18 هدفاً تشغيلياً شهرياً، في حين يلتزم الأطباء العامون سنوياً بـ44 مؤشراً ضمن إطار الجودة والنتائج، يرتبط دخلهم مباشرة بتحقيقها.

وكلما جاء وزير صحة جديد، تطالبه رئاسة الوزراء بـ”إحكام السيطرة” على الهيئة، كانت النتيجة دائماً إضافة أهداف جديدة.

هذه الإدارة المفرطة خلقت حالة من العجز المؤسسي لدى المديرين المحليين الذين يقضون وقتهم في تحقيق “مسارات التحسين” المطلوبة منهم بدلاً من التركيز على الابتكار ورفع الإنتاجية.

لهذا السبب أرى أن بورنهام، إذا أصبح رئيساً للوزراء، يجب أن يفكر في إصلاح هيكلي أكبر بكثير.

أولاً، ينبغي إلغاء جميع الأهداف الوطنية المفروضة مركزياً.

كنت أرغب شخصياً في اتخاذ هذه الخطوة عندما كنت وزيراً للصحة، بمجرد أن نتمكن من العودة إلى تحقيق الأهداف التي كنا نفشل في بلوغها، لكن ذلك لم يحدث للأسف.

ثانياً، يجب أن يدرس نقل مسؤولية إدارة الخدمات الصحية في المناطق المختلفة إلى رؤساء البلديات المنتخبين محلياً الذين يجري توسيع صلاحياتهم تدريجياً في أنحاء إنجلترا.

هذا النموذج يشبه ما تطبقه السويد والدنمارك، حيث توجد أنظمة صحية شاملة للجميع، لكنها تحقق نتائج أفضل بكثير من هيئة الصحة الوطنية البريطانية.

وفي الحقيقة، لسنا بحاجة إلى النظر خارج البلاد لفهم كيفية نجاح هذا النموذج.

فنحن لا نفرض أهدافاً وطنية لعدد الطلاب الذين يجب أن ينجحوا في امتحانات الرياضيات أو الفيزياء على مستوى الثانوية العامة، بل نمنح مديري المدارس الحكومية قدراً كبيراً من الاستقلالية.

أما المساءلة فتتحقق من خلال التفتيش الذي تجريه هيئة “أوفستيد” ونشر نتائج الامتحانات.

والنتيجة أن إنجلترا أصبحت اليوم صاحبة أعلى مستويات القراءة في العالم الغربي.

الأمر نفسه ينبغي أن ينطبق على القطاع الصحي.

فالمستشفى الموجود في مدينة بارو إن فورنيس يواجه تحديات مختلفة تماماً عن مستشفى يقع في قلب لندن.

كما أن نظام الرعاية المتكاملة في المناطق الريفية يواجه ضغوطاً تختلف عن تلك الموجودة في المناطق الحضرية الكبرى.

يجب أن تكون هناك معايير وطنية واضحة، مثل الحدود القصوى لفترات الانتظار، لكن مع منح أكبر قدر ممكن من الحرية المحلية لتحقيق هذه الأهداف.

عندما أُطلق مشروع “تفويض مانشستر” عام 2016، كان الهدف أن يتحقق ذلك بالفعل، لكن الأهداف الوطنية بقيت كما هي، وظل مديرو المستشفيات خاضعين للمساءلة أمام هيئة الصحة الوطنية في إنجلترا وليس أمام العمدة المنتخب.

ولذلك جاء التأثير أقل بكثير مما كان مأمولاً.

أما الآن، فهناك فرصة حقيقية لاستكمال المهمة.

وإذا جرى في الوقت نفسه نقل مسؤولية الرعاية الاجتماعية إلى رؤساء البلديات في المناطق التي لا تقع هذه المسؤولية ضمن صلاحياتهم حالياً، فإن ذلك سيساعد أيضاً على تحسين هذا القطاع.

لقد حاولت الحكومات المتعاقبة لسنوات طويلة إزالة الحواجز بين الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية، وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة لتحقيق ذلك أخيراً.

صحيح أن هذه الخطوة لن تحل أزمة التمويل في قطاع الرعاية الاجتماعية، لكنها ستسهم في معالجة مشكلات أخرى مهمة، أبرزها تسهيل خروج المرضى من المستشفيات في الوقت المناسب ومنع ما يعرف بمشكلة “احتلال الأسرة” بسبب تأخر إجراءات الرعاية اللاحقة.

هناك قضايا كثيرة اختلف فيها جذرياً مع الرؤية السياسية اليسارية المعتدلة التي يتبناها آندي بورنهام.

لكن في هذه المسألة تحديداً، قد نجد أرضية مشتركة.

فكلانا جلس في قمة هرم وزارة الصحة وشاهد من قرب مدى صعوبة جعل مؤسسة ضخمة بهذا الحجم أكثر استجابة لاحتياجات المرضى.

وكلانا أراد أن يكون وزير الصحة الذي ينجح أخيراً في إصلاح هيئة الصحة الوطنية من الأعلى إلى الأسفل، ثم اكتشف أن ذلك مستحيل تقريباً.

لكن إذا أصبح بورنهام رئيساً للوزراء، فسيملك فرصة حقيقية لتحقيق ما عجزنا عنه نحن وزراء للصحة.

عندها يمكنه أن يحول هيئة الصحة الوطنية البريطانية من أكثر أنظمة الرعاية الصحية بيروقراطية في العالم إلى أحد أكثرها ابتكاراً.

وفي عالم لا تتوافر فيه أموال إضافية، يصعب أن أرى خياراً أفضل من ذلك.

نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print