لم تعد أزمة الغذاء العالمية تقتصر على نقص الإمدادات أو اتساع رقعة الجوع، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في عجز مئات الملايين من الأسر عن الوصول إلى غذاء صحي ومتوازن، حتى في الأسواق التي تتوافر فيها السلع الغذائية، ويكشف هذا التحول عن أزمة تتجاوز حدود الأمن الغذائي التقليدي إلى أزمة تغذية عالمية تهدد الصحة العامة والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، في وقت تتقاطع فيه آثار التضخم، والنزاعات المسلحة، والتغير المناخي، واضطرابات التجارة الدولية لتدفع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة “فاو” التابعة للأمم المتحدة في تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام 2026 أن تكلفة النظام الغذائي الصحي ارتفعت بنسبة 25 بالمئة منذ عام 2021، لتصل إلى متوسط 4.28 دولار للفرد يومياً وفق معيار تعادل القوة الشرائية، وهو ما جعل الغذاء الصحي خارج قدرة نحو 2.69 مليار شخص، أي ما يعادل شخصاً واحداً من كل ثلاثة أشخاص حول العالم.
وأوضح كبير الاقتصاديين في المنظمة ماكسيمو توريرو كولين أن المشكلة لم تعد تتعلق بإنتاج سعرات حرارية كافية، بل بقدرة الناس على شراء الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية الأساسية.
أرقام تكشف اتساع الأزمة
توضح منظمة الأغذية والزراعة أن ارتفاع تكلفة الغذاء الصحي لا يتوزع بالتساوي بين المجموعات الغذائية. وتشكل الحبوب والبقوليات نحو 13 بالمئة فقط من تكلفة النظام الغذائي الصحي، في حين تستحوذ المنتجات الحيوانية على قرابة 30 بالمئة، وتمثل الفواكه والخضراوات نحو 16 بالمئة من التكلفة الإجمالية، وهو ما يفسر لجوء الأسر محدودة الدخل إلى استهلاك الأغذية الأرخص والأقل قيمة غذائية على حساب الأغذية الطازجة والبروتينات الحيوانية.
وتشير المنظمة إلى أن هذه الفجوة الغذائية تؤدي إلى زيادة معدلات سوء التغذية، حتى في الدول التي لا تعاني نقصاً في الإنتاج الزراعي.
وتربط منظمة الأغذية والزراعة هذا الارتفاع بعدة عوامل متداخلة، من أبرزها استمرار التضخم الغذائي العالمي، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل والأسمدة، إضافة إلى تداعيات الحروب والنزاعات وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل دفعت أسعار الغذاء إلى مستويات تفوق قدرة ملايين الأسر على الشراء، خاصة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
الجوع يتغير وسوء التغذية يتسع
يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن العالم لم يعد يواجه أزمة نقص الغذاء فقط، بل يواجه أزمة في الوصول إلى الغذاء المغذي، ويؤكد البرنامج أن التضخم المستمر أدى إلى تراجع القوة الشرائية للأسر الفقيرة، الأمر الذي دفعها إلى تقليص استهلاك اللحوم والألبان والخضراوات والفواكه والاعتماد على أغذية أقل تكلفة وأدنى قيمة غذائية، وهو ما يفاقم معدلات التقزم والهزال وفقر الدم بين الأطفال والنساء.
كما توضح منظمة الصحة العالمية أن سوء التغذية لم يعد يقتصر على نقص الغذاء، بل يشمل أيضاً الحرمان من العناصر الغذائية الأساسية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وضعف المناعة وتأخر النمو العقلي والجسدي للأطفال، خاصة في المجتمعات الأكثر فقراً.
إفريقيا تتحمل العبء الأكبر
تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن القارة الإفريقية تظل الأكثر تأثراً بارتفاع تكلفة الغذاء الصحي، رغم أن الحلول المحلية يمكن أن تحدث فارقاً كبيراً. وتشير المنظمة إلى أن الاعتماد على الأغذية المنتجة محلياً بدلاً من سلة الغذاء العالمية الموحدة يمكن أن يخفض تكلفة النظام الغذائي الصحي في بعض الدول الإفريقية بنحو 80 بالمئة، وهو ما يبرز أهمية دعم الإنتاج المحلي والاستثمار في الزراعة الوطنية بدلاً من الاعتماد المفرط على الواردات الغذائية.
في المقابل، تسجل أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أعلى تكلفة للنظام الغذائي الصحي على مستوى العالم، وهو ما تربطه منظمة الأغذية والزراعة بتركيز العديد من الدول على تصدير المنتجات الزراعية ذات القيمة المرتفعة، مقابل محدودية المعروض في الأسواق المحلية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء للمستهلكين.
الحروب تعيد رسم خريطة الغذاء العالمية
تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن النزاعات المسلحة أصبحت أحد أبرز المحركات المباشرة لارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، بعدما أدت إلى تعطيل الإنتاج الزراعي وإغلاق طرق التجارة وإرباك حركة تصدير الحبوب والأسمدة.
وترى المنظمة أن استمرار الصراعات في عدد من المناطق المنتجة للغذاء أسهم في زيادة الضغوط على الأسواق الدولية، كما رفع تكاليف النقل والتأمين والشحن، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المستهلك النهائي، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الغذائية.
وتوضح الأمم المتحدة أن النزاعات والصراعات لم تؤثر في حجم الإنتاج وحده، بل امتدت آثارها إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوط متتالية، بدأت مع جائحة كورونا، ثم تفاقمت مع الحرب في أوكرانيا، وتزايدت مع الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما جعل الأسواق العالمية أكثر حساسية لأي تطورات سياسية أو عسكرية جديدة.
تغير المناخ يفاقم الأزمة
تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت عاملاً رئيسياً في ارتفاع أسعار الغذاء، بعدما تسببت موجات الجفاف والفيضانات والحرائق وارتفاع درجات الحرارة في تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية داخل العديد من الدول الزراعية الكبرى.
وتحذر المنظمة من أن ظاهرة إل نينيو المتوقعة خلال أواخر عام 2026 قد تؤدي إلى مزيد من التقلبات في الإنتاج الزراعي العالمي، خاصة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما قد ينعكس على أسعار الحبوب والزيوت النباتية والخضراوات والفواكه خلال العام المقبل.
كما يحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن تغير المناخ أصبح يمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي؛ لأن انخفاض الإنتاج الزراعي يتزامن مع زيادة الطلب على الغذاء نتيجة النمو السكاني، وهو ما يخلق فجوة متزايدة بين العرض والطلب.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
تكشف منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من ارتفاع تكلفة الغذاء الصحي؛ لأن الأسر الفقيرة غالباً ما تضطر إلى تقليص الإنفاق على الأغذية الغنية بالبروتينات والفيتامينات والمعادن، والاعتماد على أغذية رخيصة مرتفعة السعرات ومنخفضة القيمة الغذائية.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن ملايين الأطفال حول العالم يعانون من سوء التغذية الحاد أو المزمن، في حين يواجه مئات الملايين نقصاً في العناصر الغذائية الدقيقة مثل الحديد والزنك وفيتامين أ، وهو ما يؤدي إلى ضعف النمو الجسدي والعقلي، وزيادة معدلات الإصابة بالأمراض، وانخفاض القدرة على التعلم والإنتاج مستقبلاً.
وتؤكد المنظمة أن الاستثمار في التغذية الصحية للأطفال يظل أقل تكلفة بكثير من معالجة الآثار الصحية والاقتصادية طويلة الأجل لسوء التغذية.
النساء والفئات الهشة تحت ضغط متزايد
توضح هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء، خاصة الحوامل والمرضعات، يتأثرن بصورة مضاعفة بارتفاع أسعار الغذاء؛ لأن احتياجاتهن الغذائية ترتفع خلال فترات الحمل والرضاعة، في حين تتراجع قدرتهن على الحصول على غذاء متوازن في المجتمعات الفقيرة.
كما يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن اللاجئين والنازحين داخلياً يواجهون أوضاعاً أكثر تعقيداً، إذ يعتمد ملايين منهم على المساعدات الإنسانية التي تراجعت قيمتها الحقيقية نتيجة ارتفاع الأسعار عالمياً، الأمر الذي دفع البرنامج خلال الأعوام الأخيرة إلى خفض حجم المساعدات الغذائية في عدد من الأزمات الإنسانية بسبب نقص التمويل.
الحق في الغذاء ليس خياراً
تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الحق في الغذاء الكافي يمثل حقاً أساسياً نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي يلزم الدول بضمان حصول جميع الأفراد على غذاء كافٍ وآمن ومُغذٍّ.
وتوضح لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم 12 أن هذا الحق لا يعني مجرد توفير الحد الأدنى من السعرات الحرارية، وإنما يشمل إمكانية الوصول المستدام إلى غذاء مناسب من حيث الجودة والقيمة الغذائية، ما يحافظ على صحة الإنسان وكرامته.
وتشدد الأمم المتحدة على أن ارتفاع أسعار الغذاء بصورة تحرم شرائح واسعة من المجتمع من الحصول على الغذاء الصحي يضع الحكومات أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية تتطلب اعتماد سياسات اجتماعية واقتصادية تقلل الفجوة الغذائية وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً.
إصلاح السياسات الغذائية
ترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن الحكومات مطالبة بإعطاء الأولوية للحق في الغذاء عند صياغة السياسات الاقتصادية والزراعية، خاصة خلال الأزمات العالمية، وتؤكد أن ارتفاع الأسعار يجب ألا يؤدي إلى تقليص قدرة الفئات الفقيرة على الحصول على غذاء صحي.
كما تدعو منظمة العفو الدولية إلى تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتوسيع برامج الدعم الغذائي، وضمان عدم تأثر الفئات الأكثر هشاشة بالأزمات الاقتصادية أو بالتقلبات العالمية في أسعار السلع الأساسية.
وتطالب المنظمتان المؤسسات المالية الدولية بإدراج الحق في الغذاء ضمن أولويات برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي، مع مراعاة الآثار الاجتماعية لأي سياسات مالية أو تجارية.
البنية التحتية مفتاح خفض الأسعار
يرى كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة ماكسيمو توريرو كولين أن الجزء الأكبر من تكلفة الغذاء لا ينشأ داخل المزارع، وإنما بعد خروج المنتجات الزراعية منها.
ويشير إلى أن ما بين 70 و75 بالمئة من تكلفة النظام الغذائي الصحي ينتج عن عمليات النقل والتخزين والتعبئة والتوزيع والتسويق، وهو ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية والخدمات اللوجستية أحد أهم الحلول لخفض الأسعار.
كما يدعو إلى إعادة توجيه الدعم الحكومي نحو الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية، بدلاً من الاقتصار على دعم الحبوب التقليدية مثل القمح والأرز، ما يسهم في تحسين جودة الغذاء وخفض تكلفته في الوقت نفسه.
مخاطر جديدة في الأفق
تحذر منظمة الأغذية والزراعة من أن استمرار التوترات في منطقة الخليج قد يؤثر في إمدادات الأسمدة العالمية إذا تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لأي اضطرابات، وهو ما قد ينعكس على تكاليف الإنتاج الزراعي في مختلف أنحاء العالم.
كما تتوقع المنظمة أن تؤدي الظواهر المناخية المرتبطة بإل نينيو إلى موجة جديدة من التقلبات في أسعار الغذاء خلال عام 2027 إذا تراجعت إنتاجية المحاصيل في الدول الرئيسية المصدرة للحبوب.
وترى المنظمة أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأن أي أزمة جيوسياسية أو مناخية جديدة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ما يوسع دائرة الأشخاص غير القادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي.
تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن العالم بدأ يشهد اضطرابات واسعة في أسواق الغذاء منذ تفشي جائحة كورونا عام 2020، عندما تعطلت سلاسل الإمداد الدولية وارتفعت تكاليف النقل والإنتاج. ثم جاءت الحرب في أوكرانيا خلال عام 2022 لتفاقم الأزمة، بعدما تضررت صادرات الحبوب والزيوت النباتية والأسمدة من واحدة من أهم مناطق الإنتاج الزراعي في العالم. وبعد ذلك، أسهمت موجات الجفاف والفيضانات والظواهر المناخية المتطرفة في تقليص الإنتاج الزراعي داخل عدد من الدول، في حين أدت معدلات التضخم المرتفعة وارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكلفة الغذاء في جميع المراحل، من الإنتاج وحتى وصوله إلى المستهلك.
وتجمع الأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والبنك الدولي على أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب إصلاحاً شاملاً للأنظمة الغذائية العالمية، يقوم على دعم الإنتاج المحلي، وتطوير البنية التحتية، وتقليل الفاقد الغذائي، وتعزيز التجارة العادلة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، حتى لا يتحول الغذاء الصحي إلى امتياز لا يستطيع الحصول عليه سوى القادرين مالياً، في حين يظل مليارات البشر عالقين بين الجوع وسوء التغذية.

