أمل العمرو
تحولت أسعار الغذاء في عدد من الدول النامية من أزمة تضخم إلى أزمة وصول فعلي إلى الغذاء، بعدما باتت الزيادات المتلاحقة تستنزف دخول الأسر وتضغط على إنفاقها اليومي، ففي كثير من هذه الدول، لم يعد التحدي مقتصرًا على ارتفاع الأسعار، بل على قدرة الناس أصلًا على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستهلاك الغذائي.
وتظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي بلغ 128.5 نقطة في مارس 2026، بزيادة شهرية بلغت 2.4%، وهو ارتفاع يعكس استمرار الاختلالات في أسواق السلع الأساسية، خاصة الحبوب والزيوت والسكر.
ويغذي هذا المسار مزيجاً من الضغوط المالية والمناخية، مع ارتفاع كلفة الاقتراض الزراعي بفعل أسعار الفائدة العالمية المرتفعة، إلى جانب اضطرابات مناخية أضعفت الإنتاج في مناطق رئيسية، لا سيما في أمريكا اللاتينية.
وأشار البنك الدولي إلى أن تضخم أسعار الغذاء ظل مرتفعًا في عدد كبير من الدول، إذ تجاوز 5% في نحو 50 دولة من أصل 149 دولة توافرت لها بيانات الربع الأول من 2026.
بينما حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن 318 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من الجوع في 2026، بما يكشف أن أزمة الأسعار لم تعد مجرد تقلبات سوقية، بل باتت تضغط مباشرة على الأمن الغذائي وقدرة الأسر الأشد هشاشة على الحصول على غذاء كافٍ.
الحق في الغذاء
من الناحية الحقوقية، يعد ارتفاع أسعار الغذاء لا يُنظر إليه فقط كمسألة اقتصادية، بل كقضية تمس الحق في الغذاء الكافي بوصفه حقًا من حقوق الإنسان المعترف بها دوليًا.
وتوضح مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن هذا الحق يعني توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه ماديًا واقتصاديًا على نحو منتظم وكريم، بما يلبّي الاحتياجات الغذائية ويحفظ الكرامة الإنسانية.
وبذلك، فإن عجز الأفراد أو الأسر عن الوصول إلى الغذاء بسبب الغلاء أو ضعف القدرة الشرائية يضع على الدول التزامًا باتخاذ تدابير فعالة لحماية الفئات الأشد تضررًا، وضمان عدم تحول الصدمات السعرية إلى حرمان غذائي واسع، خصوصًا لدى الفقراء والأطفال وسكان مناطق النزاع.
تغير أنماط الاستهلاك
لا يقتصر أثر هذه التحولات على الأسعار، بل يمتد إلى سلوك المستهلكين، حيث تتجه الأسر في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى تقليل استهلاك السلع الأعلى كلفة، مثل اللحوم والفواكه، والاعتماد على أغذية أقل تكلفة.
وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 60% من الأسر منخفضة الدخل خفّضت تنوع غذائها خلال فترات التضخم الأخيرة، ما يعكس تحولا في أنماط الاستهلاك من جودة الغذاء إلى تأمين الحد الأدنى منه.
وتختلف انعكاسات هذه الأزمة بين الدول، وفق طبيعة اقتصاداتها ومدى اعتمادها على الاستيراد، ففي مصر، يرتبط الضغط الغذائي بارتفاع تكلفة الاستيراد وتقلبات سعر الصرف، حيث تعتمد البلاد على الخارج في أكثر من 50% من احتياجاتها من القمح، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
أما في لبنان، فيتداخل أثر التضخم مع تراجع قيمة العملة المحلية، في ظل اعتماد يتجاوز 80% على الاستيراد، ما يؤدي إلى استهلاك نسبة متزايدة من دخل الأسر في تأمين الغذاء، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر.
تضخم غذائي مرتفع
في الأرجنتين، ورغم كونها من كبار مصدري الغذاء، فإن ضعف العملة يدفع المنتجين نحو التصدير، ما يحدّ من توفر السلع محليا ويرفع أسعارها، بالتوازي مع معدلات تضخم غذائي مرتفعة تقارب 180% سنويا.
وفي نيجيريا، تتداخل العوامل المحلية مع الضغوط العالمية، حيث يؤدي ضعف البنية التحتية الزراعية وتراجع العملة إلى ارتفاع أسعار الغذاء، في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن بعض الأسر تنفق أكثر من 60% من دخلها على الغذاء.
وتعكس هذه المؤشرات أن ارتفاع أسعار الغذاء لم يعد مسألة اقتصادية فقط، بل عاملاً يؤثر على الوصول إلى الغذاء، خاصة في البيئات التي تتسم بضعف الدخل وارتفاع الاعتماد على الاستيراد.
ارتفاع أسعار الغذاء
في هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي، مازن أرشيد، أن الارتفاع في أسعار الغذاء يرتبط بتداخل عوامل تشمل أسعار الفائدة، وتكاليف الإنتاج، واضطرابات الإمداد، ما يؤدي إلى انتقال تدريجي للضغوط من الأسواق العالمية إلى الأسواق المحلية.
وفي حديثه لـ”صفر”، قال أرشيد إن ارتفاع مؤشر الغذاء العالمي إلى 128.5 نقطة في مارس 2026 يعكس استمرار هذه الضغوط، خاصة مع تأثير الجفاف في بعض مناطق الإنتاج الزراعي، ما أدى إلى تراجع صادرات الذرة والسكر.
وأوضح أرشيد أن تأثير هذه العوامل يختلف حسب السياق المحلي، ففي مصر يرتبط بتكلفة الاستيراد وسعر الصرف، بينما يتضاعف في لبنان نتيجة تراجع العملة، ويأخذ طابعا أكثر تعقيدا في الأرجنتين بسبب العلاقة بين التصدير والسوق المحلية، أما في نيجيريا فيرتبط بضعف الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب تأثير الأسعار العالمية، ما يضعف القدرة على الوصول إلى الغذاء، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء في الدول النامية لم يعد مجرد انعكاس للتضخم، بل عاملاً يعيد تشكيل القدرة على الوصول إلى الغذاء، في ظل تداخل عوامل اقتصادية عالمية ومحلية، وفي هذا السياق، يبرز الحفاظ على استقرار الإمدادات وتعزيز القدرة الشرائية كعنصرين أساسيين في الحد من تأثير هذه الضغوط على أنماط المعيشة.
ضغوط هيكلية متداخلة
من جانبه، يوضح خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن هذه التطورات لم تعد ظرفية، بل تعكس ضغوطا هيكلية متداخلة تشمل العوامل الاقتصادية والمناخية وسلاسل الإمداد، ما يؤدي إلى ضغط متصاعد على قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء.
ويضيف الزعبي في حديثه لـ”صفر” أن هذه الضغوط تنعكس على سلوك الاستهلاك، حيث تتجه الأسر إلى تقليص تنوع غذائها، مع اختلاف تأثير الأزمة بين الدول بحسب بنيتها الاقتصادية ومدى اعتمادها على الاستيراد.
ويشير إلى أن الدول تعتمد سياسات متفاوتة للتعامل مع الأزمة، حيث تعتمد مصر على دعم الخبز كأداة رئيسية لحماية القدرة الشرائية، بينما يعتمد لبنان على التحويلات النقدية وبرامج الدعم الإنساني.
ويؤكد الزعبي أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب سياسات مزدوجة تجمع بين حماية القدرة الشرائية وتعزيز الإنتاج المحلي، مشيرا إلى أن الاعتماد على الدعم وحده لا يكفي دون إصلاحات هيكلية.

