منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

عقوبات مشددة.. إعدام شهرام صادقي يعيد ملف المحاكمات الثورية في إيران للواجهة

20 أغسطس 2026
إيران.. مخاوف حقوقية من عودة المحاكمات الثورية
إيران.. مخاوف حقوقية من عودة المحاكمات الثورية

نفذت السلطات الإيرانية، في 16 أغسطس 2026، حكم الإعدام بحق شهرام صادقي، الذي أدين بتعمد قيادة سيارته نحو مجموعة من عناصر الشرطة خلال الاحتجاجات التي شهدتها مدينة كرج في يناير الماضي، في قضية أعادت إلى الواجهة الجدل الحقوقي المتصاعد بشأن استخدام عقوبة الإعدام في الملفات المرتبطة بالاحتجاجات والمحاكم الثورية.

ووفق الرواية الرسمية، أدى الحادث إلى إصابة سبعة من عناصر الشرطة، بينهم عنصر دخل في غيبوبة استمرت نحو ثلاثة أشهر، من دون أن تشير التقارير الرسمية المنشورة إلى وفاة أي من المصابين.

وقالت السلطات الإيرانية إن صادقي تعمد دهس عناصر الأمن خلال احتجاجات 8 يناير، قبل أن يفر من المكان ويحرق المركبة المستخدمة في الواقعة ويحاول إخفاء هويته، إلى أن ألقي القبض عليه في فبراير.

ولم تتوقف القضية عند اتهامه بارتكاب اعتداء عنيف، إذ أدانته المحكمة الثورية في كرج أيضاً بالعمل لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة و«جماعات معادية»، استناداً إلى تشريعات أمنية تتعلق بالتعاون مع خصوم إيران، قبل أن تؤيد المحكمة العليا الحكم ويجري تنفيذه.

قضية وإشكالية حقوقية

تثير القضية إشكالية حقوقية تتجاوز الجدل حول مسؤولية صادقي عن حادث الدهس نفسه، فخطورة الفعل المنسوب إليه، إذا ثبت قضائياً، لا تلغي ضرورة فحص مدى تناسب العقوبة مع الجريمة، خصوصاً أن الرواية الرسمية لم تتحدث عن مقتل أي شخص.

وهنا يظهر أحد أكثر جوانب القضية حساسية؛ إذ يحصر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعد إيران طرفاً فيه، تطبيق عقوبة الإعدام في الدول التي لم تلغها ضمن نطاق «أخطر الجرائم»، بينما فسرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذا المفهوم بصورة ضيقة بوصفه متعلقاً، في الأساس، بالجرائم التي تنطوي على قتل متعمد.

ولا يقتصر القلق الحقوقي على طبيعة العقوبة، فقد قالت منظمة Iran Human Rights إن وسائل إعلام حكومية عرضت بعد اعتقال صادقي اعترافات منسوبة إليه بتعمد دهس عناصر الأمن قبل أن تبدأ محاكمته بصورة فعلية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قرينة البراءة والظروف التي أُخذت فيها تلك الاعترافات.

وتقول المنظمة إن صادقي كان قد قدّم في بداية التحقيق رواية مختلفة، قبل أن يظهر لاحقاً في تسجيلات إعلامية يعترف فيها بالفعل المنسوب إليه، ما دفعها إلى إثارة مخاوف من احتمال تعرضه للإكراه، من دون أن تتوافر معلومات مستقلة كافية تسمح بحسم هذه المسألة.

عقوبة غير قابلة للتراجع

تكتسب مسألة الاعترافات المتلفزة أهمية خاصة في القضايا التي تنتهي بعقوبة غير قابلة للتراجع، فإظهار متهم أمام الجمهور بصورة توحي بثبوت مسؤوليته قبل انتهاء الإجراءات القضائية يمكن أن يضعف افتراض البراءة، ولا سيما عندما تجري المحاكمة أمام محكمة ثورية وفي قضية تجمع بين الاحتجاجات والاتهامات الأمنية والتعاون مع جهات أجنبية.

وفي مثل هذه الحالات، تصبح ضمانات الوصول إلى محامٍ مستقل، والقدرة على الطعن في الأدلة والاعترافات، ووجود محكمة مستقلة ومحايدة، عناصر أساسية لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل إجرائية ثانوية.

ويأتي تنفيذ الحكم بحق صادقي ضمن سياق أوسع من الإعدامات المرتبطة باحتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير 2026، وتقول منظمة Iran Human Rights إن صادقي أصبح الشخص السابع والعشرين الذي وثّقت المنظمة إعدامه على خلفية تلك الاحتجاجات منذ مارس، بينما لا يزال آخرون يواجهون أحكاماً أو اتهامات يمكن أن تقود إلى العقوبة القصوى.

وكانت منظمة العفو الدولية قد حذّرت في وقت سابق من تصاعد استخدام أحكام الإعدام في قضايا الاحتجاج، وأثارت مخاوف من الاعتماد على اعترافات قالت إنها انتزعت تحت التعذيب أو سوء المعاملة ومن استخدام تهم أمنية واسعة الصياغة.

العنف والاحتجاج السلمي

في المقابل، تؤكد السلطات الإيرانية أنها تميز بين الاحتجاج السلمي وبين الأفعال التي تصفها بالإرهابية أو المسلحة أو المرتبطة بجهات أجنبية.

وشدد مسؤولون في السلطة القضائية خلال الأشهر الماضية على أن الدولة لن تتساهل مع من تتهمهم بقتل أفراد الأمن أو مهاجمة المؤسسات أو التعاون مع خصوم خارجيين، معتبرين أن سرعة المحاكمة وتنفيذ الأحكام جزء من مواجهة ما تصفه بطبيعة استثنائية للتهديد الأمني الذي تواجهه البلاد.

غير أن هذا التبرير لا ينهي الإشكالية الحقوقية، بل يضعها في إطار أكثر دقة، فحق الدولة في التحقيق في الاعتداءات على عناصر الشرطة ومحاسبة مرتكبيها لا يتعارض مع حق المتهم في محاكمة عادلة.

كما أن إدانة شخص بفعل عنيف لا تعني تلقائياً أن كل عقوبة تصبح متوافقة مع القانون الدولي، وكلما كانت العقوبة أشد، ازدادت الحاجة إلى أعلى مستويات الإثبات والشفافية والاستقلال القضائي، لأن أي خلل في الإجراءات يصبح غير قابل للتصحيح بعد تنفيذ حكم الإعدام.

دهس عناصر الشرطة

من هنا، لا تختصر قضية شهرام صادقي في السؤال عما إذا كان ينبغي محاسبته على حادث دهس عناصر الشرطة؛ فهذه المحاسبة، إذا ثبتت مسؤوليته، حق مشروع للضحايا والمجتمع، السؤال الأكثر صعوبة هو ما إذا كانت الواقعة، التي لم تسفر بحسب المعلومات الرسمية المنشورة عن مقتل أي شخص، تستوفي أصلاً الحد الدولي الضيق الذي يسمح بعقوبة الإعدام، وما إذا كان المسار الذي سبق الحكم قد وفر جميع ضمانات المحاكمة العادلة اللازمة في قضية تنتهي بحرمان إنسان من حياته.

وبهذا المعنى، يصبح إعدام صادقي جزءاً من نقاش أوسع حول الطريقة التي تتعامل بها إيران مع ملفات الاحتجاجات: هل تستخدم العقوبة الجنائية فقط لمحاسبة أفعال عنيفة محددة، أم أن الإعدام يتحول تدريجياً إلى أداة ردع موجهة إلى المجال الاحتجاجي بأكمله؟

وبين رواية رسمية تتحدث عن حماية الأمن والنظام العام، ومخاوف حقوقية تتعلق بالمحاكم الثورية والاعترافات وعقوبة الموت، تبقى القضية اختباراً حقيقياً لقدرة القضاء الإيراني على الفصل بين متطلبات الأمن وضمانات العدالة.