في قلب العواصم الأوروبية التي تُعرف برفاهها الاقتصادي، تتسع دوائر الفقر بصمت، حيث تجد عائلات نفسها عاجزة عن تأمين احتياجات أساسية كالسكن والغذاء والرعاية الصحية، وهذه الصورة المتناقضة تعكس واقعا اجتماعيا معقدا داخل الاتحاد الأوروبي، وتضع صُنّاع القرار أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي هذا السياق تطرح المفوضية الأوروبية أول استراتيجية شاملة لمكافحة الفقر، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتحويل الالتزامات الاجتماعية إلى سياسات فعالة على الأرض.
وتسعى المفوضية الأوروبية من خلال استراتيجيتها إلى دفع الدول الأعضاء نحو تنسيق أفضل لسياساتها الاجتماعية، مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للتهميش، بما في ذلك الشباب وكبار السن والأشخاص ذوو الدخل المحدود، وتشمل الخطة بحسب ما ذكرته “بوليتيكو” نقلا عن بيان للمفوضية مراجعة أنظمة الحماية الاجتماعية، وتحسين آليات الوصول إلى الدعم، وتعزيز مشاركة المتضررين في صياغة السياسات، إضافة إلى معالجة قضايا فقر الأطفال والإقصاء السكني وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتؤكد المفوضية أن الهدف لا يقتصر على تخفيف الفقر، بل الوقاية منه عبر سياسات مستدامة.
أرقام 2025 تكشف عمق الأزمة
تكشف بيانات عام 2025 عن تحديات كبيرة تواجه الاتحاد الأوروبي في هذا الملف، حيث بلغ نحو 20.9 بالمئة من السكان معرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي، مقارنة بـ21.1 بالمئة في عام 2019، وفق بيانات “يوروستات” والأمم المتحدة، كما لم يتمكن الاتحاد سوى من خفض عدد المتأثرين بنحو 3.4 مليون شخص، رغم تعهده بخفض 15 مليونًا بحلول عام 2030، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن فقر الأطفال لا يزال مرتفعًا، إذ يعيش نحو 24 مليون طفل في ظروف مهددة بالفقر داخل الاتحاد، ما يعكس استمرار الفجوة بين الأهداف المعلنة والواقع.
أبعاد اقتصادية معقدة
يرتبط تفاقم الفقر في أوروبا بعدة عوامل اقتصادية، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة، خاصة في مجالات الطاقة والسكن، وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا أسهمت في زيادة الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود، بينما أدى تباطؤ النمو الاقتصادي إلى تقليص فرص العمل في بعض القطاعات، كما أن ارتفاع أسعار الإيجارات في المدن الكبرى جعل الوصول إلى السكن اللائق تحديا متزايدا، ما أدى إلى توسع ظاهرة الإقصاء السكني.
إشكالية التمويل والتنفيذ
تواجه استراتيجية المفوضية الأوروبية لمكافحة الفقر انتقادات واسعة بسبب غياب تمويل إضافي مخصص بشكل مباشر لدعم تنفيذها، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة، وأوضحت المفوضية الأوروبية في وثائقها الرسمية أن نحو 100 مليار يورو متاحة ضمن الإطار المالي متعدد السنوات للاتحاد الأوروبي لدعم السياسات الاجتماعية، مقارنة بنحو 50 مليار يورو ضمن الصندوق الاجتماعي الأوروبي بلس في الدورة السابقة، إلا أنها حمّلت الحكومات الوطنية مسؤولية ضعف الاستفادة من هذه الموارد، وأكدت المفوضية أن عددا من الدول الأعضاء لم يوجّه التمويل المتاح بكفاءة نحو الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما أدى إلى بطء التقدم في خفض معدلات الفقر.
في المقابل، انتقدت الشبكة الأوروبية لمكافحة الفقر هذا الطرح، معتبرة أن المشكلة لا تقتصر على سوء الاستخدام، بل ترتبط أيضا بغياب تمويل مخصص وواضح يضمن تنفيذ البرامج الاجتماعية على نطاق واسع، وقالت مديرة الشبكة جوليانا فالجرن إن الاستراتيجيات الاجتماعية لا يمكن أن تحقق نتائج ملموسة دون موارد مالية كافية ومستمرة، مشددة على ضرورة تخصيص ميزانيات موجهة بشكل مباشر لمكافحة الفقر بدلا من الاعتماد على إعادة توزيع الأموال القائمة.
كما دعت منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية إلى تعزيز الدور الرقابي للمفوضية الأوروبية، من خلال وضع آليات إلزامية تضمن التزام الدول الأعضاء بتنفيذ السياسات الاجتماعية، وربط التمويل الأوروبي بتحقيق نتائج محددة في مجال الحد من الفقر، وأشارت المنظمة إلى أن غياب المساءلة القانونية يضعف فعالية الاستراتيجية، خاصة في ظل تفاوت الإرادة السياسية بين الدول.
ووفقا لتقارير صادرة عن البنك الدولي فإن تحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي يتطلب إصلاحات هيكلية داخل الدول الأعضاء، تشمل تبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين استهداف الدعم، وتقليل الهدر المالي، مؤكدة أن التمويل وحده لا يكفي دون وجود أنظمة فعالة لإدارته.

تفاوتات حادة بين دول الاتحاد
تعكس البيانات الصادرة عن “يوروستات” وجود فجوات كبيرة بين دول الاتحاد الأوروبي في مستويات الفقر والإقصاء الاجتماعي، وهو ما يطرح تحديا إضافيا أمام أي استراتيجية موحدة على مستوى التكتل، فقد نجحت دول مثل رومانيا وبلغاريا في خفض نسبة السكان المعرضين لخطر الفقر بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، حيث سجلت رومانيا انخفاضا يقارب الثلث، نتيجة تطبيق برامج دعم اجتماعي موجهة وتحسين سياسات سوق العمل.
في المقابل، شهدت دول تعد من بين الأكثر ثراء في الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وفرنسا، ارتفاعا في معدلات الفقر خلال السنوات الأخيرة، وأظهرت بيانات “يوروستات” أن نسبة المعرضين لخطر الفقر في ألمانيا ارتفعت من 17.3 بالمئة في عام 2019 إلى 21.2 بالمئة في عام 2025، وهو ما يعكس تأثير التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة والسكن على الطبقات المتوسطة والفقيرة، كما سجلت فرنسا اتجاهًا مماثلًا، حيث ارتفعت نسبة السكان المعرضين لخطر الفقر من نحو 17.4 بالمئة في عام 2019 إلى ما يقارب 18.3 بالمئة في عام 2025، وفق بيانات “يوروستات”، وهو ارتفاع محدود لكنه يعكس اتجاها تصاعديا مماثلًا لما حدث في ألمانيا، وإن كان بوتيرة أقل حدة، ويُفسر هذا الارتفاع بتأثيرات التضخم العام في منطقة اليورو، إلى جانب ارتفاع تكاليف السكن في المدن الكبرى مثل باريس وليون، إضافة إلى تداعيات جائحة كورونا التي أثرت على قطاعات واسعة من سوق العمل، خصوصًا العمالة غير المستقرة والوظائف منخفضة الأجر.
وأوضح البنك الدولي في تقاريره أن هذه التفاوتات تعود إلى اختلاف السياسات الوطنية في مجالات الضرائب والحماية الاجتماعية وسوق العمل، حيث تعتمد بعض الدول على أنظمة دعم أكثر شمولًا، بينما تركز أخرى على سياسات سوقية تقلل من تدخل الدولة، وأكد أن الدول التي استثمرت في برامج الحماية الاجتماعية الموجهة حققت نتائج أفضل في تقليص الفقر.
من جانبها، أشارت الأمم المتحدة إلى أن هذه الفجوات تعكس أيضا تفاوتا في القدرة المؤسسية للدول الأعضاء، حيث تواجه بعض الدول صعوبات في تنفيذ البرامج الاجتماعية بكفاءة بسبب القيود الإدارية أو نقص الموارد البشرية، وهو ما يؤدي إلى عدم وصول الدعم إلى مستحقيه.
وتؤكد الشبكة الأوروبية لمكافحة الفقر أن هذه التفاوتات تضعف من تماسك الاتحاد الأوروبي، إذ يشعر المواطنون في بعض الدول بأنهم أقل استفادة من السياسات الأوروبية مقارنة بغيرهم، ما يعزز مشاعر عدم المساواة ويؤثر على الثقة في المؤسسات.
الفقر كقضية حقوقية
لم يعد الفقر يُنظر إليه باعتباره مجرد ظاهرة اقتصادية، بل أصبح قضية حقوقية تمس الكرامة الإنسانية، وتؤكد منظمات مثل منظمة العفو الدولية أن الفقر يشكل انتهاكًا للحق في مستوى معيشي لائق، كما يؤثر على حقوق أساسية مثل التعليم والصحة والسكن، ويستند هذا التوجه إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي يلزم الدول بضمان هذه الحقوق لجميع الأفراد دون تمييز.
تحديات قانونية ومؤسسية
تثير الاستراتيجية تساؤلات حول مدى إلزاميتها، إذ تعتمد بشكل كبير على التزام الدول الأعضاء بتنفيذها دون وجود آليات قانونية صارمة تفرض الامتثال وهذا النهج قد يحد من فعاليتها، خاصة في ظل اختلاف الأولويات بين الدول، كما تشكل البيروقراطية عائقا كبيرًا أمام وصول الفئات المستحقة إلى الدعم، حيث يعاني العديد من المواطنين من تعقيد الإجراءات وصعوبة الاستفادة من البرامج الاجتماعية.
البعد السياسي وصعود اليمين
يتقاطع ملف الفقر مع التحولات السياسية في أوروبا، حيث استغلت أحزاب اليمين المتطرف تدهور الأوضاع المعيشية لتحقيق مكاسب انتخابية، وتشير تحليلات إلى أن الشعور بالتهميش وفقدان الثقة في المؤسسات يسهمان في تعزيز هذا الاتجاه، ما يجعل مكافحة الفقر ضرورة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وقد شهدت دول مثل ألمانيا وفرنسا صعودًا ملحوظًا لهذه الأحزاب، مدفوعة بخطاب يركز على قضايا الهجرة والعدالة الاقتصادية.
وتعكس تجارب الأفراد المتأثرين بالفقر فجوة واضحة بين السياسات والتطبيق، إذ يشير كثيرون إلى صعوبة الوصول إلى الدعم بسبب تعقيد الأنظمة الإدارية، ما يحد من فعالية برامج الحماية الاجتماعية، وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن إشراك المتضررين في صياغة السياسات يعد عنصرًا أساسيًا لضمان نجاحها، إذ يوفر فهمًا أعمق للتحديات اليومية التي تواجههم.
بين الترحيب والقلق
أثارت استراتيجية المفوضية الأوروبية لمكافحة الفقر اهتماما واسعا في الأوساط الدولية، حيث تعاملت معها منظمات أممية وحقوقية باعتبارها خطوة سياسية مهمة تعكس اعترافا متزايدا داخل الاتحاد الأوروبي بحجم أزمة الفقر واتساع تأثيرها الاجتماعي، وقد رحبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بهذه المبادرة من حيث المبدأ، مؤكدة أن معالجة الفقر داخل الاقتصادات المتقدمة تمثل جزءا أساسيا من الالتزامات الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأن أي سياسة فعالة يجب أن تضمن الحق في مستوى معيشي لائق باعتباره حقا أصيلا غير قابل للتجزئة.
وفي السياق نفسه، دعت منظمة الأمم المتحدة إلى أن تقوم الاستراتيجية الأوروبية على نهج حقوقي واضح، يربط بين مكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع التركيز على تقليص الفجوات بين الفئات الاجتماعية وضمان وصول متكافئ إلى التعليم والرعاية الصحية والسكن، وأكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقاريره لعام 2025 أن الفقر في الدول المتقدمة لم يعد مرتبطا فقط بانخفاض الدخل، بل أصبح يرتبط أيضا بضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية وتراجع الحماية الاجتماعية، وهو ما يتطلب سياسات أكثر شمولا وتنسيقا بين الدول.
من جانب آخر، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن غياب تمويل مخصص وواضح للاستراتيجية قد يحد من فعاليتها، معتبرة أن معالجة الفقر لا يمكن أن تترك فقط لآليات السوق أو لتفاوت السياسات الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي، وأشارت المنظمة في تقاريرها الحقوقية إلى أن استمرار ارتفاع نسب الفقر داخل بعض الدول الأوروبية يمثل مؤشرا على وجود خلل في حماية الحقوق الاجتماعية، خصوصا الحق في السكن والعمل الكريم والحماية من الإقصاء الاجتماعي.
كما شددت الشبكة الأوروبية لمكافحة الفقر، وهي إحدى أبرز المنظمات المدنية المعنية بالملف داخل أوروبا، على ضرورة تحويل الاستراتيجية من إطار سياسي عام إلى خطة تنفيذية ملزمة ترتبط بمؤشرات أداء واضحة وتمويل موجه، وأكدت الشبكة أن غياب آليات إلزامية لمراقبة التنفيذ قد يؤدي إلى تفاوت كبير في تطبيق السياسات بين الدول الأعضاء، ما يضعف من فعالية الاتحاد الأوروبي ككل في مواجهة الفقر.
وفي سياق متصل، ربطت منظمات دولية بين مكافحة الفقر وأهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة، وخاصة الهدف الأول المتعلق بالقضاء على الفقر، والهدف العاشر المتعلق بتقليل أوجه عدم المساواة، وأوضحت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة في عام 2025 أن تحقيق هذه الأهداف في الدول المتقدمة يتطلب ليس فقط سياسات دعم مالي، بل أيضا إصلاحات هيكلية في أنظمة الضرائب والحماية الاجتماعية وسوق العمل، لضمان استدامة النتائج على المدى الطويل.
وتشير تحليلات صادرة عن البنك الدولي إلى أن المجتمع الدولي ينظر إلى التجربة الأوروبية في مكافحة الفقر باعتبارها اختبارا لقدرة الاقتصادات المتقدمة على مواجهة التحديات الاجتماعية الداخلية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية وتزايد التفاوت في الدخل، ويرى البنك الدولي أن نجاح أو تعثر هذه الاستراتيجية سيكون له تأثير على النماذج العالمية في تصميم السياسات الاجتماعية.
كما تؤكد تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية أن ارتفاع الفقر داخل بعض الدول الأوروبية يعكس تحديات في جودة الوظائف واستقرار سوق العمل، مشيرة إلى أن العمل غير المستقر والأجور المنخفضة أصبحا من أبرز أسباب الفقر داخل الاقتصادات المتقدمة، وتدعو المنظمة إلى ربط السياسات الاجتماعية بسياسات تشغيل عادلة تضمن الحد الأدنى من الدخل الكريم لجميع العاملين.
جذور السياسات الاجتماعية
تعود جذور السياسات الاجتماعية في الاتحاد الأوروبي إلى عقود طويلة، حيث سعت الدول الأعضاء إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية، وقد تعزز هذا التوجه مع إطلاق الركيزة الأوروبية للحقوق الاجتماعية في عام 2017، التي هدفت إلى تعزيز العدالة وتقليل الفوارق، إلا أن الأزمات المتتالية، مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 وجائحة كورونا، كشفت عن هشاشة بعض الأنظمة، وأعادت قضية الفقر إلى صدارة الأجندة السياسية بحسب المفوضية الأوروبية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو استراتيجية المفوضية الأوروبية لمكافحة الفقر خطوة مهمة لكنها غير كافية بمفردها، فنجاحها يعتمد على توفر الإرادة السياسية، وتخصيص الموارد اللازمة، وتعزيز آليات التنفيذ والمساءلة، وبين الطموحات المعلنة والتحديات الواقعية، يبقى مستقبل هذه الاستراتيجية رهين قدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل التزاماته إلى نتائج ملموسة تعيد الثقة لمواطنيه وتضمن لهم حياة كريمة، وفي غياب ذلك، قد يستمر الفقر كأحد أبرز التحديات التي تهدد تماسك المشروع الأوروبي على المدى الطويل.

