حذّرت منظمة العفو الدولية من التدهور الخطير في الوضع الصحي للمعارض التونسي جوهر بن مبارك، في ظل استمرار إضرابه عن الطعام داخل السجن، ودعت السلطات التونسية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية وضمان حمايته الفورية وتوفير رعاية طبية مستقلة وملائمة له.
وبحسب بيان لمنظمة العفو الدولية -فرع تونس- فإن التحذير جاء في اليوم السابع والعشرين من إضراب الجوع الذي يخوضه بن مبارك، مع تأكيد المنظمة أن حياته أصبحت في خطر.
جوهر بن مبارك، وهو أحد أبرز قيادات جبهة الخلاص الوطني المعارضة وأستاذ متخصص في القانون الدستوري، يخوض الإضراب احتجاجاً على ظروف اعتقاله وعلى مسار محاكمته في قضية “التآمر على أمن الدولة” التي تقول المعارضة وهيئات حقوقية إنها تفتقر إلى شروط المحاكمة العادلة وتقوم على تهم ذات طابع سياسي.
وفي وقت سابق، نقلت وكالة رويترز عن محاميه وأفراد من عائلته أن حالته الصحية تدهورت خلال إضراب سابق عن الطعام، وأنه رفض العلاج مؤكداً تمسكه باحتجاجه على ما يصفه بـ“السجن الجائر”.
نقل زاد المعاناة
يتزامن التحذير الحقوقي الجديد مع نقل بن مبارك هذا الشهر من سجن في ولاية نابل إلى سجن آخر في الكاف، على مسافة تقارب 170 كيلومتراً من العاصمة تونس، في خطوة قالت عائلته ومقربون منه إنها فاقمت معاناته ومعاناة أسرته، ولا سيما والده المسنّ البالغ من العمر 80 عاماً الذي بات يواجه مشقة كبرى في زيارته.
ويقضي بن مبارك عامه الثالث في السجن على خلفية قضية “التآمر على أمن الدولة”، وهي واحدة من أبرز القضايا التي طالت معارضين وسياسيين وناشطين في تونس منذ حملة الاعتقالات الواسعة التي بدأت في 2023.
وفي فبراير 2026 ذكرت رويترز أن محكمة الاستئناف التونسية أيدت ورفعت أحكاماً قاسية بحق عدد من شخصيات المعارضة والأمنيين السابقين في هذه القضية، في حين قالت مصادر حقوقية إن الأحكام في بعض الملفات تراوحت بين خمس سنوات و66 عاماً.
وتشدد المعارضة على أن هذه القضية “ملفقة” وتهدف إلى إسكات خصوم الرئيس قيس سعيّد، في حين ترفض السلطات هذه الاتهامات وتؤكد أن القضاء مستقل وأن الإجراءات تستند إلى القانون.
معارضة تتحدث
بن مبارك ليس مجرد اسم داخل ملف قضائي، بل يعد أحد الوجوه البارزة للمعارضة التونسية منذ 2021، وارتبط اسمه بمواقف ناقدة بشدة للمسار الذي اتبعه الرئيس قيس سعيّد بعد تجميد البرلمان وتوسيع صلاحياته والحكم بمراسيم. لهذا اكتسبت قضيته بُعداً سياسياً كبيراً، وصارت بالنسبة إلى خصوم السلطة دليلاً على ما يصفونه بتراجع الحريات واستعمال القضاء لتصفية الخصوم.
وقالت منظمات حقوقية، منها هيومن رايتس ووتش، إن السلطات التونسية استخدمت الاحتجاز التعسفي والمحاكمات ذات الطابع السياسي لسحق المعارضة، ووصفت في تقرير مطول صدر في أبريل 2025 قضية “التآمر” بأنها إحدى أبرز أدوات هذا النهج.
ليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها بن مبارك إلى الإضراب عن الطعام، ففي سبتمبر 2023 وثقت منظمة العفو الدولية إضراباً سابقاً خاضه مع عدد من المتهمين الآخرين في القضية نفسها، واعتبرت حينها أن احتجازهم كان “جائراً ” وأن القضية “ملفقة”.
كما شهد أواخر 2025 سلسلة إضرابات جديدة شارك فيها معارضون بارزون آخرون، بينهم راشد الغنوشي وعصام الشابي، للمطالبة بالإفراج عنهم ووقف المحاكمات التي يعدونها مسيسة.
مخاوف على السلامة
المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بتأثير الإضراب الطويل عن الطعام، بل أيضاً بالمعاملة داخل السجن. ففي نوفمبر 2025 نقلت رويترز عن محاميته حنان الخميري أن بن مبارك تعرض لـعنف شديد داخل السجن على أيدي أربعة أعوان سجون، ما أسفر -بحسبها- عن كسور وكدمات واضحة.
ولم يصدر تعليق رسمي مفصل آنذاك من السلطات السجنية، لكنها كانت قد نفت في وقت سابق أن يكون المضربون عن الطعام في حالة صحية متدهورة.
العفو الدولية لم تكتفِ بإبداء القلق، بل طالبت الدولة التونسية بضمان الحماية الفورية لبن مبارك، وتمكينه من رعاية طبية مستقلة وملائمة، واحترام حقوقه الأساسية دون تأخير.
وتنسجم هذه المطالب مع ما تكرر في بيانات منظمات دولية أخرى تعد الرعاية الصحية في السجن ليست مسألة إدارية فقط، بل التزام قانوني مباشر على الدولة، خاصة حين يكون السجين في وضع خطر نتيجة إضراب عن الطعام أو تدهور صحي موثق.
مناخ حقوقي متوتر
تأتي قضية بن مبارك في مناخ حقوقي متوتر في تونس، حيث تتحدث منظمات دولية ومحلية منذ سنوات عن تضييق متزايد على المعارضة والنشطاء والصحفيين، وتراجع استقلال القضاء، وتوسّع في استخدام نصوص أمن الدولة لملاحقة الخصوم السياسيين.
وقالت رويترز في تقارير متتالية إن غالبية قيادات المعارضة البارزة أصبحت إما في السجن أو قيد المحاكمة أو تحت ضغوط أمنية وقضائية، في حين يرفض الرئيس قيس سعيّد هذه الاتهامات ويقول إن ما يقوم به يهدف إلى حماية الدولة ووضع حد للفوضى والفساد.
حتى الآن، لم يصدر عن السلطات التونسية رد مفصل على التحذير الأخير الصادر عن العفو الدولية، كما لم يتضح ما إذا كانت إدارة السجون ستستجيب للمطالب المتعلقة بالرعاية الطبية المستقلة أو ظروف الاحتجاز.
لكن مع دخول بن مبارك أسبوعه الرابع من الإضراب عن الطعام، ومع تكرار التحذيرات من تدهور حالته، يبدو أن قضيته تتجه إلى أن تصبح واحدة من أكثر ملفات السجناء السياسيين حساسية في تونس في هذه المرحلة، ليس فقط بسبب موقعه في المعارضة، بل لأن المسألة باتت تمس بصورة مباشرة سلامته الجسدية وحقه في الحياة والرعاية والاحتجاز الإنساني.
