منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحرب والركود يدفعان ملايين الأسر الإيرانية إلى حافة الفقر وفقدان المأوى

02 مايو 2026
عمال البناء والإنشاءات في إيران
عمال البناء والإنشاءات في إيران

تزامناً مع يوم العمال العالمي، كشفت تقارير صحفية حديثة عن أزمة إنسانية متفاقمة تضرب قطاع العمالة في إيران، حيث أدت الحرب والركود الاقتصادي إلى فقدان نحو 1.2 مليون عامل بناء لوظائفهم، ما دفع آلاف الأسر إلى مواجهة الفقر والتشرد في ظل غياب شبكات الأمان الاجتماعي.

ووفقاً لما نشرته صحيفة “شرق”، فإن هؤلاء العمال الذين لا يتمتع معظمهم بتأمين ضد البطالة وجدوا أنفسهم بلا مصدر دخل منذ أسابيع، في حين تكافح عائلاتهم لتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية داخل إيران يوماً بعد يوم.

أزمة معيشية 

تشير المعطيات إلى أن غالبية هذه الأسر تعيش في مساكن مستأجرة، ما يجعلها في صدارة الفئات الأكثر هشاشة أمام تداعيات الحرب والركود الاقتصادي، حيث لم يعد فقدان الوظيفة مجرد أزمة دخل مؤقتة، بل تحول إلى تهديد مباشر بالاقتلاع من السكن وفقدان الاستقرار الأسري، ومع مرور نحو شهرين دون رواتب، بدأت إنذارات الإخلاء تتوالى، في ظل عجز آلاف العائلات عن سداد الإيجارات أو توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ما ينذر بموجة تشرد واسعة قد تمتد آثارها إلى مستويات اجتماعية أعمق.

وتؤكد منظمة العمل الدولية أن النزاعات المسلحة والركود الاقتصادي يؤديان إلى فقدان واسع للوظائف وتراجع حاد في مستويات الدخل، خاصة في القطاعات غير المنظمة مثل البناء، حيث يفتقر العاملون إلى شبكات الحماية الاجتماعية، كما يوضح البنك الدولي أن الحروب تتسبب في انكماش النشاط الاقتصادي وتعطل الاستثمارات، ما يؤدي إلى انهيار أسواق العمل وارتفاع معدلات الفقر بشكل متسارع.

وفي السياق الإقليمي، تشير تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا إلى أن النزاعات في المنطقة تسببت في فقدان ملايين الوظائف خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات البطالة، خصوصاً بين العمالة اليومية، كما توضح تقارير صادرة عن الأمم المتحدة أن بعض مناطق النزاع شهدت مستويات بطالة قياسية نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية بشكل شبه كامل.

وفي هذا السياق، يصبح عمال البناء في إيران من أكثر الفئات تضرراً؛ نظراً لاعتماد عملهم على المشاريع الاستثمارية والاستقرار الأمني، وهو ما يتلاشى في ظل الحروب، ومع توقف المشاريع وانكماش الإنفاق، يفقد هؤلاء العمال مصدر دخلهم بشكل مفاجئ، دون وجود شبكات حماية كافية، ما يدفع أسرهم إلى دوامة من الفقر المتسارع، وتشير بيانات مراكز بحثية محلية وتقارير إعلامية إلى أن أكثر من مليون عامل بناء باتوا خارج سوق العمل، وهو رقم يعكس ليس فقط أزمة قطاع، بل خلل هيكلي في منظومة الحماية الاجتماعية.

وتتجاوز تداعيات هذه الأزمة الجانب الاقتصادي لتطول النسيج الاجتماعي، حيث يؤدي فقدان السكن والاستقرار إلى تفكك الأسر، وارتفاع معدلات الفقر المدقع، وزيادة الاعتماد على المساعدات، في وقت تعاني فيه الحكومات من محدودية الموارد، ما يحول أزمة فقدان الدخل إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي.

عمال بلا مأوى

وتصف التقارير واقع هذه الأسر بأنه قاسٍ، إذ بات عمال البناء الذين يسهمون في تشييد المنازل عاجزين عن توفير سقف يأويهم، في مفارقة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها.

وتكشف البيانات أن نحو نصف هؤلاء العمال فقط يحصلون على تأمين التقاعد، في حين لا يزال النصف الآخر على قوائم الانتظار منذ أكثر من خمس سنوات دون الحصول على أي تغطية، ما يزيد من هشاشتهم في مواجهة الأزمات.

تأثيرات متفاقمة في ذوي الإعاقة

وفي سياق متصل، أدى قطع الإنترنت لفترات طويلة إلى تفاقم معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث فقد كثيرون منهم وظائفهم التي كانوا يعتمدون فيها على العمل عن بعد، مثل الدعم الفني والتسويق الرقمي وتصميم الجرافيك وإدارة المواقع.

وأدى انقطاع الاتصال إلى عزل هؤلاء العاملين عن أصحاب العمل والعملاء، ما تسبب في توقف مصادر دخلهم بشكل كامل، في ظل محدودية البدائل المتاحة لهم، الأمر الذي زاد من فجوة عدم المساواة في سوق العمل.

آثار نفسية واجتماعية مقلقة

كما انعكس هذا الوضع على الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث أدى الانقطاع إلى زيادة العزلة والحرمان من التعليم، وظهور مؤشرات مقلقة مثل تنامي الأفكار الانتحارية لدى بعض المتضررين، ما يجعل الأزمة تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى أبعاد إنسانية أعمق.

يأتي يوم العمال العالمي في الأول من مايو من كل عام بوصفه رمزاً للنضال من أجل حقوق العمال وتحسين ظروف العمل حول العالم، غير أن العديد من الدول تشهد في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة نتيجة الأزمات الاقتصادية والصراعات، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الحماية الاجتماعية، ويعد قطاع البناء من أكثر القطاعات تأثراً بالتقلبات الاقتصادية؛ نظراً لاعتماده على الاستثمارات والاستقرار العام، في حين يمثل العمل عن بعد أحد الحلول التي برزت خلال السنوات الماضية، خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن ضعف البنية التحتية الرقمية أو انقطاع الإنترنت يمكن أن يقوض هذه الفرص ويعيد فئات واسعة إلى دائرة التهميش الاقتصادي والاجتماعي.