لم تنتهِ آثار الحرب بانحسار المعارك في مناطق واسعة من سوريا، إذ ما تزال مخلفات القتال والألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة تشكل خطراً يومياً يهدد حياة المدنيين، خصوصاً في المناطق الريفية التي لم تخضع لعمليات تطهير واسعة، وفي ريف دير الزور تحولت مساحات من الأراضي الزراعية والطرق المحيطة بالقرى إلى مناطق محفوفة بالمخاطر، حيث يعيش السكان بين الحاجة إلى الوصول إلى مصادر رزقهم والخوف من انفجار قد يغير حياتهم خلال لحظات.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن سكان قرى ريف دير الزور، ولا سيما قرية مظلوم والمناطق المحيطة بها، يواجهون تهديداً مستمراً بسبب انتشار الألغام والأجسام غير المنفجرة في الأراضي الزراعية ومحيط التجمعات السكنية.
وأوضح المرصد أن الأهالي يطالبون الجهات المعنية والمنظمات الدولية المختصة بإرسال فرق هندسية لإجراء عمليات مسح شاملة وإزالة هذه المخلفات، إضافة إلى وضع علامات تحذيرية واضحة في المناطق المشتبه بوجود ألغام فيها، بهدف الحد من سقوط المزيد من الضحايا.
خطر يرافق السكان يومياً
يعيش سكان ريف دير الزور واقعاً صعباً بسبب استمرار وجود مخلفات الحرب في مناطق يستخدمونها بشكل يومي، فالأراضي الزراعية التي تمثل مصدر الدخل الأساسي للعديد من العائلات أصبحت تحمل تهديداً خفياً، في حين يخشى الأهالي إرسال أطفالهم للعب في الأماكن المفتوحة أو الاقتراب من المناطق التي لا يعرفون مدى خطورتها.
وقال أحد سكان قرية مرّاط بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية للأهالي، موضحاً أن السكان يتجنبون الوصول إلى بعض الأراضي خشية وجود أجسام متفجرة، مطالباً بإرسال فرق مختصة لمسح المنطقة وإزالة المخلفات قبل وقوع حوادث جديدة.
كما أكد أحد وجهاء المنطقة وأصحاب الأراضي الزراعية للمرصد السوري أن استمرار انتشار الألغام أثر بشكل مباشر في قطاعي الزراعة والرعي، مشيراً إلى أن مساحات واسعة أصبحت غير قابلة للاستخدام بسبب المخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب، الأمر الذي انعكس على مصادر رزق السكان وأجبر بعضهم على الابتعاد عن أراضيهم.
أرقام تكشف حجم الكارثة
تؤكد الأرقام حجم الخطر الذي تمثله مخلفات الحرب في سوريا، إذ وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 209 أشخاص منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو نتيجة انفجار أجسام وذخائر من مخلفات الحرب في مختلف المحافظات السورية، وشملت حصيلة الضحايا 122 رجلاً و79 طفلاً وثماني نساء.
كما وثق المرصد إصابة 305 أشخاص خلال الفترة نفسها بسبب انفجارات مرتبطة بمخلفات الحرب، بينهم 185 رجلاً و110 أطفال وعشر نساء، ما يعكس استمرار تأثير هذه المخلفات في المدنيين بعد سنوات من انتهاء العمليات العسكرية في العديد من المناطق.
الأطفال الضحايا الأكثر هشاشة
يشكل الأطفال الفئة الأكثر تعرضاً للخطر بسبب طبيعة هذه الذخائر، إذ تجذب بعض الأجسام غير المنفجرة انتباههم بسبب شكلها أو عدم إدراكهم لخطورتها. وتحذر المنظمات الإنسانية الدولية من أن استمرار وجود الألغام والذخائر غير المنفجرة يهدد حياة الأطفال ويحرمهم من استخدام المساحات العامة وممارسة حياتهم الطبيعية.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن مخلفات الحرب القابلة للانفجار تمثل خطراً طويل الأمد يستمر حتى بعد توقف القتال، وأن عمليات التوعية وإزالة الألغام تحتاج إلى جهود منظمة وموارد كبيرة، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية واسعة.
أزمة تعوق التعافي الاقتصادي
لا يقتصر تأثير الألغام في الخسائر البشرية، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي، إذ تؤدي المساحات الملوثة إلى تعطيل الزراعة ومنع السكان من استغلال أراضيهم، كما تعرقل عودة النازحين وإعادة بناء المجتمعات المحلية.
ويرى العاملون في المجال الإنساني أن إزالة مخلفات الحرب تعد خطوة أساسية لاستعادة الاستقرار في المناطق المتضررة؛ لأنها ترتبط بعودة النشاط الزراعي وفتح الطرق وتأمين عودة السكان إلى منازلهم بأمان، كما أن غياب عمليات المسح الهندسي الشاملة يزيد من احتمالات وقوع حوادث جديدة مع توسع حركة السكان واستخدام الأراضي.
تعد سوريا واحدة من أكثر الدول التي تأثرت بمخلفات الحرب خلال السنوات الماضية نتيجة استخدام أنواع متعددة من الأسلحة في مناطق القتال، ما أدى إلى انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة في مناطق سكنية وزراعية واسعة.
وتعمل منظمات دولية ومحلية على تنفيذ برامج للتوعية بمخاطر الألغام وإزالتها في بعض المناطق، إلا أن حجم المشكلة وتعقيداتها الجغرافية والأمنية يجعلان عمليات التطهير الكامل تحتاج إلى سنوات من العمل المنظم والدعم الفني والتمويل المستمر.
وتؤكد الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن إزالة الألغام وحماية المدنيين من مخلفات الحرب تمثلان جزءاً أساسياً من جهود التعافي وإعادة الإعمار بعد النزاعات.
