منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إنجازات ثلاثة عقود على المحك.. أزمة التمويل واحتكار الأدوية يعيدان رسم خريطة الإيدز عالمياً

29 يوليو 2026
مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز"
مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز"

حذّر برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، بالتزامن مع افتتاح المؤتمر الدولي السادس والعشرين للإيدز في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، من أن العالم يقف أمام نقطة تحول خطيرة قد تعيد وباء الإيدز إلى دائرة الانتشار الواسع، رغم امتلاكه أدوات علمية غير مسبوقة للوقاية والعلاج. وأكد البرنامج أن ارتفاع أسعار الأدوية الحديثة، إلى جانب الانخفاض الحاد في التمويل الدولي، يهددان بتقويض الإنجازات التي تحققت خلال العقود الثلاثة الماضية، وقد يؤديان إلى إصابة أكثر من ثلاثة ملايين شخص إضافي بفيروس نقص المناعة البشرية قبل نهاية العقد الحالي إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

الأمم المتحدة ترصد تراجعاً مقلقاً

أكد برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”في تقريره السنوي الصادر خلال المؤتمر أن الأزمة الحالية لا ترتبط بنقص الحلول الطبية، وإنما بعدم قدرة ملايين الأشخاص على الوصول إليها، وأوضح أن الفجوة التمويلية دفعت عددا متزايدا من الدول إلى تقليص خدمات الوقاية والعلاج والإرشاد، كما أجبرت منظمات مجتمعية عديدة على إغلاق أبوابها أو تقليص أنشطتها، الأمر الذي يهدد بعودة معدلات الإصابة إلى الارتفاع بعد سنوات من الانخفاض.

وأشار البرنامج إلى أن العالم يشهد مفارقة غير مسبوقة، إذ تتوفر وسائل وقاية توصف بأنها الأكثر فاعلية في تاريخ مكافحة الفيروس، بينما تتراجع قدرة الأنظمة الصحية على توفيرها للفئات الأكثر عرضة للإصابة بسبب نقص التمويل وارتفاع أسعارها.

فجوة العدالة

عرضت أحدث الدراسات العلمية، التي ناقشها المؤتمر الدولي للإيدز، نتائج دواء لينكابافير طويل المفعول، الذي يوفر حماية تقترب من 100 في المئة من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ويحتاج المريض إلى حقنتين فقط سنويا، إلا أن برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز ومنظمات المجتمع المدني أكدت أن هذا الإنجاز العلمي يفقد قيمته الإنسانية عندما تعجز الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل عن الحصول عليه بأسعار مناسبة.

وأوضحت الجمعية البرازيلية متعددة التخصصات للإيدز أن البرازيل، رغم مشاركتها في التجارب السريرية التي أسهمت في تطوير الدواء، استبعدت من قائمة الدول المسموح لها بإنتاج النسخ الجنيسة منخفضة التكلفة، وهو ما اعتبرته انتكاسة لمبدأ العدالة الصحية وتقاسم ثمار البحث العلمي.

أسعار الدواء تثير جدلاً عالمياً

كشفت الجمعية البرازيلية متعددة التخصصات للإيدز أن الدراسات المحلية أثبتت قدرة البرازيل على تصنيع دواء لينكابافير بتكلفة تقل عن 75 دولارا للمريض سنويا، بينما يتجاوز سعر النسخة الخاضعة لبراءة الاختراع 20 ألف دولار سنويا، وهو فارق ضخم يجعل توفير العلاج على نطاق واسع أمرا شبه مستحيل بالنسبة للعديد من أنظمة الصحة العامة.

وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية، ويني بيانييما، إن الابتكار العلمي لا يحقق غايته إذا بقي حكرا على القادرين على دفع تكلفته، مؤكدة أن العدالة في الوصول إلى الدواء تمثل الاختبار الحقيقي لنجاح الجهود العالمية في القضاء على الإيدز.

التمويل يتراجع إلى أدنى مستوياته

أظهرت بيانات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية أن التمويل الدولي المخصص لمكافحة الفيروس انخفض بأكثر من 1.5 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، أي بنسبة 18 في المئة، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عشرين عاما.

وأضاف التقرير أن المساعدات الإنمائية العالمية سجلت خلال عام 2025 أكبر انخفاض سنوي في تاريخها بنسبة 23 في المئة، بينما جاءت البرامج الصحية، وعلى رأسها مكافحة الإيدز، ضمن أكثر القطاعات تضررا من هذا التراجع، الأمر الذي انعكس مباشرة على خدمات الوقاية والفحص والعلاج في عدد كبير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

خدمات منقذة للحياة مهددة

أكد برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية أن المنظمات المجتمعية لعبت دورا محوريا في الوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للإصابة، إذ حصلت على نحو 25 في المئة من إجمالي المساعدات الدولية المخصصة لمكافحة الفيروس خلال عام 2024.

وأظهرت الأبحاث التي استند إليها البرنامج أن هذه المنظمات تمكنت في بعض الدول من الوصول إلى 22 في المئة من الأشخاص المتعايشين مع الفيروس، كما قدمت خدمات الوقاية والرعاية لما يصل إلى 60 في المئة من الفئات المهمشة، وهي نسب تؤكد أن انهيار تمويل هذه المنظمات سيؤدي إلى فقدان ملايين الأشخاص خدمات صحية أساسية.

حقوق الإنسان في قلب الأزمة

أكد برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية أن القضاء على الإيدز لا يرتبط فقط بتوفير العلاج، وإنما يتطلب أيضا إزالة الحواجز القانونية والاجتماعية التي تمنع الفئات الأكثر عرضة للإصابة من الوصول إلى الخدمات الصحية.

وأظهرت بيانات البرنامج أن 168 دولة ما زالت تجرّم العمل في مجال الجنس، بينما تجرم 152 دولة حيازة كميات صغيرة من المخدرات، وتجرم 66 دولة العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي، كما تجرم 14 دولة الأشخاص المتحولين جنسيا، وهي تشريعات ترى الأمم المتحدة أنها تدفع الفئات المستهدفة بعيدا عن خدمات الوقاية والفحص والعلاج.

وأكدت منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن إنهاء الوصم والتمييز يمثل أحد الشروط الأساسية لإنجاح الاستجابة العالمية، داعية الحكومات إلى مراجعة التشريعات التي تعيق الوصول إلى الرعاية الصحية.

أهداف 2030 تواجه اختباراً صعباً

أوضح برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية أن العالم يحتاج إلى توفير وسائل الوقاية القائمة على مضادات الفيروسات القهقرية لنحو 20 مليون شخص، إضافة إلى ضمان وصول العلاج المنقذ للحياة إلى 40 مليون شخص بحلول عام 2030، إذا أراد تحقيق هدف إنهاء الإيدز باعتباره تهديدا للصحة العامة.

وأشار البرنامج إلى أن 149 دولة اعتمدت في يونيو 2026 إعلانا سياسيا جديدا بشأن فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، تضمن التزاما بخفض مستويات الوصم والتمييز إلى أقل من 10 في المئة بين الأشخاص المتعايشين مع الفيروس أو المعرضين لخطر الإصابة، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الوقاية والعلاج وضمان الوصول العادل إلى الابتكارات الطبية.

تظهر بيانات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية أن العالم حقق خلال العقدين الماضيين تقدما تاريخيا في مكافحة الوباء بفضل توسيع العلاج والوقاية، إذ انخفضت الإصابات الجديدة والوفيات المرتبطة بالإيدز إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاثة عقود، غير أن التقرير الأخير كشف أيضا عن ارتفاع الإصابات الجديدة في ثلاث مناطق و21 دولة خلال عام 2025، وهو ما اعتبره مؤشرا على هشاشة المكاسب المحققة.

ويرى خبراء الأمم المتحدة أن نجاح العالم في إنهاء الإيدز بحلول عام 2030 لن يعتمد على التقدم العلمي وحده، بل على توفير تمويل مستدام، وإتاحة الأدوية بأسعار عادلة، وحماية حقوق الإنسان، وضمان عدم استبعاد الفئات الأكثر عرضة للإصابة من خدمات الوقاية والعلاج، حتى لا تتحول الأزمة المالية الحالية إلى نقطة انطلاق لموجة جديدة من انتشار الفيروس على مستوى العالم.