حذرت الأمم المتحدة من أن الجهود العالمية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز” تواجه أخطر تحدياتها منذ عقود، في ظل تراجع التمويل الخارجي وانحسار الاهتمام بحقوق الإنسان واستمرار نقص الاستثمارات الموجهة إلى برامج الوقاية والخدمات المجتمعية، الأمر الذي يهدد بتقويض ما تحقق من تقدم كبير في مواجهة المرض خلال السنوات الماضية.
ووفقاً لتقرير جديد أصدره برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، فإن العالم يقف أمام منعطف حاسم قد يؤدي إلى تبديد المكاسب التي تحققت بشق الأنفس إذا لم يتم التحرك العاجل لمعالجة فجوات التمويل وتعزيز برامج الوقاية والعلاج، بحسب ما أوردته أخبار الأمم المتحدة.
أخطر اضطراب منذ بداية المواجهة
وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، ويني بيانيما، إن الاستجابة العالمية للفيروس تواجه أخطر اضطراب منذ أن توحد المجتمع الدولي لمكافحة المرض. وأوضحت أن خفض التمويل وتقلص مساحة عمل منظمات المجتمع المدني وتزايد تجريم الفئات المهمشة تضافرت جميعها لتشكل ما وصفته بأكبر عاصفة تواجه جهود مكافحة فيروس نقص المناعة حتى الآن.
وأضافت أن هذه التطورات تأتي في وقت لا يزال فيه المرض يشكل تهديداً حقيقياً لملايين الأشخاص حول العالم، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة وفقراً.
فجوات متزايدة في الوقاية والعلاج
وسلط التقرير الضوء على استمرار معاناة الفئات الأكثر عرضة للخطر، مشيراً إلى أن نحو 3000 فتاة مراهقة وشابة في إفريقيا جنوب الصحراء يصبن أسبوعياً بفيروس نقص المناعة البشرية، وهو ما يعكس استمرار الفشل في الوصول إلى بعض الفئات الأكثر احتياجاً لخدمات الوقاية والرعاية الصحية.
كما أكد التقرير أن أعداداً متزايدة من المرضى تواجه صعوبات في الحصول على العلاج، في وقت يواصل فيه الفيروس الانتشار في عدد من المناطق التي تشهد تراجعاً في الخدمات الصحية والبرامج الوقائية.
تراجع غير مسبوق في التمويل
وكشف التقرير الذي حمل عنوان “متحدون لإنهاء الإيدز” عن انخفاض المساعدات الإنمائية العالمية بنسبة 23 بالمئة خلال عام 2025، وهو أكبر تراجع يتم تسجيله على الإطلاق.
وأشار إلى أن برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية كانت من أكثر القطاعات تضرراً، حيث انخفضت خدمات الفحص بنسبة 22 بالمئة بين عامي 2024 و2025 في المناطق ذات معدلات الإصابة المرتفعة. كما شهدت بعض البرامج انخفاضاً تجاوز 90 بالمئة في التمويل المخصص لتوفير وسائل الوقاية، في حين تراجع استخدام الأدوية اليومية الوقائية من الإصابة بالفيروس بنسبة 38 بالمئة وفقاً للبيانات الواردة من 62 دولة.
تراجع الحقوق يفاقم الأزمة
ورصد التقرير مؤشرات مقلقة على صعيد الحقوق والحريات، إذ شهد عام 2025 فرض عقوبات تجريمية جديدة تتعلق بالممارسات الجنسية المثلية في دولتين إضافيتين، في حين شددت دولة أخرى العقوبات ذاتها خلال عام 2026.
وأوضح التقرير أن تجريم الفئات المهمشة آخذ في الارتفاع لأول مرة منذ بدء رصد هذه المؤشرات، الأمر الذي يزيد من صعوبة وصول تلك الفئات إلى خدمات الوقاية والعلاج، ويقوض الجهود الرامية إلى الحد من انتشار الفيروس.
برامج الوقاية تحت الضغط
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم ظهور وسائل وقاية جديدة وطويلة المفعول يمكن أن تسهم في خفض معدلات الإصابة، أكد التقرير أن برامج الوقاية تتعرض للتفكيك بدلاً من التوسع.
ولفت إلى أن الإنفاق على الوقاية لم يمثل سوى 11 بالمئة من إجمالي الإنفاق العالمي المرتبط بفيروس نقص المناعة البشرية خلال عام 2024، في حين يتجه هذا التمويل المحدود إلى مزيد من الانخفاض دون وجود مؤشرات واضحة على قدرة التمويل المحلي على سد الفجوة القائمة.
نجاحات مهددة بالضياع
ورغم هذه التحديات، أكد التقرير أن الاستجابة العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية تعد واحدة من أبرز قصص النجاح في مجال الصحة العامة خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية.
فقد انخفضت الوفيات المرتبطة بالإيدز بنسبة 56 بالمئة منذ عام 2010، متراجعة من 1.3 مليون حالة وفاة إلى نحو 570 ألف حالة وفاة في عام 2025. كما انخفضت الإصابات الجديدة بنسبة 43 بالمئة خلال الفترة نفسها لتصل إلى 1.2 مليون إصابة سنوياً.
ويحصل حالياً نحو 78 بالمئة من الأشخاص المتعايشين مع الفيروس، والبالغ عددهم 40.9 مليون شخص، على العلاج اللازم، إلا أن قرابة تسعة ملايين شخص ما زالوا خارج مظلة العلاج، ما يجعل المكاسب المحققة عرضة للتراجع في حال استمرار أزمة التمويل الحالية.
خطة أممية جديدة للقضاء على الإيدز
ويستعد قادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لاعتماد إعلان سياسي جديد خلال الاجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة بشأن فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز المقرر عقده يومي 22 و23 يونيو، بهدف تسريع الجهود العالمية للقضاء على الإيدز بحلول عام 2030.
ويتضمن الإعلان أهدافاً طموحة تشمل توفير العلاج المضاد للفيروسات القهقرية لنحو 40 مليون شخص بحلول عام 2030، وضمان حصول 20 مليون شخص على أدوية الوقاية، إلى جانب توفير خدمات صحية خالية من الوصمة والتمييز.
وأكدت بيانيما أن القضاء على الإيدز لا يزال هدفاً قابلاً للتحقيق إذا التزمت الدول بتنفيذ الاستراتيجية العالمية لمكافحة المرض وتوفير الدعم السياسي والمالي اللازم خلال السنوات المقبلة، محذرة من أن التقاعس عن التحرك قد يؤدي إلى ضياع عقود من التقدم الذي تحقق بجهود كبيرة.
يعد فيروس نقص المناعة البشرية من الأمراض المزمنة التي تهاجم الجهاز المناعي وتضعف قدرة الجسم على مقاومة العدوى والأمراض المختلفة. ورغم عدم التوصل حتى الآن إلى علاج شاف نهائي للفيروس، فإن التطورات الطبية خلال العقود الماضية مكنت ملايين المصابين من العيش حياة طبيعية من خلال العلاج المضاد للفيروسات القهقرية.
وقد لعبت الشراكات الدولية وبرامج التمويل العالمية دوراً محورياً في خفض معدلات الوفيات والإصابات الجديدة، خصوصاً في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ما جعل مكافحة الإيدز واحدة من أبرز قصص النجاح في مجال الصحة العالمية خلال العقود الأخيرة.
