منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تراجع الهجرة إلى ألمانيا يثير مخاوف من اتساع فجوة العمالة الماهرة

29 يوليو 2026
تراجع الهجرة إلى ألمانيا
تراجع الهجرة إلى ألمانيا

سجلت ألمانيا تراجعًا ملحوظًا في صافي الهجرة خلال عام 2025، وسط تحذيرات من تداعيات ذلك على سوق العمل والاقتصاد، بعدما أظهرت دراسة حديثة أن البلاد تواجه ما وصفته بـ”التحول الثلاثي في الهجرة”، وهو تغير في أنماط الوافدين والمغادرين قد يؤدي إلى تفاقم نقص العمالة الماهرة ويحد من قدرة أكبر اقتصاد أوروبي على الحفاظ على معدلات النمو والابتكار.

وأفاد معهد الاقتصاد الألماني (IW)، في ثاني فقرات التقرير، بأن صافي الهجرة، الذي يمثل الفرق بين عدد الوافدين إلى ألمانيا والمغادرين منها، انخفض إلى نحو 235 ألف شخص خلال عام 2025، مقارنة بـ663 ألف شخص في عام 2023، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة منذ عام 2010، باستثناء الفترة التي شهدتها البلاد خلال جائحة “كوفيد-19”.

وأوضح الباحث في المعهد، فيدو غايس تونه، أن هذا التراجع يعكس تغيرات هيكلية في أنماط الهجرة إلى ألمانيا وخارجها، محذرًا من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تقليص حجم القوى العاملة المتاحة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الألماني بصورة متزايدة على العمالة الوافدة لسد النقص في العديد من القطاعات الحيوية.

ثلاثة عوامل تقود التراجع

حددت الدراسة ثلاثة عوامل رئيسة تقف وراء انخفاض صافي الهجرة، يتمثل أولها في التراجع الكبير في أعداد طالبي اللجوء، إذ انخفض عدد الطلبات الأولى من 329 ألف طلب عام 2023 إلى نحو 113 ألف طلب فقط في عام 2025، وهو ما أسهم بصورة مباشرة في انخفاض إجمالي أعداد الوافدين إلى البلاد.

أشارت الدراسة إلى أن العامل الثاني يتمثل في تزايد عودة المهاجرين القادمين من دول أوروبا الشرقية إلى بلدانهم الأصلية، بعدما شكلوا خلال السنوات الماضية ركيزة أساسية في سوق العمل الألماني، حيث كانوا يشغلون نحو 5% من الوظائف الخاضعة لنظام التأمينات الاجتماعية في عام 2023.

أظهرت البيانات تحولًا لافتًا في حركة هذه الفئة من العمالة، إذ سجل عام 2025 صافي مغادرة بلغ 45 ألف شخص من مواطني الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي، مقارنة بصافي مغادرة قدره 35 ألفًا في عام 2024، بينما كانت ألمانيا قد سجلت صافي هجرة إيجابيًا بنحو 42 ألف شخص لهذه الفئة خلال عام 2023.

تحديات لسوق العمل

يعكس هذا التحول تراجع جاذبية ألمانيا بالنسبة إلى شريحة من العمال الأوروبيين الذين لعبوا دورًا مهمًا في سد احتياجات قطاعات مثل الصناعة والإنشاءات والخدمات والرعاية الصحية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات ديموغرافية متزايدة تتمثل في شيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد.

يحذّر خبراء الاقتصاد من أن استمرار انخفاض صافي الهجرة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة في العمالة الماهرة، وهو ما قد ينعكس على إنتاجية الشركات، ويؤثر في قدرة الاقتصاد الألماني على المنافسة، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الكفاءات المتخصصة والتكنولوجيا والابتكار.

أبعاد اقتصادية وديموغرافية

تعتمد ألمانيا منذ سنوات على الهجرة باعتبارها أحد أهم الأدوات لتعويض النقص في القوى العاملة الناتج عن التغيرات الديموغرافية، إذ تشير التقديرات إلى أن سوق العمل يحتاج إلى مئات الآلاف من العمال سنويًا للحفاظ على مستويات الإنتاج والنمو، مع تزايد أعداد المتقاعدين وتراجع أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

يرى مختصون أن تراجع صافي الهجرة لا يمثل تحديًا ديموغرافيًا فحسب، بل يمتد تأثيره إلى المالية العامة وأنظمة الضمان الاجتماعي، التي تعتمد على استمرار تدفق العمالة للمساهمة في تمويلها، فضلًا عن تأثيره المحتمل في قدرة الشركات على التوسع والاستثمار.

تحديات أمام السياسات الحكومية

تواجه الحكومة الألمانية تحديًا متزايدًا في تحقيق التوازن بين تشديد سياسات الهجرة واللجوء من جهة، وضمان استمرار تدفق العمالة الماهرة التي يحتاج إليها الاقتصاد من جهة أخرى، في ظل منافسة متصاعدة مع دول أوروبية أخرى لاستقطاب الكفاءات الأجنبية.

يبقى نجاح ألمانيا في مواجهة هذا “التحول الثلاثي في الهجرة” مرتبطًا بقدرتها على تطوير سياسات أكثر فاعلية لاستقطاب العمالة الماهرة، وتحسين بيئة العمل والاندماج، والحفاظ على جاذبية سوقها أمام الكفاءات الأجنبية، بما يضمن استمرار النمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية لأكبر اقتصاد في أوروبا.