منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

زواج القاصرات في أفغانستان.. طفولة تُسلب تحت ضغط الفقر والقيود الذكورية

09 يونيو 2026
القيود المفروضة على تعليم الفتيات وعمل النساء يفاقم أزمة زواج القاصرات
القيود المفروضة على تعليم الفتيات وعمل النساء يفاقم أزمة زواج القاصرات

لم يعد زواج القاصرات والزواج القسري في أفغانستان مجرد ممارسة اجتماعية مرتبطة بالفقر أو العادات التقليدية، بل أصبح أحد أخطر مظاهر الانتهاك الممنهج لحقوق الفتيات في التعليم والصحة والحماية والاختيار.

وبعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، تزايدت المخاوف من أن القيود المفروضة على تعليم الفتيات وعمل النساء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وغياب مؤسسات الحماية المستقلة، تدفع مزيداً من الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة باعتباره مخرجاً من الفقر أو الخوف أو العجز.

ولا يسلب الزواج المبكر الفتاة مقعدها الدراسي فقط، بل ينتزع منها طفولتها وحقها في بناء مستقبلها، ويدفعها إلى دائرة من العنف الأسري والحمل المبكر والمشكلات الصحية والنفسية.

وفي بلد أُغلقت فيه أبواب المدارس الثانوية والجامعات أمام الفتيات، يصبح الزواج القسري امتداداً لحرمان أوسع من الحياة العامة والحق في تقرير المصير.

أرقام تكشف حجم الخطر

تُظهر أحدث بيانات منصة قياس زواج الأطفال المدعومة من اليونيسف أن 28.7% من الفتيات والنساء في أفغانستان تزوجن قبل سن الثامنة عشرة، وفق أحدث قيمة متاحة لعام 2023.

وترتفع النسبة في المناطق الريفية إلى 31.9%، مقارنة بـ20.2% في المناطق الحضرية، ما يعكس ارتباط الظاهرة بالفقر والعزلة وضعف الوصول إلى التعليم والخدمات.

وتكشف البيانات نفسها فجوة طبقية حادة؛ إذ تبلغ نسبة زواج القاصرات 43.6% بين الفتيات في أفقر الأسر، مقارنة بـ17.5% في الأسر الأغنى، وهذا يعني أن الفقر لا يرافق الظاهرة فقط، بل يضاعف خطر وقوع الفتيات فيها.

وكانت اليونيسف قد حذرت بعد عودة طالبان إلى السلطة من تزايد خطر زواج الأطفال في أفغانستان، مقدّرة أن 28% من النساء بين 15 و49 عاماً تزوجن قبل سن 18.

ووثق شركاء اليونيسف 183 حالة زواج أطفال و10 حالات بيع أطفال في ولايتي هرات وبادغيس وحدهما بين عامي 2018 و2019، وكان الأطفال المعنيون بين 6 أشهر و17 عاماً.

دفع الفتيات إلى الزواج

منذ سبتمبر 2021، حظرت طالبان تعليم الفتيات بعد الصف السادس، ثم أغلقت الجامعات أمام النساء في ديسمبر 2022.

وتؤكد اليونيسف أن أكثر من مليون فتاة حُرمن من حقهن في التعليم منذ فرض حظر التعليم الثانوي، محذرة في أبريل 2026 من أن استمرار القيود على تعليم الفتيات وعمل النساء قد يؤدي إلى خسارة أكثر من 25 ألف معلمة وعاملة صحية بحلول عام 2030.

ولا يقتصر أثر حظر التعليم على ضياع سنوات الدراسة. ففي المجتمعات التي ترتبط فيها قيمة الفتاة بقدرتها على الزواج أو البقاء داخل المنزل، يؤدي إغلاق المدرسة إلى تقليل البدائل أمام الأسرة والفتاة معاً، فالمدرسة لا تمنح التعليم فقط، بل تؤخر الزواج، وتوفر للفتيات شبكة حماية اجتماعية، وتفتح لهن فرصة تخيل مستقبل مختلف.

وقالت هيومن رايتس ووتش في سبتمبر 2025 إن مرور أربع سنوات على حظر تعليم الفتيات بعد سن الثانية عشرة يمثل “ذكرى مدمرة”، مؤكدة أن الحظر غير قانوني وقاسٍ، ويقضي على أحلام الفتيات بمجرد بلوغهن المرحلة العمرية التي تُمنع فيها الدراسة.

قانون جديد يزيد المخاوف

في مايو 2026 أثار مرسوم جديد أصدرته سلطات طالبان بشأن “الفصل بين الزوجين” قلقاً أممياً وحقوقياً واسعاً، بسبب ما يتضمنه من بنود مرتبطة بزواج القاصرات وحقوق النساء في الطلاق.

وأعربت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان عن قلقها من أن المرسوم يقوض حقوق النساء والفتيات، ويزيد صعوبة انفصال المرأة عن زوجها، ويرفع المخاطر المرتبطة بزواج الأطفال.

وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن المرسوم المنشور في 14 مايو الماضي يواصل تقويض حقوق النساء والفتيات، ويجعل انفصال المرأة عن زوجها أكثر صعوبة، ويثير مخاوف خطِرة بشأن زواج الأطفال والتمييز ضد النساء والفتيات.

وتقول تقارير حقوقية إن المرسوم يسمح بتفسير صمت الفتاة عند بلوغها باعتباره قبولاً بالزواج، ويفتح الباب أمام تكريس سلطة الأوصياء الذكور في قرارات الزواج، ما يضعف مفهوم الرضا الحر والمستنير، ويجعل الفتيات أكثر عرضة للزواج القسري أو الاستمرار في زيجات لم يخترنها.

الحظر الرسمي والواقع العملي

تقول طالبان إنها تحظر الزواج القسري، وتقدم بعض قراراتها باعتبارها متوافقة مع الشريعة، لكن منظمات حقوقية وأممية ترى أن الواقع القانوني والاجتماعي الذي فرضته الحركة يقوض قدرة النساء والفتيات على الرفض أو طلب الحماية.

وحين تُحرم الفتاة من التعليم، وتُمنع النساء من معظم فرص العمل، وتتقلص خدمات الحماية، يصبح “الاختيار” مفهوماً شكلياً في كثير من الحالات.

وتؤكد هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 أن طالبان عمقت خلال عام 2025 قمعها للنساء والفتيات، ووسعت القيود على حقوقهن، في حين تفاقمت الأزمة الإنسانية بسبب خفض المساعدات والعودة القسرية الواسعة للاجئين الأفغان من دول الجوار.

وفي هذا السياق، يصبح زواج القاصرات نتيجة مباشرة لتقاطع عوامل متعددة: الفقر، إغلاق المدارس، القواعد الاجتماعية، غياب الحماية، وانعدام الأمل في مستقبل تعليمي أو مهني للفتيات.

الأثر الصحي والنفسي

تؤكد اليونيسف أن زواج الأطفال يمثل انتهاكاً أساسياً لحقوق الإنسان، وله آثار مدمرة في الصحة والتعليم والفرص المستقبلية، فالفتاة التي تتزوج قبل اكتمال نموها تكون أكثر عرضة للحمل المبكر، ومضاعفات الولادة، وفقر الدم، والاكتئاب، والعنف الأسري، والانقطاع عن التعليم.

ولا يمكن فصل هذه الآثار عن البيئة الأوسع في أفغانستان. فالفتيات اللواتي يُحرمن من التعليم ويُدفعن إلى الزواج المبكر يفقدن أدوات الحماية الأساسية.. المدرسة، المعرفة، الاستقلال الاقتصادي، القدرة على طلب المساعدة، وشبكات الدعم خارج الأسرة.

كما أن تدهور نظام الرعاية الصحية، وقيود الحركة، واشتراط المحرم في كثير من جوانب الحياة العامة، كلها عوامل تجعل وصول الفتيات والنساء إلى الرعاية الصحية والنفسية أكثر صعوبة.

موقف حقوقي محلي ودولي

ترى ناشطات أفغانيات ومنظمات نسوية محلية أن زواج القاصرات في ظل طالبان لم يعد ظاهرة اجتماعية فقط، بل أصبح نتيجة مباشرة لسياسات تُقصي النساء من التعليم والعمل والحياة العامة.

وحذرت منظمات وحركات حقوقية أفغانية من أن المراسيم الجديدة المتعلقة بالزواج والطلاق تزيد من سلطة الرجال على حياة النساء والفتيات، وتخلق بيئة قانونية تجعل الخروج من الزواج القسري شبه مستحيل.

دولياً، تعد منظمات – مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية – سياسات طالبان تشكل نظاماً من الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.

وتشير العفو الدولية في تقريرها لعام 2026 إلى أن أفغانستان تواجه أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، مع استمرار الانتهاكات ضد النساء والفتيات، وغياب شبه كامل لضمانات المحاكمة العادلة والحماية القانونية.

أما الأمم المتحدة، فقد تعاملت مع القيود المفروضة على النساء والفتيات في أفغانستان باعتبارها جزءاً من نمط تمييزي ممنهج، وفي مايو 2026 قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن مرسوم طالبان الجديد بشأن الفصل بين الزوجين يمثل خطوة إضافية في تقويض حقوق النساء والفتيات، في حين حذرت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان من أثره في زواج الأطفال واستقلال النساء.

غياب الحماية يفاقم الانتهاك

في الظروف الطبيعية، يفترض أن تحمي مؤسسات الدولة الطفلات من الزواج القسري، وأن تضمن لهن التعليم، والرعاية الصحية، والحماية من العنف، وآليات الشكوى، لكن في أفغانستان اليوم، تتقلص هذه الحماية بشكل حاد؛ فالمنظمات النسوية تعرضت للقيود أو الإغلاق، والمحاكم تخضع لتفسيرات طالبان، والنساء العاملات في القطاعات العامة والحقوقية غُيّبن إلى حد كبير.

ويعني ذلك أن الفتاة التي تُجبر على الزواج قد لا تملك مكاناً آمناً تذهب إليه، ولا مؤسسة مستقلة تشتكي لها، ولا قضاءً يضمن لها حقها في الرفض أو الانفصال أو الحماية من العنف، وهنا يتحول الزواج المبكر من ممارسة اجتماعية ضارة إلى منظومة حرمان كاملة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية