منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أطفال العراق في مواجهة التشريع.. هل يقوّض تعديل الأحوال الشخصية عقوداً من الحماية القانونية؟

07 أغسطس 2026
أطفال عراقيون
أطفال عراقيون

في بلد لا يزال يضمِّد جراح عقود من الحروب والعنف والنزوح، تواجه الطفولة العراقية تحدياً جديداً لا يأتي من ساحات القتال أو الجماعات المسلحة، بل من قلب الجدل التشريعي نفسه، ففي الوقت الذي يحيي فيه العالم “اليوم الدولي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان” تتصاعد المخاوف داخل العراق وخارجه من أن تؤدي التعديلات الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية إلى إضعاف الحماية القانونية للأطفال، وخصوصاً الفتيات، في بلد تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ملايين النساء فيه تعرضن بالفعل للزواج المبكر.

القضية لم تعد مجرد نقاش قانوني بين مؤيدين ومعارضين، بل تحوّلت إلى ملف حقوقي وإنساني يحظى بمتابعة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، وسط تساؤلات حول مستقبل حقوق الطفل في العراق ومدى توافق التشريعات الجديدة مع الالتزامات الدولية التي تعهدت بها الدولة العراقية.

قانون صنع مرحلة كاملة

عندما صدر قانون الأحوال الشخصية رقم 188 عام 1959 في العراق، اعتبره العديد من المختصين في القانون أحد أكثر التشريعات تقدماً في المنطقة العربية، فقد وضع إطاراً قانونياً موحداً ينظم الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والإرث تحت إشراف القضاء المدني، وأسهم لعقود في توفير مرجعية قانونية واحدة للأسر العراقية.

لكن المشهد تغير مع إقرار مجلس النواب العراقي تعديلات جديدة خلال يناير 2025، ووفق ما وثقته مكتبة الكونغرس الأمريكية، تمنح التعديلات مساحة أوسع لتطبيق الأحكام المذهبية في بعض القضايا الأسرية، وهو ما أثار انقساماً واسعاً بين القوى السياسية والدينية من جهة، والمنظمات الحقوقية والنسوية من جهة أخرى.

الآثار القانونية المترتبة

بحسب الوثائق التي ناقشتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، فإن جوهر المخاوف لا يتعلق فقط بنصوص محددة، بل بالآثار القانونية المترتبة على توسيع دور المرجعيات المذهبية في قضايا الأسرة.

وأكد خبراء الأمم المتحدة المستقلون المعنيون بحقوق الإنسان، في بيان نشره مكتب الأمم المتحدة في العراق، أن التعديلات قد تؤدي إلى تقويض الحماية القانونية الموحدة للنساء والأطفال، خصوصاً في ملفات الزواج والطلاق والحضانة.

ويرى هؤلاء الخبراء أن الخشية الأساسية تتمثل في احتمال الاستناد إلى تفسيرات فقهية مختلفة بشأن سن الزواج، بما قد يفتح الباب أمام ممارسات تتعارض مع المعايير الدولية الخاصة بحماية الأطفال.

أرقام تكشف عمق الأزمة

تكشف أحدث البيانات الدولية أن العراق يواجه بالفعل تحدياً كبيراً في ملف زواج الأطفال قبل الدخول في أي نقاش حول التعديلات القانونية.

فبحسب لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة خلال مراجعتها الدورية للعراق في مايو 2025، فإن 28 في المئة من الفتيات العراقيات يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة، بينما تتزوج 7 في المئة قبل سن الخامسة عشرة.

أما قاعدة بيانات زواج الأطفال العالمية المدعومة من الأمم المتحدة فتشير إلى أن نحو 3.4 مليون امرأة وفتاة في العراق تعرضن للزواج قبل سن الثامنة عشرة، في حين بلغت حالات الزواج قبل سن الخامسة عشرة نحو 972 ألف حالة.

وتعني هذه الأرقام أن الظاهرة لا تمثل حالات فردية أو استثنائية، بل قضية اجتماعية واسعة النطاق تمس ملايين الأسر العراقية.

الفقر.. المحرك الخفي

تشير بيانات قاعدة زواج الأطفال العالمية التابعة للأمم المتحدة إلى وجود علاقة مباشرة بين الفقر والزواج المبكر، فبين الأسر العراقية الأكثر فقراً تصل نسبة زواج الأطفال إلى نحو 36 في المئة، بينما تنخفض إلى قرابة 14 في المئة بين الأسر الأكثر استقراراً اقتصادياً.

وتوضح هذه المعطيات أن الزواج المبكر لا يرتبط فقط بعوامل اجتماعية أو ثقافية، بل يتداخل بشكل وثيق مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفع بعض العائلات إلى تزويج بناتها في سن مبكرة.

وتؤكد وزارة التخطيط العراقية في تقارير الفقر والتنمية البشرية أن المحافظات التي تعاني نسب فقر مرتفعة تسجل غالباً معدلات أعلى من التسرب المدرسي والزواج المبكر، وهو ما يعكس الترابط بين الأزمات الاقتصادية والحقوقية.

المدرسة أول الضحايا

وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، يعد الزواج المبكر من أبرز أسباب انقطاع الفتيات عن التعليم في العراق، فغالبية الفتيات اللائي يدخلن الحياة الزوجية في سن مبكرة يتركن مقاعد الدراسة نهائياً، ما ينعكس على فرصهن في الحصول على عمل مستقبلاً، ويؤدي إلى استمرار دورة الفقر عبر الأجيال.

وتشير “يونيسف” إلى أن التعليم يمثل أحد أهم عوامل الحماية من الزواج المبكر، وأن ارتفاع سنوات الدراسة يرتبط مباشرة بانخفاض احتمالات زواج الفتيات قبل بلوغ الثامنة عشرة.

كما تؤكد المنظمة أن الفتاة التي تكمل تعليمها الثانوي تكون أقل عرضة للزواج المبكر مقارنة بالفتيات اللائي يتركن الدراسة في المراحل الأولى.

التداعيات الصحية

لا تتوقف آثار الزواج المبكر عند التعليم فقط، فبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الصحة العالمية، تواجه الفتيات اللاتي يحملن في أعمار صغيرة مخاطر صحية أعلى مقارنة بالنساء البالغات.

وتشمل هذه المخاطر مضاعفات الحمل والولادة، وارتفاع احتمالات الولادة المبكرة، وزيادة معدلات المشكلات الصحية المرتبطة بالأمومة المبكرة.

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحمل خلال مرحلة المراهقة يرتبط بمخاطر صحية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد تؤثر في الأم والطفل معاً.

وتحذر الأمم المتحدة من أن الزواج المبكر غالباً ما يحرم الفتاة من حقها في اتخاذ قراراتها المتعلقة بالصحة والتعليم والعمل والحياة الأسرية.

العنف المقنن

تصنف الأمم المتحدة زواج الأطفال ضمن الممارسات الضارة بحق الأطفال والفتيات، ووفق لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة التابعة للأمم المتحدة، فإن الزواج المبكر يندرج ضمن أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، لأنه يتم في ظروف لا تملك فيها الطفلة القدرة الكاملة على اتخاذ قرار حر ومستقل بشأن مستقبلها.

كما تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن الزواج المبكر يزيد من احتمالات تعرض الفتيات للعنف الأسري والحرمان من التعليم والتبعية الاقتصادية.

وتشير المنظمة في تقريرها العالمي لعام 2025 إلى أن العراق ما زال يواجه تحديات كبيرة في الحد من زواج الأطفال، محذرة من أن أي ثغرات قانونية إضافية قد تؤدي إلى اتساع الظاهرة.

الزيجات غير المسجلة

من أكثر القضايا إثارة للقلق تلك المرتبطة بالزيجات غير المسجلة رسمياً، فبحسب تقارير هيومن رايتس ووتش، فإن نسبة ملحوظة من هذه الزيجات تشمل فتيات قاصرات، ما يضعهن خارج مظلة الحماية القانونية الكاملة.

وتؤكد المنظمة أن عدم تسجيل الزواج رسمياً قد يحرم النساء والفتيات من حقوق أساسية تتعلق بالنفقة والإرث والحضانة وإثبات النسب، ويجعل أوضاعهن أكثر هشاشة في حال النزاعات الأسرية أو الطلاق.

موقف الأمم المتحدة

لم يقتصر الاهتمام بالقضية على المنظمات الحقوقية، فقد ناقشت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة الملف خلال مراجعة العراق في جنيف عام 2025، وأثارت تساؤلات مباشرة بشأن مدى توافق التعديلات الجديدة مع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.

كما دعا خبراء الأمم المتحدة السلطات العراقية إلى ضمان عدم استخدام أي نصوص قانونية تسمح بانتقاص حقوق الأطفال أو تقويض الحماية التي توفرها المعايير الدولية، وأكد الخبراء أن حقوق الطفل يجب أن تبقى فوق أي اعتبارات أخرى عند صياغة التشريعات الوطنية.

رد الحكومة العراقية

من جهتها، أكدت الحكومة العراقية أمام لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن الحد الأدنى القانوني للزواج ما زال 18 عاماً، وأوضح الوفد العراقي أن القانون يسمح بالزواج في سن 15 عاماً فقط بقرار قضائي وتحت شروط محددة تشمل التحقق من المصلحة الفضلى للقاصر.

كما شددت السلطات العراقية على أن القضاء يظل الجهة المختصة بالمصادقة على عقود الزواج، وأن أي زواج يتم خارج الأطر القانونية يخضع للمساءلة، إلا أن هذه التوضيحات لم تُنهِ المخاوف الحقوقية، حيث تواصل المنظمات المحلية والدولية المطالبة بضمانات قانونية أكثر وضوحاً.

المنظمات العراقية في المواجهة

أبدت منظمات عراقية عدة، من بينها شبكة النساء العراقيات وجمعية الأمل العراقية ومنظمات مدافعة عن حقوق المرأة والطفل، اعتراضها على التعديلات المثيرة للجدل.

وأكدت هذه المنظمات في بيانات متعددة أن العراق يحتاج إلى تعزيز الحماية القانونية للأطفال وليس تقليصها، خصوصاً في ظل استمرار تحديات الفقر والنزوح والعنف الأسري والتسرب المدرسي.

كما حذرت من أن أي تراجع في سن الحماية القانونية قد يؤدي إلى آثار اجتماعية عميقة تمتد لعقود.

اختبار للالتزامات الدولية

العراق طرف في اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتلزم هاتان الاتفاقيتان الدولة باتخاذ تدابير فعالة لحماية الأطفال من الاستغلال والزواج المبكر والممارسات الضارة.

كما ينص الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة على ضرورة القضاء على زواج الأطفال بحلول عام 2030، ولهذا تنظر المؤسسات الدولية إلى الجدل الدائر حول قانون الأحوال الشخصية بوصفه اختباراً حقيقياً لمدى التزام العراق بتعهداته الدولية في مجال حقوق الإنسان.

معركة تتعلق بالمستقبل

بعيداً عن السجالات السياسية والقانونية، تبقى الحقيقة الأبرز أن القضية تتعلق بمستقبل جيل كامل من الأطفال العراقيين، ففي بلد ما زال يعاني من آثار الحروب والإرهاب والنزوح والفقر، تبدو حماية الأطفال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ملايين الفتيات العراقيات ما زلن معرضات لمخاطر الزواج المبكر والتسرب المدرسي والعنف والاستغلال.

ولهذا فإن النقاش الدائر اليوم لا يقتصر على تفسير مواد قانونية أو تنظيم شؤون الأسرة، بل يتعلق بالمسار الذي سيختاره العراق لمستقبل أطفاله، وبمدى قدرته على بناء منظومة قانونية تضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبارات أخرى.

صدر قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 عام 1959 ليشكل أحد أبرز التشريعات المدنية في المنطقة العربية، وخلال أكثر من ستة عقود ظل القانون مرجعاً أساسياً لتنظيم قضايا الأسرة.

وفي يناير 2025 أقرّ مجلس النواب العراقي تعديلات أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، وتؤكد بيانات لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة وقاعدة بيانات زواج الأطفال العالمية أن 28 في المئة من الفتيات العراقيات يتزوجن قبل سن الثامنة عشرة، بينما يبلغ عدد النساء والفتيات اللواتي تعرضن للزواج المبكر نحو 3.4 مليون حالة، وتواصل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان متابعة تطورات الملف باعتباره أحد أكثر ملفات حقوق الطفل حساسية في العراق خلال عامي 2025 و2026.