منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرية المعتقد بين الاعتراف والرقابة.. تساؤلات حول تقييد الشعائر الدينية في الصين وإريتريا

06 يونيو 2026
قلق حقوقي إزاء تقييد حرية المعتقد في الصين وإريتريا
قلق حقوقي إزاء تقييد حرية المعتقد في الصين وإريتريا

لا تُقاس حرية الدين والمعتقد بمجرد النص عليها في الدساتير أو الاعتراف بعدد محدود من الديانات، بل بقدرة الأفراد والجماعات على ممارسة شعائرهم بحرية وأمان، من دون خوف من الملاحقة أو الاحتجاز أو الإقصاء من الحياة العامة، فالحق في الإيمان أو عدم الإيمان.

وفي التعبير عن المعتقد وممارسته جماعياً أو فردياً حق من الحقوق الأساسية التي كرستها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتكشف حالتا الصين وإريتريا أن الاعتراف القانوني بالدين لا يعني بالضرورة ضمان حرية الممارسة، ففي الصين تسمح الدولة بعدد من الديانات المعترف بها رسمياً، لكنها تُخضع النشاط الديني لرقابة صارمة وإشراف مؤسسي واسع، خصوصاً في المناطق التي تضم أقليات دينية أو قومية.

أما في إريتريا، فيقوم النظام الديني الرسمي على الاعتراف بعدد محدود جداً من الجماعات، مع حظر أو تضييق شديد على غيرها.

وبين النموذجين، يظهر سؤال حقوقي مشترك.. هل تكون حرية الدين حقيقية عندما لا يستطيع الأفراد ممارسة شعائرهم إلا داخل حدود ترسمها الدولة، وتحت رقابة أمنية أو إدارية دائمة؟

تعدد ديني تحت إشراف الدولة

تضم الصين واحدة من أكبر البيئات الدينية والروحية في العالم، إلا أن قياس حجم الانتماء الديني فيها يظل معقداً، فقد أوضح مركز بيو للأبحاث أن شخصاً واحداً فقط من كل عشرة بالغين في الصين يعرّف نفسه رسمياً باعتباره منتمياً إلى دين معين، رغم أن أعداداً أكبر تمارس طقوساً ومعتقدات ذات طابع ديني أو روحي.

وتعترف السلطات الصينية بخمس ديانات رسمية هي البوذية، والطاوية، والإسلام، والكاثوليكية، والبروتستانتية. غير أن الاعتراف لا يعني حرية كاملة للممارسة؛ إذ تشترط الدولة تسجيل الجماعات والمؤسسات الدينية ضمن هياكل رسمية، وتخضع أنشطتها لإشراف حكومي مباشر.

وتشير تقارير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن السلطات الصينية شددت خلال السنوات الأخيرة القيود المفروضة على النشاط الديني، ومنها مراقبة الجماعات الدينية الرسمية وغير الرسمية، وتقييد التعليم الديني، ومراقبة الخطاب الديني داخل دور العبادة وخارجها.

وتبرز أوضاع الأويغور وغيرهم من الأقليات المسلمة في شينجيانغ ضمن أكثر الملفات إثارة للقلق، فقد خلص تقييم مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بشأن شينجيانغ، الصادر عام 2022، إلى وجود انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد الأويغور وغيرهم من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مشيراً إلى أن نطاق القيود والاحتجاز قد يرقى إلى جرائم دولية، منها جرائم ضد الإنسانية.

كما تقول هيومن رايتس ووتش إن الحكومة الصينية شددت اللوائح الدينية في شينجيانغ، ما يفرض قيوداً إضافية على ممارسة المسلمين الأويغور لشعائرهم. وفي تقريرها العالمي لعام 2025، قالت المنظمة إن مئات الآلاف من الأويغور ما زالوا مسجونين ضمن حملة أوسع وصفتها بأنها جرائم ضد الإنسانية.

وتشمل السياسات المثيرة للقلق، وفق منظمات حقوقية، إعادة تشكيل الفضاءات الدينية والثقافية، وتغيير أسماء قرى وبلدات ذات دلالات إسلامية أو أويغورية، وتعديل أو إغلاق بعض دور العبادة، في إطار سياسة أوسع تسعى إلى مواءمة الدين مع الخط السياسي والثقافي الرسمي للدولة.

اعتراف محدود وملاحقة مستمرة

في إريتريا تبدو القيود أكثر مباشرة، فبحسب اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية، لا تعترف الحكومة إلا بأربع جماعات دينية مسجلة رسمياً.. الإسلام السني، والكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية الإريترية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والكنائس الإنجيلية اللوثرية.

ولا تسمح السلطات للجماعات غير المسجلة ببناء دور عبادة أو امتلاكها أو ممارسة الشعائر الجماعية بصورة قانونية، وتؤكد اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية في تقريرها لعام 2026 أن أوضاع الحرية الدينية في إريتريا ظلت “سيئة للغاية” خلال عام 2025، وأن الحكومة واصلت اضطهاد أفراد على أساس معتقداتهم الدينية.

وتشير اللجنة إلى استمرار احتجاز مئات المسيحيين وعشرات من شهود يهوه، إلى جانب أشخاص يرفضون الخدمة العسكرية لأسباب دينية أو ضميرية، في ظروف قاسية، أحياناً داخل معسكرات عسكرية أو مرافق احتجاز لا توفر ضمانات كافية للصحة والسلامة.

بين الأمن والحق في الممارسة

تدافع الحكومات عادة عن القيود المفروضة على النشاط الديني باعتبارها جزءاً من حماية الأمن العام أو النظام الاجتماعي أو مكافحة التطرف، غير أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يضع شروطاً صارمة لأي قيود على حرية الدين والمعتقد، بحيث تكون محددة بالقانون، وضرورية، ومتناسبة، ولا تؤدي إلى إلغاء جوهر الحق نفسه.

وفي الصين، تربط السلطات سياساتها في شينجيانغ بمكافحة “التطرف” و“الانفصال”، لكنها تواجه انتقادات أممية وحقوقية واسعة بسبب اتساع القيود واستهدافها ممارسات دينية وثقافية سلمية.

وفي إريتريا، لا تقدم السلطات مساحة فعلية كافية للتعدد الديني خارج الجماعات المعترف بها، ما يضع الأفراد غير المنتمين إلى هذه الجماعات في دائرة الخطر الدائم.

وتكشف الحالتان أن الرقابة على الدين لا تؤثر فقط في حرية العبادة، بل تمتد إلى الهوية واللغة والثقافة والتعليم والحق في التجمع والتنظيم. فعندما تصبح ممارسة الشعائر مشروطة بولاء سياسي أو تسجيل رسمي صارم، يتحول الحق في المعتقد من حرية فردية وجماعية إلى امتياز تمنحه الدولة وتستطيع سحبه.

قراءة مختلفة في الصين

يقدم الخبير تيمو شميتز قراءة مغايرة للتقييمات الحقوقية المنتقدة لأوضاع الحرية الدينية في الصين، حيث يؤكد في حديثه لمنصة «صفر» أن الإطار القانوني الصيني يوفر الحماية لممارسة الشعائر الدينية، وأن الأقليات العرقية تتمتع بحقوق تتيح لها الحفاظ على تقاليدها ومعتقداتها.

ويشير شميتز إلى أن الصين تضم تنوعاً دينياً واسعاً ينعكس في انتشار المعابد البوذية والمساجد الإسلامية والكنائس المسيحية ومؤسسات المعتقدات الشعبية المحلية في مختلف المناطق، ومنها الأقاليم التي تسكنها الأقليات العرقية.

ويستشهد بمسجد إيد كاه في مدينة كاشغر، أحد أبرز المعالم الإسلامية في البلاد، والذي يُصنف ضمن المواقع الوطنية المحمية، معتبراً أن الحفاظ على هذا الموقع وغيره من المواقع الدينية يعكس اهتمام الدولة بحماية التراث الديني والثقافي لمختلف المكونات السكانية.

ويرى أن استمرار نشاط دور العبادة واستقبالها للمصلين بصورة منتظمة يعكس وجود حياة دينية نشطة ومتنوعة في أنحاء البلاد، وأن تقييم أوضاع الحرية الدينية ينبغي أن يأخذ في الاعتبار حجم الصين وتنوعها السكاني والثقافي.

إريتريا.. اعتراف محدود بالأديان

في إريتريا، تبدو الصورة مختلفة، فبحسب تقارير لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية، لا تعترف الدولة سوى بأربع مجموعات دينية هي الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية الإريترية، والكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الإنجيلية اللوثرية، والإسلام السني، أما الجماعات الأخرى فتواجه قيوداً قانونية وإدارية تحد من قدرتها على ممارسة شعائرها بصورة رسمية.

ويربط النظام القانوني الإريتري النشاط الديني بالتسجيل الرسمي، ما يجعل ممارسة بعض الجماعات غير المعترف بها أكثر تعقيداً من الناحية القانونية والإدارية.

ويؤدي هذا الإطار إلى تفاوت في القدرة على ممارسة الشعائر بين الطوائف المعترف بها وغيرها، حيث تتركز الأنشطة الدينية الرسمية ضمن مؤسسات محددة تخضع لإشراف الدولة.

احتجازات مرتبطة بالمعتقد

تفيد بيانات لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية بأن مئات المسيحيين وعشرات من أتباع شهود يهوه ما زالوا محتجزين بسبب معتقداتهم الدينية.

ووفق تقارير حديثة، كان هناك نحو 500 مسيحي محتجزين خلال عام 2023، بينهم قرابة 40 من أتباع شهود يهوه، في حين سجلت منظمات معنية بحرية الدين اعتقال ما لا يقل عن 110 مسيحيين خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024، كما بقي 63 من أتباع شهود يهوه رهن الاحتجاز بسبب معتقداتهم الدينية فقط، وفق ما أوردته التقارير ذاتها.

وتكشف التجربتان في الصين وإريتريا أن حرية الدين والمعتقد لا تقاس فقط بوجود نصوص قانونية أو مؤسسات دينية قائمة، بل بقدرة الأفراد والجماعات على ممارسة معتقداتهم دون تمييز أو خوف أو قيود غير مبررة.

وبين الروايات الرسمية والانتقادات الحقوقية، يبقى الحق في العبادة وحرية المعتقد أحد الحقوق الأساسية التي ما تزال تواجه تحديات متفاوتة حول العالم. كما تظل الموازنة بين متطلبات التنظيم الحكومي والالتزامات الدولية المتعلقة بحرية الدين من أكثر القضايا الحقوقية حضوراً في النقاشات الدولية المعاصرة.